ليعود السلاح الى مكانه الطبيعي ولنسمي الأشياء بمسمياتها

بقلم:

منذ عدة أشهر والشارع الليبي يشتط غضبا من ظاهرة انتشار السلاح بشكل مخيف ومهدد للأمن والأمان.. وتعالت الأصوات بضرورة حل كافة الكتائب والميليشيات المسلحة مهما كانت الجهات التابعة لها.. وان يتم وعلى وجه السرعة تفعيل الجيش والشرطة لاحتواء تلك الكتائب والميليشيات  للحد من هذه الظاهرة التي لم تقلق الشارع الليبي فقط بل أصبحت محل انتقاد وقلق كافة الدول التى بدأت تعيد علاقاتها الطبيعية معنا بعد قيام ثورة السابع عشر من فبراير التي كانت محل فخر واعتزاز بل وإعجاب كافة شعوب العالم،،هذه الصورة الجميلة للأسف بدأت تتشوه بسبب انتشار السلاح عن طريق تلك الكتائب بالأخص بعدما انتشرت أخبار الاعتقالات والانفجارات وعمليات التعذيب والقتل خارج نطاق القانون من قبل عناصر تابعة  لجماعات مسلحة مشكوك في انتماءها  ومصادر تمويلها والجهات التابعة لها. وفي هذا الصدد كان لنا مقال سبق نشره يحذر من عواقب استمرار هذه الكتائب في عملها خارج الشرعية القانونية،، لعل هذه الفقرة من المقال المعني خير دليل على ذلك ((فطالما هذه الكتائب والسرايا والميليشيات متواجدة على ارض الواقع وبهذه القوة المخيفة فان الخطر سيستمر قائما على امن الوطن والمواطن..وطالما الشعب اختار ممثليه في المؤتمر الوطني العام وبالتالي أصبحت لهذا المؤتمر الشرعية التي تمنحه قوة اتخاذ القرار في هذه المرحلة الانتقالية من الثورة الى الدولة،،وحتى نتمكن من الخروج من عنق الزجاجة التى أدخلنا فيها المجلس الانتقالي وحكومته الهزيلة في عدم التمكن من السيطرة على الأوضاع الأمنية خلال الفترة الماضية بحجة عدم تفعيل الجيش والشرطة..في إشارة الى خضوع الجميع آنذاك لسيطرة وتغول تلك الكتائب والسرايا بالأخص منها ما ولد بعد إعلان التحرير وبالتالي تغول بعض مراكز القوى التي نشك في أنها مدعومة من قوى خارجية وبأموال مشبوهة وغير معلومة المصدر حتى ألان.

وبالتالي فأن على المؤتمر الوطني العام ألان كامل المسئولية  في أن يتخذ القرارات الشجاعة بضرورة إنهاء المظاهر المسلحة المتمثلة في انتشار هذه الكتائب والسرايا والميليشيات وإصدار قرار بضم  كافة الأسلحة والمعدات والآليات إما للقوات المسلحة وإما لوزارة الداخلية،،وقبل هذا وذاك وجوب إصدار القرارات والقوانين التي ستفعل دور هاتين المؤسستين الأمنيتين لكي يتم دعم الأمن والأمان للوطن والمواطن.))

والذي حدث يوم جمعة إنقاذ بنغازي أو بالأحرى جمعة إنقاذ ليبيا فهو خير دليل على ان الشعب الليبي رفض  وجود هذه الأجسام الغريبة جاثمة على صدورنا تصول وتجول دون رقيب وحسيب.. تمتلك الأسلحة المتنوعة،،تعتقل وتعذب وتقتل وتفجر وتغتال ترهب الناس ليلا نهارا  تفتش كل من هب ودب في بوابات اغلبها وهمية،، استولت على مقرات حكومية وشعبية ومعسكرات تابعة للقوات المسلحة ،، امتلكت كل شئ بسلطة وضع اليد المدججة بالسلاح.

ووصل الأمر في أخر المطاف إلى محاولة فرض الأمر الواقع إما بالاعتراف بشرعية كل نلك الكيانات الغريبة أو اللجؤ للسلاح لفرض ذلك عنوة.. لا بل الأمر أدهى من ذلك،، قادة تلك الكتائب والميليشيات أرادوا فرض إرادتهم بتولي مراكز عسكرية قيادية متجاهلين كافة الأعراف العسكرية الموجبة لنظام الاقدمية  والمهنية والتسلسل العسكري المتعارف عليه،، وذلك بحجة أنهم كانوا قادة ميدانيين في جبهات القتال وهم اغلبهم مدنيين لا خبرة عسكرية لهم اللهم تواجدهم في تلك الجبهات لضرورات الحرب التى فرضها علينا القذافي وأعوانه..

وبعدما حدث ما حدث في أعقاب تلك المظاهرة من اقتحام لبعض الكتائب والسرايا بمدينة بنغازي في رسالة واضحة وجلية للجمع داخل الوطن وخارجه بان أسلوب تحكم واستقراء الكتائب المسلحة تحت أي مسمى كان  مرفوض شكلا وموضوعا لأنه إما أن تكون ليبيا السابع عشر من فبراير تحت حماية جيش نظامي وفقا لكافة المعايير العسكرية المعمول في كافة دول العالم، وبالتالي يكون فعلا السيد رئيس الأركان يرأس مؤسسة عسكرية محترفة،، وإلا ستكون ليبيا تحت رحمة وسيطرة كتائب وسرايا مسلحة امتلكت أسلحتها بقوة السلاح على اعتبار ذلك غنيمة حرب وبالتالي فان السيد رئيس الأركان سوف يكون رئيسا لتنظيم  كتائبي مسلح ومن ثم لا نستغرب تواجد قادة أركان آخرين لكتائب وسرايا أخرى موازية لتلك التي منحت الشرعية باعتبارها منطوية تحت لواء السيد اللواء رئيس الأركان، وذلك على غرار الحال في لبنان الذي تتحكم فيه قوى مشابهة من كتائب وميليشيات. تحت زعامة وقيادة_((الجميل وميشيل عون ونصر الله وجعجع،، وهلما جرا))

وهاهي  أحداث جمعة الإنقاذ قد أفرزت أولى إرهاصات تحكم قادة تلك الكتائب مهددا ومتوعدا وكأنه هو فعلا من لديه القوة لتنفيذ وعيده وتهديده وذلك لا لشئ إلا لأنه مدعوم  معنويا وماديا على المستويين الداخلي والخارجي،،الأمر الذي جعل السادة رئيس المؤتمر الوطني ورئيس الأركان يذعنان بالاعتراف بشرعية كتيبته وكتائب أخرى مشابهة لها في القوة وسلطان الدعم المعنوي والمادي الداخلي  والخارجي،،لأننا سوف لن ننسي بأن أولئك القادة المعنيين كثيرا ما كانوا ضيوفا على دولة قطر وسمعنا كثيرا عن الدعم القطري لبعض الكتائب الإسلامية الأمر الذي اقر به السيد رئيس المجلس الانتقالي في احد تصريحاته.وبالتالي الصورة بدأت تتشكل وبوضوح بان الكتائب التي فعلا تم الاعتراف بها رسميا بعد أحداث جمعة الغضب،، هي تلك التي كانت تصلها التعزيزات العسكرية القطرية أثناء حرب التحرير وبالتالي تمكنت من الوصول الى ان أصبحت قوى مؤثرة منذ ألان وتريد بذلك ان تكون لها السيطرة على مجريات الأمور داخل المؤسسة العسكرية مستقبلا.

وطالما الأمر كذلك،، فإننا سنستمر في المطالبة وبإلحاح بضرورة ان تكون المؤسسة العسكرية عسكرية فعليا كما عهدناها المتكونة من فيالق وألوية وكتائب وسرايا ذات الأرقام المتعارف عليها وليست ذات المسميات الغير معهودة في كافة جيوش العالم المهنية والمحترفة، وبالتالي عدم إتاحة الفرصة لمن لديه أجندة وإيديولوجية معينة بان يتغلغل في هذه المؤسسة العريقة تحت مسميات تدل على مضمونها الغير معلن.

هذا  من جهة،، ومن جهة أخرى،، فإذا أراد السيد اللواء رئيس الأركان أن يعطي الشرعية لأعضاء تلك الكتائب صاحبة الحظوة،،فما عليه إلا أن يعرض عليهم جميعا الاستعداد لدورات عسكرية احترافية  سواء داخل الوطن أو خارجه لإعادة تأهيلهم وصقلهم لتحمل أعباء الخدمة العسكرية النظامية وذلك كلا وحسب مستواه العلمي ، وعلى ان يراعي في ذلك نظام الاقدمية وفقا للتسلسل العسكري المعروف ،وان لا تمنح مزايا لهم قد تؤثر سلبا في عملية الانضباط العسكري.. عندها فقط ستتضح نوايا من لا يريد خيرا لهذا الوطن..

وان لم يكن ذلك كذلك فان الأصل عودة السلاح لمخازن الجيش هو الأولى دون المزايدة علينا..وان يعود الجميع كلا إلى مقر عمله الأصلي ومن يريد التمسك بالسلاح عليه الانضمام إما الى الجيش أو الشرطة بعيدا عن أية تكتلات أو مسميات حزبية أو توجهات فكرية دخلت علينا بعد قيام ثورة السابع عشر من فبراير.. وإلا فساحات الحرية لازالت قائمة وشعبنا المناضل لازال  لم ينسى بعد دماء الشهداء ونبض الحرية والانعتاق في عروقه سارية إلى أن تتحقق أحلامنا وطموحاتنا..فجمعة الغضب ستعقبها  جمعة أخرى وأخرى في كل ربوع الوطن حتى نتخلص من كابوس هذه الكتائب والسرايا المستحوذة على السلاح والذي بجب أن يكون مكانه الطبيعي داخل مخازن  المؤسسة العسكرية لا ان يكون في ايدى عابثة تهدد مصالح الوطن  العليا،التي أصبحت هذه الأيام في المحك لأننا نعيش في منظومة دولية تريد التعامل مع وطن خال من الظواهر المسلحة المخيفة.وطن الأمن والأمان.

ليبيا..حفظك الله ورعاك..

الشارف الغرياني

الكاتب:

المحامي/ الشارف عبدالسلام الغرياني

عدد المقالات المنشورة: 1.