توحيد المؤسسات السياديّة ضرورة وطنية، فمن يبادر؟

بقلم:

في هذا الوضع الليبي المتأزم أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وفي ظل الانقسام الذي تعانيه البلد في سلطاتها التشريعية والتنفيذية والرقابية، يكون جديرا اليوم العمل على توحيد المؤسسات الليبية السيادية، والنأي بها عن كل التجاذبات السياسية التي تعصف بالبلد الآن. ان الانقسام السياسي وما ترتب عنه من انقسام في كل مؤسسات الدولة واداراتها، خلق مناخا ملوثا من الفوضى الإدارية، التي خيّمت بظلالها على مجريات الاحداث، وبالتالي على فاعلية الأداء في كل المؤسسات الليبية العامة، ما جعلها تعاني وضعا تسييريا “إداريا وفنيا” صعبا، نتيجة لتعدد الاجسام في مستوى الإدارة العليا.

ان الاستقرار الإداري – ولا شك – هو من ضمانات نجاح المؤسسات، وما يعنيه ذلك من وحدة متخذي القرارات، وثبات سلطة التوجيه والتخطيط والمراقبة، لكن ما تعيشه ليبيا اليوم من فوضى، افقدت العمل الإداري محتواه حيث أدى الانقسام في السلطات العليا الى انقسام مترافق في اغلب المؤسسات الليبية العامة والشركات، وهو ما أدى بالنتيجة الى قصور حقيقي في الأداء، لفقدان التواصل الإداري وفق الهيكليات العاملة للمؤسسات، والتي صارت تتغير باستمرار، وان ثنائية وثلاثية السلطات العليا على مستوى الدولة والمتمثلة في مجلس النواب والمؤتمر العام وما يتبعهما من حكومات تعمل حتى الآن بالتوازي، اوجد حالة من “اللا استقرار” الإداري، والتخبط في المؤسسات والهيئات العامة، من حيث تبعيتها لأي من هذه الحكومات، وما نتج عنه من فوضى إدارية ومالية،

من اوجب المساهمات الوطنية اليوم في ليبيا، هو الحفاظ على وحدة المؤسسات والهيئات العامة،  وعدم اخضاعها للانقسام السياسي، وبالرغم من انه وبكل اسف، قد تمّ تفعيل الانقسام الإداري في الوزارات والهيئات والشركات العامة منذ 2014 تبعا لذلك الانقسام اللعين!، الا ان الأمر اليوم اضحى يتطلب التحرك سريعا، للحد من هذا العبث والعمل على إعادة توحيد الاجسام التشريعية والتنفيذية كافة، بما يحافظ على وحدة البلد وصون سيادته، نعلم انه ليس سهلا الآن تنفيذ هذه الخطوة مرة واحدة، بالنظر الى استمرار الاختلاف السياسي، الا انه بالإمكان البدء في تفعيل توحيد المؤسسات الليبية السياديّة على وجه التحديد، وهي المصرف المركزي والمؤسسة الليبية للاستثمار وهيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة والشركة العامة للكهرباء وشركات الطيران وشركات البريد والاتصالات وشركة النقل البحري ومصلحة الضرائب وجهاز الجمارك.

هذه المؤسسات السياديّة ينبغي الإسراع في إعادة توحيدها والنأي بها عن التجاذبات السياسية، وان إرادة ذلك يجب ان تنبع من العاملين بهذه المؤسسات قبل غيرهم، طالما ان الساسة عجزوا او أرادوا ان تبقى مقسّمة لمصالحهم الشخصية!، من العار ان يوجد محافظان للمصرف المركزي، ورئيسان لشركة الاستثمارات، ورئيسان لهيئة الرقابة الإدارية، ورئيسان لديوان المحاسبة ورئيسان للشركة العامة للكهرباء.. الخ!، ان استمرار مثل هذا العبث بعد مضي أكثر من ست سنوات، يعد إساءة واضحة لسيادة الليبيين وتخريب متعمد لمؤسساتهم السياديّة، وهو ما يتطلب وقفة وطنية جادة من العاملين في هذه المؤسسات العامة، وخاصة ممن يتولون قيادتها الآن في الجانبين، ليبادروا بإعلان إعادة توحيدها.

ان المصلحة الوطنية تقتضي التنازل الإيجابي عن كل المناصب لأجل الوطن وهو ما ننتظره منهم اليوم قبل الغد، فهل سنشهد قريبا اجتماعات موحدة لكل هذه الثنائيات القسريّة!؟ هل سنشهد اجتماعا موحدا لمحافظي مصرفنا المركزي يعلن فيه عن انهاء الانقسام وإعادة تشكيل قيادة وإدارة واحدة للمصرف!؟ وهل نشهد اجتماعا موحدا لرئيسي هيئة الرقابة الإدارية ورئيسي ديوان المحاسبة ورئيسي شركة الكهرباء ورئيسي شركات الطيران والاتصالات!؟ يعلن فيه عن العودة الى ما كان عليه الوضع سابقا ويتقاسم الطرفان في كل جانب المناصب الإدارية العليا حفاظا على المصلحة العامة؟! ترى من سيبادر ويحظى بشرف تقديم مصلحة الوطن والاخلاص في خدمته؟ من يبادر لينهي  هذا الازدواج العبثي المشين؟!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 176.