تجارة تهريب البشر، ليبيا جحيم المهاجرين الغير رسميين

بقلم:

ان قضية الهجرة الغير رسمية أصبحت هاجسا كبيرا، يقض مضاجع كل دول البحر المتوسط، وخاصة الدول الأوروبية باعتبارها الوجهة المقصودة للجموع الزاحفة من افريقيا وبعض قارات العالم الأخرى، في رحلة سفر مضنية محفوفة بالمجهول والخطر، يرتادها البعض من البشر الذين ضاقت بهم سبل العيش في اوطانهم، فتركوها مهاجرين باحثين عن الحد الأدنى من سبل العيش الكريم، والذي يرونه كالسراب امام نواظرهم، فيضعونه هدفا يتجشمون المخاطر لأجله برغم ادراكهم عدم مشروعيته بالنسبة للبلدان التي يعبرونها او يقصدونها كملاذ أخير.

ليبيا هذه البقعة من العالم، التي تتربع على ساحل طوله يقارب من الفي كيلومتر على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط ، وهي تتوسط الشمال الافريقي، يتخذها الأفارقة المهاجرون نقطة عبور رئيسة الى أوروبا، لقد كانت بدأت تجارة تهريب البشر في ليبيا منذ بضعة عقود، لكنها كانت محدودة وتواجهها بعض العراقيل الرسمية، والمتمثلة في المنظومة الأمنية للبلد عندما كانت ذات سيادة، حيث حرس الحدود والشرطة والجيش وكل الأجهزة الأمنية المكملة، فكان المهرّبون يواجهون مصاعب وعراقيل ومخاطر كبيرة، في سبيل نجاح عملياتهم التهريبية المحظورة، وايصال البشر المهاجرين الى الجانب الشمالي من المتوسط، عبر قوارب تهريب غير رسمية تمخر عباب البحر في جنح الظلام، تفاديا لعيون الجهات الأمنية،  وكان ذلك بمثابة الرادع الذي يحول دون تعاظم تلك الظاهرة ويجعلها في حدودها الدنيا.

ولكن بعد سقوط نظام القذافي 2011 ازدهرت بشدة تجارة تهريب البشر، في ظل الفوضى وعدم وجود الاجسام الأمنية التي كانت تهتم وتضبط الحدود والممرات، مما جعل الاعداد المتدفقة من المهاجرين تتضاعف مئات المرات، وهو ما دفع بالكثير من الطامعين الباحثين عن المال من عديمي الضمير، ان يتخذوا من تهريب المهاجرين تجارة ومهنة تدر عليهم الأموال فأحترفوها مهنة، لذلك تشكلت مجموعات تهريب منظمة صارت تمارس اعمالها بانتظام، وفق سلسلة من المجموعات الاجرامية موزعة عبر مسارات كل الأرض الليبية، حيث يتم استلام  المهاجرين من اول نقطة حدودية من قبل مجموعة تهريب في مجالها الجغرافي، ثم تستلمهم مجموعة أخرى من المهربين، وهكذا على طول المسافات عبر الأراضي الليبية، انتهاء بنقاط التجميع الأخيرة على الساحل الليبي، التي يمكن القول ان مجالها الحيوي يقع في المسافة التي تمتد من حوالي 150 كم شرق طرابلس الى حوالي 150 كلم غربها.

ان ما اود التنبيه اليه هو سوء المعاملة التي يتلقاها المهاجرون عبر الأراضي الليبية، من قبل المهربين الليبيين حيث يعاملونهم بكل قسوة وغلظة، بعيدا عن أي مشاعر إنسانية، وخاصة اثناء تنقلهم من مكان الى آخر، ويكفي ان نعرف ان المهاجرين يتم حشرهم في سيارات نقل صغيرة بأعداد كبيرة، حيث يوضعون فيها كحزمة الحطب وقوفا او جلوسا بطريقة تصفيف تسمح بنقل أكبر عدد منهم في السيارة الواحدة، فيتم رصّهم في صندوق السيارة كالأحجار! دون ابسط مراعاة لإنسانيتهم وآدميتهم، وتنطلق بهم تلك السيارات بسرعات عالية في طرق صحراوية وعرة وطويلة، مما يضاعف من شدة معاناتهم ومن يصاب منهم اثناء رحلة الموت تلك او يحاول الاعتراض يتم تهديده وربما حتى رميه بالرصاص وقتله.

ان معاملة المهاجرين العابرين لليبيا سيئة جدا من قبل مهربيهم، حيث يتم استغلالهم بصورة فضيعة داخل الأراضي الليبية، ولا تراعى فيهم ابسط حقوق الحيوان لا البشر!، فيتعرضون لأسوأ اعمال السخرة والابتزاز، ويعنّفونهم ماديا ومعنويا، ويجبرونهم على البقاء في أماكن غير مناسبة للحياة البشرية، والكثير من المهاجرين يموتون مرضا فيتركون في مجاهل الصحراء! ناهيك عن انه لا يوجد أدني اهتمام بهم من الناحية الغذائية والصحية، حيث لا تتوفر لهم الوجبات الغذائية المناسبة ولا الرعاية الصحية الدنيا، ولهذا تنتشر بينهم الامراض الخطيرة ويظلون يعانون منها حتى الموت! انهم يتصرّفون فيهم كالملاّك مع العبيد! ، الا انها بحق “تجارة رقيق العصر الحديث” !

ان الانسان ليعجز عن تصوير الوضع اللاإنساني المأساوي، الذي يعانيه المهاجرين العابرين داخل الأراضي الليبية ويكفي القول ان رحلتهم عبر ليبيا قطعة من العذاب لا مثيل له! انه وبدون مبالغة يمكن القول ان رحلة العبور خلال الأراضي الليبية لأولئك البؤساء المساكين من المهاجرين العابرين، هي اشبه بالجحيم، بل هي الجحيم الأرضي الذي يقاسي فيه المهاجرون شتى صنوف العذاب النفسي والمادي بدون أي وازع من ضمير، لدى من تجردوا من الاخلاق ومشاعر الإنسانية، انها بحق رحلة الى الجحيم، الى جهنم الدنيا وما أدراك ما هي!؟ لن تسلموا يا ليبيين من لعنة المستضعفين من المهاجرين العابرين التي ستلاحقكم جيل بعد جيل!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 170.