الزعيم: أسطورة منسية

بقلم:

صناعة الزعامة من أدبيات الثقافة العربية على مر السنين، والعيش في ظلالهم له رهبه مصطنعة، وإن وجدت الزعامة في ثقافات أخرى فهي مرحلية إلى حد بعيد، وهنا فرق كبير بين القائد والزعيم، فالأول من يقود شعبه في مرحلة معينة بغية تحقيق رؤية لها أهداف محددة، وتكون الرؤية متناسقة مع تطلعات الشعب، أما الزعيم فله سطوته الفردية فوق القانون، ورؤية التي قد لا يكون لها علاقة بتطلعات الشعب، ويبقى الزعيم في الحكم حتى يموت أو يقتل أو يفر هاربا. هذه الزعامة كثيرا ما تصنعها الشعوب لجهلها وتخلفها، وفي ذلك يقول الله تعالى عن فرعون “فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين” والمعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، أي أن (الشعب يصنع حكامه)، فنرى في المجتمعات البدائية التطلع إلى تعيين شخص قوي البنية سليط اللسان واضح البيان لتحتمي به المجموعة ويكون ضامنا لمطالبها.

صناعة الزعيم العسكري الاستبدادي تجارة رابحة للبطانة المقربة وللرسمالية الفاسدة التي تعيش على فتاته منذ العصر الجاهلي ثم الأموي والعباسي وحتى عبد الناصر (مراكز القوى الناصرية) والقذافي (اللجان الثورية) والأسد (العلويين)، وهذه البطانة بتعاونها مع المؤسسة الدينية رسخت موروث ثقافي مفاده أن الزعماء ظل الله على الارض وطاعتهم من طاعة الله، والخروج عنهم كفر، بل تروى حكايات ورؤى ترسخ عرش الزعيم، وتصنع هالة من القداسة لأفعاله، وتصدح الأبواق لتلميعه ويُمجد ببطولات لم يقوم بها، في حين أن الإسلام النقي لا نجد له زعامة بل قيادة للأمة وإرشادها لآجل نقلها من حياة الجاهلية بمظاهرها المتخلفة إلى الحياة الإسلامية المدنية بقوانينها وسماحة تشريعاتها، أي أن النبي كان قائداً مرشداً وهادياً ولم يكن زعيما مستبدا، ولقد رأينا العديد من المواقف في سيرة الرسول التي تؤيد ذلك، فمن يستطيع أن يقول لطاغية أعدل، وقد قيلت للرسول الكريم.

سجل التاريخ القديم والحديث العديد من الزعماء الطغاة الذين عاثوا في الأرض فسادا وخاضوا حروبا دامية خاسرة وأضاعوا سنوات طويلة، مثل جنكيز خان وهولاكو وقراقوش وهتلر وموسيليني وفرانكو وبينوشي وصدام والقذافي والأسد وصالح، ولكل هؤلاء بطانة تقوم بتلميعهم وتسويقهم للمجتمع مقابل المهايا والهدايا والمزايا، وبعد غروب الطغاة عانت الدول من تركاتهم المتخلفة ثم استفاقت لتنهض من سباتها لترتقي في سلم الحضارة من جديد ولكن بعد (خراب مالطا كما يقول المثل).

بالمقابل سجل التاريخ قادة عظام استطاعوا نقل دولهم من حالة الفقر والجهل والتأخر إلى الانفتاح والتطور والتقدم بل والرخاء في الكثير من الدول، من هؤلاء مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا و لي كوان يو رئيس وزراء سنغافوراء، وديجول فرنسا، وأردغان تركيا، وتاناكا الياباني، هؤلاء جميعا لهم أثرا عظيما في تطوير دولهم ونهوضها وتقدمها على شتى الأصعدة.

نعم الآية الكريمة السابقة غاية في البلاغة؛ فرغم هدم البيوت وتهجير العائلات وتنصيب عمداء عسكر بالشرق الليبي واستدعاء القاصي والداني للمشاركة في الحرب الأهلية ببنغازي، ورفض الاتفاق الدولي وتشتيت أعضاء مجلس النواب، والمساهمة في إيقاف تصدير النفط وقصف البيوت والمنازل، نجد من ينحني لحفتر ويقبل رأسه ويدافع عن شروره، ويسوق لاعتلائه الحكم، نعم استخف قومه فأطاعوه.

في مظاهرة الخميس الماضي أراد الزعيم خلط الأوراق بإخراج المجموعات المسلحة من مدينة طرابلس تبعا للاتفاق السياسي الذي لا يعترف به وأرغم البرلمان على عدم قبوله مما يؤكد النية السيئة وراء زرع الفتن من خلال الألة الإعلامية التابعة له.

الجدير بالذكر أن تطور الفكر السياسي قد ساهم في تراجع مفهوم الشرعية الكاريزمة المعتمدة على الصفات الشخصية للزعيم “الملهم”، “المُنقذ” المتمتع بصفات خارقة فوق طبيعية في المجتمعات الديمقراطية، وانتهى معها مفهوم الشرعية التقليدية المبنية على الجهوية والقبلية وأمجاد الماضي، لصالح الشرعية الديمقراطية المؤسساتية المبنية على احترام الحقوق والحريات واحترام هياكل الدولة والمؤسسات والقوانين والتنظيمات المنظمة لها.

فقد كان هناك اتجاه واضح لدى الليبيين، منذ نهاية الثمانينات، مؤداه أنهم فقدوا الثقة في النظام السياسي الشمولي الفردي، وليس في السياسة ناهيك عن العودة له الآن بعد تضحيات جسام، وأنهم تواقين اليوم أكثر مما مضى لأن يصبحوا مواطنين وليس مجرد رعايا يعبث بهم الحاكمون وفقا لمصالحهم في الحكم والثروة، لم يعد الليبيون اليوم يقبلون، ذلك الزعيم الذي يخاطبهم لساعات طوال، وربما ينتظرون مجيئه أيام وأسابيع قبل الموعد المحدد طبقا لمزاجه، لقول كلام لا بداية له ولا نهاية ، لا هدف له ولا وسيلة، لا منطق له ولا رؤية…إن هذا النوع  من “الزعامة” لم يعد فقط مرفوضا من قبل الليبيين اليوم، بل أضحى محط استهجان واستهزاء كبيرين.

فإذا كانت الديمقراطية والفعالية والإنجاز هي أساس شرعية القائد السياسي اليوم، فإنه بالتبعية يفترض في قائد اليوم توفر عدد من القدرات يمكن أن نذكر منها: الرؤية، الاستراتيجية، الإقناع، التواصل، الثقة والمصداقية فضلا عن المبادرة والإبداع وحُسْن تدبير الاختلاف، وهو ما يفتقده سيادة المشير العربي الليبي شكلا وموضوعا. تلك هي قدرات لا يمكن فصلها طبعا عن أسس الشرعية السياسية اليوم (الديمقراطية والتعاقد والفعالية والإنجاز) التي تعتبر مبادئ عامة تحكم اليوم علاقة الحاكم بالمحكوم.

 

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 78.