طرابلس وبنغازي.. صناعة التوحش

بقلم:

رغم أنفها، خلعت طرابلس أيضًا ثوب التمدن، وأصبحت قبيلة بأسنان صدئة وأنفاس كريهة، تشتم وتلعن وتقاوم أولئك المسخ المتحولين وحوش القبائل المفترسة.. ومُرغَمَة تصرخ في وجه أئمة الحرب والخراب: بأنها ليست غنيمة حرب، وهي أيضًا مدينة يسكنها بشر ينتمون لهذا الخراب الذي كان وطنًا قبل أن يستبيحه أبناءه ويحولوه إلى غابة تتناحر فيها الوحوش، وتعيث فيه قبائل الجاهلية فسادًا..

مُحَرَّم عليها الكراهية، وحلال دماءها، وأموالها، وأملاكها، وانتهاك أعراضها…!  فما الذي يملكه الأعزل وسط هذه الغابة غير قلبه ولسانه.. وأن يصرخ في وجه الغزاة القبليين بأن: تأبط ثورتك وسلاحك وشعاراتك… وأرحل! فالثائر لا يقتحم المدن الآمنة في ركب قبيلته مُدججًا بالسلاح والعتاد.. ولا يكون مجرد رقم في قطيع من الوحوش المسعورة؛ يقتل الآخرين ويموت من أجل لا شيء..  والثورة التي تحتاج لمن يحميها ليست إلا انقلابًا، وسيسقط ولو حرسه كل جند الأرض..

من كان حريصًا على خطاب المحبة لا يُرسل أبناءه مدججين بكل أنواع الأسلحة لغزو المدن والقرى، وينتهك حرماتهم، وينهب أموالهم، ويسفك دماء الأبرياء.. فعندما تحمل الدبابات والمدرعات اسم قبيلتك أو مدينتك وتقصف أحياء المدنيين، وتقتل الأبرياء، وتدمر منازلهم.. لا تتوقع أن تقَبّل تلك المدن والقرى الغاضبة جبين قبيلتك أو أن تحتفي بالغزاة.. فمن جعل من أبنائه وحوشًا مسعورة تفتك بأرواح الناس وممتلكاتهم لن يعود لأهله إلا جثة مضرجة بالعار والكراهية…

وفي بنغازي، يرقص التوحش أيضًا على أنغام “صلاح غالي”، وينافس أناشيده للكرامة انتشار مشاهد القتل بدم بارد، وسط صخب وفرح مقاتلي الجيش وتسابقهم لقتل الأسرى وسط أكوام القمامة، ومشاهد القتل الجماعي.. ومشاهد التمثيل بالجثث…! ولكن، الغريب أن بيانات الإدانة والاستهجان اقتصرت على مشهد التمثيل بالجثث، فلا أحد في ليبيا يستنكر القتل، ربما لأن القتل أصبح من المسلمات وفعل عابر لا يستحق الإشارة اليه.!

لم يعد يهم المسلحون في ليبيا، بمختلف انتماءاتهم، القضية التي يقاتلون من أجلها بل “فعل القتل” نفسه هو ما يشغل أذهانهم.. كيف أقتل؟ هو السؤال المهم، ولا يهم لماذا؟ ومن أجل أي شيء؟ أو من سيكون القتيل؟ فقد تحوّل القتل الى متعة. وأصبح الحرمان من هذه المتعة هو مصدر القلق الأكبر للمحاربين الليبيين، وأصبحت نهاية الحرب كابوس مرعب يؤرقهم. فلا أحد منهم يريد العودة إلى ذلك الإحساس بالكآبة والبطالة وملل السلام…!

انه من السهل تحويل أي انسان مسالم إلى وحش مفترس متعطش للقتل وسفك الدماء، فما أن يكتشف الجبناء وأراذل الناس أن كل ما كان يحتاجه ليتمتع بكل صفات الشجاعة والفحولة والثراء والقيادة أيضًا هو قطعة سلاح يجرها على ظهره؛ فإنه لن يتخلى عن ذلك السلاح ولو كلَّفه ازهاق روحه.. وتبقى المهمة الأصعب هي إقناع ذلك المتحوِّل بأنه انسان.

وفي ظل انقسام المشهد الإعلامي الليبي ما بين إعلام الإسلام السياسي، وإعلام الكرامة، ازدادت حدة التنافس الشرس في صناعة الحقد والتوحش، ولم يدخر أي طرف جهدًا في التحريض على العنف والقتل وتأجيج الحقد والكراهية… لتستمر هذه الحرب العبثية، وتستفحل ظاهرة تحويل البسطاء إلى وحوش شرسة تنهش كل شيء يقابلها، ولا تفرق بين أحياء وأموات، وبين طفل أو عجوز، فكل شيء قابل للقتل والذبح والتنكيل.. فلا أخلاق للحرب.

ختاماً.. هل يدرك اعلاميو الكرامة واعلاميو الإسلام السياسي أنهم شركاء في صناعة هذا التوحش وهذا الخراب؟ وأن كثير من مشاهد القتل الوحشية والمروِّعة هي دليل نجاح مهمتهم…!

محمد اقميع

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 39.

تعليقات حول الموضوع

تعليقان 2
  1. 1- بواسطة: خليفة محمد 2017/03/22

    كلام جميل اخي الكاتب العزيز ويفتح اعيننا علي اشياء مهمة ولكن اقول دائما ان من نشر الكراهية والجهل هو نظام 42 سنة من التجهيل!ان مايفرق بين فنلندا وروسيا جغرافيا هو خط وهمي يفصل الدولتين مع وجود اثنيات واعراق قسمها هذا الخط الفاصل الظالم ولكن سياسات بلدين مختلفين جذريا اوجدت شعبين مختلفين جذريا ايضا!فنلندا دولة الرفاه الاجتماعي والمؤسسات وفصل السلطات خلقت شعب راقي مسالم لايحب العنف ومعدلات جريمة متدنية للغاية بينما دولة الفكر الماركسي ودولة المخابرات اوجدت شعب عنيف ومافيا محلية متخصصة في كل شئ وجريمة منظمة متغلعلة في كل اذرع ومفاصل الدولة!نشر المجرم معمر الحقد والحسد والغل والجهل واهمل التعليم!ظل لسنوات طويلة يحاضر الليبيين علي منزلية التعليم وان رايف علي اطفال الليبيين من حمل حقائب ثقيلة علي ظهورهم وظلت مدن مثل درنة وبنغازي لمدة تزيد عن 27 سنة بدون اضافة فصل دراسي واحد وااضطر هذا ان كل المدارس اصبحت فترتين صباحية مسائية!اهمل هذا المجرم او الغاها عن عمد مدارس الشريعة والجامعات الاسلامية !اتمني من الكاتب ان يربط كل هذه الاحداث ل42 سنة فوضي وظلم!كل قطرة دم نزلت للقذافي فيها وزر

  2. 2- بواسطة: غوط الرمان 2017/03/25

    السيد الأستاذ الفاضل : محمد اقميع . أهنئك على هذا التشخيص الدقيق والصائب.
    فشكراً جزيلاً على هذه المقولات التي يجب ان تعلق كلوحات في المدن الليبية:
    الثورة التي تحتاج لمن يحميها ليست إلا انقلابًا، وسيسقط ولو حرسه كل جند الأرض..
    كان وطنًا قبل أن يستبيحه أبناءه ويحولوه إلى غابة تتناحر فيها الوحوش،
    الثائر لا يقتحم المدن الآمنة في ركب قبيلته مُدججًا بالسلاح والعتاد..
    التمثيل بالجثث، ولا أحد يستنكر القتل، لأنه أصبح من المسلمات وفعل عابر لا يستحق الإشارة اليه.!
    تحوّل القتل الى متعة وأصبح الحرمان من هذه المتعة هو مصدر القلق الأكبر للمحاربين الليبيين
    من جعل من أبنائه وحوشًا مسعورة تفتك بأرواح الناس وممتلكاتهم لن يعود لأهله إلا جثة مضرجة بالعار …
    صفات الشجاعة والفحولة والثراء والقيادة أيضًا هي قطعة سلاح يجرها على ظهره؛
    كل شيء قابل للقتل والذبح والتنكيل.. فلا أخلاق للحرب
    اعلاميو الكرامة واعلاميو الإسلام السياسي شركاء في صناعة هذا التوحش وهذا الخراب؟
    ونود الإشارة الى السيد: خليفة محمد بأنه لا يمكن اختزال كل أسباب ما يحدث الان في الماضي فقط. رغم أنني اتفق معك ولكن بعمق تاريخي ابعد. الحقيقة هي جملة من الأسباب، اختصرها لك في الاتي . فبفرض ان ليبيا وجدت كمركبة عاطلة عن العمل بغض النظر عن من يركبها : فيمكن حصر الأسباب اما في سائقها او نوع المعادن والمواد المستخدمة او الوقود المستعمل او في الطريق او بلد المنشاء او نظام الكهرباء او الظروف المناخية المحيطة او تهور الاخرين او الإهمال بقصد او بدونه. فالتشخيص السليم يرشدك للعلاج الصحيح ولو تطلب البتر. اعتقد الصورة واضحة.
    اكرر شكري وتقديري للجميع.

تعليقان 2