ليبيا بين صراع الداخل وأطماع الخارج

بقلم:

زادت جراح العرب النازفة وليبيا بالأخص هذه الأيام، ولعل جرح ليبيا قلب العرب هو الجرح الغائر الذي لا يراد له أن يتوقف عن النزيف. والذي فاق الوصف من حيت الواقع والتعبير وما حل بها من خراب وتدمير وتمزيق وقتل وترويع ونزوح لأسر وعائلات ومدن بكاملها، حيث لم يسبق للوطن وفي فترة زمنية امتدت لسنين طويلة من حكم النظام السابق ومنذ أن نطق رأس النظام ببضع كلمات فحواها أنا ومن بعدى الطوفان.

ما حدث ويحدث في هذا الوطن الغالي من وقائع وأحداث قبل وبعد انبلاج ما يسمى ثورة 17 فبراير، وقائع يندى لها الجبين، لم يتذوق الوطن وشعبه الطيب المسالم طعم الحريات، وجرى ما جرى له من أمور طالت الوصف زادت من معاناة هذا الوطن، بدأً من حشره وتدميره في حرب تشاد ثم حصاره الشامل لثلاثة عشر عاما، منعت عنه حتى أقلام الرصاص لتعليم أبنائه، استمرت هذه المعاناة زهاء 43 عاماً، ولم ينته الأمر إلا بعد رحيله والانتفاضة على حكمه، بعد أن جثم على قلب هذا الوطن والشعب طيلة هذه المدة من الزمن.

رحل النظام السابق عن هذا الوطن وحل محله نظام ما يسمى بالديمقراطية، حيث كان لهذا الوطن فيما سبق مكانة وهيبة وحضورا في العالم بأسره ودول الجوار والعرب بصفة خاصة، وكان له جيش وهو ما كان يسمى بالشعب المسلح (روجوا له أنه قوة عسكرية ترعب الرعب).

لما وجدت أمريكا والغرب إن تدمير ليبيا لم يكن أمراً صعباً، فقد صفق لهم القريب قبل الغريب، وتأمر العالم وشاركهم العرب ممثلاً في الجامعة العربية بقرارها الخاطئ بعدم الممانعة بالتدخل وبالتالي وبكل أريحية استسهل تدمير الوطن وتمزيق ما يمكن تدميره وتمزيقه خاصة تلك الدول التي تعتبرها أمريكا مارقة.

ومرة أخرى وبتمويل سخي من نفس تلك الدول  بصفة عامة ودول الخليج بصفة خاصة، والتي مولت تدمير ليبيا، وحتما بأنها ستكون ضمن اللاعبين الأساسيين في المرحلة القادمة، وما قانون جاستا الأمريكي إلا بداية لتلك المرحلة، ولم تمر فترة طويلة حتى صدر القرار من مجلس الأمن بذريعة حماية المدنيين، وشاهدنا بشائر الضربات الأمريكية والأوربية بطريقة مباشرة وغير مباشرة بتدمير ما يملك هذا الوطن من أسلحة وعتاد وفى كل مكان تقصف المخازن والمباني المخصصة لتخزينها، بعيدا عما هو مقصود بحماية المدنيين، وسينسى العرب ما حصل كعادتهم وينشغلوا وينفعلوا لما يحصل لحلفاء أمريكا الأزليين وأعدائها الحاليين. ولا يبقى في الميدان إلا قلعة الغرب الحصينة إسرائيل قائدة وموجهة ومتحكمة في المنطقة.

عندما قررت أمريكا والدول الأوربية قصف ليبيا وبمباركة الدول العربية جلبوا معهم مجموعة من الليبيين المغتربين والمقيمين في الغرب  وسوقوا لهم على أنهم المعارضة الليبية المستنيرة التي ستساعد في نشر قيم الديمقراطية فيها بعد إنهاء عقود من الديكتاتورية المتمثلة في النظام الليبي السابق، لم تكن تلك المعارضة تملك الحد الأدنى من قيم الديمقراطية وكل ما كان يوحدها هو كرهها للقذافي، وكانت مستعدة لقبول تدمير ليبيا على من فيها ليتحقق لها حلم القضاء على القذافي، وصوروا للبسطاء من الناس الذين ملوا الحصار والحكم الفردي إن مجرد سقوط النظام يعني أن الازدهار سيعم الوطن وتنتشر الديمقراطية وتعم الأفراح ويشبع الليبيون من الكنتاكي والماكدونالد وسيارات الروزرويس وسيشاهد العمران وسيرفع مستوى الدخل و بالتالي تتحقق الحياة الرغدة لكافة افرد الشعب، وكانت النتيجة هي تدمير الجيش فيما سُلم الحكم للسياسيين المبجلين المبتدئين، وبعض الوجوه المستهلكة التي جاءت مع الاحتلال ومن ضمنهم الإخوان والمقاتلة، وهكذا تخلص الليبيون من حكم القذافي  ليصبحوا تحت حكم جديد يقوده ألف قذافي بعمامات حمراء وسوداء وخضراء ترفع بحماس منقطع النظير.

كان عكس الحلم والتوقع، رايات وشعارات جميلة سرعان ما اندثرت وحلت محلها ثقافة نشر المليشيات والتعصب لمدن بعينها ودخول أصحاب التيار الإسلامي على الخط، عندها فقط بدا الناس يسمعون مفردات جديدة ما أنزل الله بها من سلطان مثل أنصار شريعة وكرامة، وفجر ليبيا، قسورة وسريا الدفاع عن بنغازي، مصراتة والزنتان، المؤتمر والبرلمان، قسورة والبنيان المرصوص، وغيرها من المفردات وضاعت المفردة المهمة وهي “ليبي وليبيا وطني” التي لم تعد موجودة للأسف.

فالطبقة السياسية الحاكمة في ليبيا الآن لا تعرف عن السياسة شيئاً غير العمالة لمن نصبها في السلطة ولا يهمها ما يحصل في ليبيا من تدمير وفقر وإرهاب وأمراض وقتل، أرسلت تلك النخب أسرها لتعيش في الخارج منعمة بما يصلها من الدولارات التي يتم نهبها بلا ضمير ولا خوف من الله، لقد استغلت تلك الطبقة بسطاء المجتمع واستفادت من أخطاء النظام السابق لنشر مقولة أن النظام السابق اضطهد من وقف ضده، وحابى من نافقه وسانده وناصره، وحان الآن وقت الانتقام، فتمكن هؤلاء الفاسدون من الإتيان بما يسمى بالمجلس الوطني الانتقالي، ومن بعده  ما يسمى بالمؤتمر الوطني العام وهو سبب خراب ليبيا أولاً وأخيراً، حيث لا هم لهم غير إبرام الصفقات والحصول على أعلى المرتبات وتعيين الأقارب والأحباب، والتمتع بالقصور والامتيازات والسفر بالطائرات، في حين يعيش المواطن البسيط معوزا فقيرا شحاذا لا يجد ما يأكله أو يعيل أولاده لاسيما بعد ارتفاع  قيمة الدولار وغلاء الأسعار ونقص السيولة وغيرها من الممارسات والتصرفات.

ولعله من الإخلال التعميم فان كلنا يعرف الكثير من هؤلاء الذين ذهبوا مع الغرب وساندوهم للظفر ببعض المناصب بعد أن كانوا يعيشون في أمريكا والغرب ينتظرون نهاية كل أسبوع للحصول على مرتب الضمان الاجتماعي وهو مبلغ بسيط لا يزيد عن خمسين جنيها إسترلينيا وهو بالكاد يكفي لشراء المواد الغذائية. ولم يمض وقت طويل حتى عادوا من حيث أتوا، لنفاجأ أنهم أصبحوا من أصحاب المليارات، والتمتع بأموال الشعب، ومازال الآخرون وهم كثر ينهبون بدون أن يشبعوا من النهب، والشعب لا يجد إلا الحسرات، فأموال الوطن غنيمة لأصحاب المناصب الفاسدين والسراق.

فطالما أن أمريكا والغرب راضون عنهم وكل واحداً منهم لديه مليشيا من المليشيات ويكون القاسم المشترك بينهم الذي بموجبه توزع كل المغانم والمناصب والأموال والسفارات، وكل ما يوجد على حسب ما يمتلكه إي حزب من أعضاء نواب، فكلما كان عدد اللصوص البرلمانيين أكثر لدى الحزب يحق له من الغنائم أكثر، وبالتالي تتم التسويات والصفقات بين اللصوص بكل دقة يتساوى في السرقة من كان معمما أو علمانيا أو غيرهم من التيارات، فالكل لصوص والضحية واحدة هم أبناء الشعب البسطاء.

وما هي إلا بضع شهور ماضية حتى أصدرت أعلى سلطة قضائية في البلاد تحت تهديد السلاح حكمها بحل ما يسمى بمجلس النواب وإدخال الوطن في فتنة لا تطاق رغم أنف القضاء، لتؤكد للناس أن الفساد وجد ليبقى وأنه لا أمل في تقدم الوطن والعباد.

نحن الجيل المغبون كنا فيما سبق مطاردين ومقهورين من قبل النظام السابق حتى النخاع ومظلومين إلى أبعد الحدود، والآن إذا تكلمنا عن الزبانية الجدد سيكون الردع أصعب من السابق، لأننا عشنا تلك الفترة بحذافيرها ولا نرغب ان نستنسخ الماضي القريب، فالذين يصفقون ويهللون لحكم النظام السابق ﻻ يعرفون بأنهم يستنسخون الماضي الذي ثار من اجله خيرة شباب البلاد، وضحوا بأرواحهم كي ﻻ نعود الى الوراء.

رسالتي إليكم بأن الأشخاص متغيرون والوطن باقي، فالتمسك بالوطن والانتماء إليه هو الأجدر من ان ترتمي في حضن مليشيا أو تيار حزبي له مأرب في البلاد، وهذا حتماً سينتهي وينبلج صباح فجر الحرية لأبناء شعبنا الشرفاء ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وعلينا ألا ننسى مأساة قضية الوطن وهو يتمزق بما يفعله سماسرة السياسة وأصحاب المليشيات هنا وهناك.

وفى الختام: لقد باعوا الوطن بثمن بخس فالخائن المحلي أكثر شراسة من الغريب. ولنا في التاريخ عبرة من الاحتلال التركي إلي الاستيطان الفاشيستي إلى استبداد القذافي وعبثية ما بعده حتى اللحظة ونأمل لليبيا السلام.

وأخيراً يبقى التساؤل دائما مطروحاً إلى متى ستبقى ليبيا بين صراع الداخل وأطماع الخارج؟

المهدي احميد

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 1.