ومن لم تُعلِّمه الكُتب عَلَّمتهُ التَّجربة

بقلم:

أبوابٌ للتَّعلُّم تمرُّ في حياتنا وواقعنا مرور الكرام تبحث عمن يعتبر منها، إنَّ تلك الأبواب هي العبرة، العبرة من تجاربنا ومن الأخطاء التي نقترفها في حياتنا اليوميَّة ولاسيما العبرة من أخطاء الآخرين وتجاربهم.

إنَّ هذه الأبواب من التَّعلم لها مرورٌ آخر أشدُّ قسوة ولا تمرُّ فيه مرور الكرام لكي نعتبر منها أو لا نعتبر، فقد تفرض علينا التّجربة والعبرة نفسها لنتعلَّم منها، ومن لم يتعلَّمها فسيحصد جراء غفلته عنها، إنَّها العبرة وسط الحروب وأزمات الأوطان.

الحروب وأزمات الأوطان في ظاهرها لا تُخَلِّف سوى الدَّمار والخسائر الوخيمة لشعوبها، ولكنَّها في حقيقتها قد تحمل للشعوب في طيَّاتها عديد العبرات والحكم من تَصرّفات العديد بداخلها وتجاربهم وأخطائهم سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وما إن كُتِبت الأزماتُ على إحدى الشُّعوب البسيطة يجب أن يُوقن الشعب الذي يعيش الأزمة بأنَّ المِحنة على الجميع، وما عليه هو أن يصبر عليها ليلتقف من فحواها منحته، حتى يتأقلم الشَّعب مع واقعه الذي يعيشه وسط شدَّة الأزمة عليه، فينتقل من مُجرَّد الاستياء من شدة الأزمة وواقعه الذي يتطلَّع لأفضل منه، إلى التَّحلِّي بالصَّبر الجميل والتَّفكُّر في فحوى الأزمة ولُبِّها بكلِّ جوانبها وتجارب الأشخاص والأخطاء بداخلها، ليبدأ في محاولة الوصول إلى حلِّ الأزمة بالكلمة الرَّصينة والمبادئ والتَّفكير السَّديد، لِيجعل من لُبِّ الأزمة ذاتها حلًّا لها، فيلتقط ثمار الحكمة والعبرة من كلِّ الأخطاء التي أعاقت مسيرة بناء دولته الجديدة التي يطمح ويتطلَّع إلى بنائها، لينتج بذلك مفاهيمًا صحيحة وحلولا واقعية في شتَّى جوانب الأزمة، ليصبح شعبا متفكرا ومُلِمًّا بعديد العلوم يلتقفها من صلب أزمته، في السياسة والاقتصاد، في الإدارة والمحاسبة، في الأدب وعلم الاجتماع، إنَّ الشُّعوب في أزمات الأوطان الشديدة تتعلَّم بالعبرة تعاريفًا حياتيَّة عديدة وعلومٌ عِدَّة من واقع التَّجربة، فالأوطان تُعلِّم شعوبها في الأزمات الشَّديدة وفي مسيرة بنائها ما تتعلَّمه الشُّعوب الأخرى في سنواتٍ عديدة، ليرتقوا بعد حلِّ أزماتهم بين الشُّعوب.

إنَّ تَعلُّم الشُّعوب من التَّجربة وهم بداخل الأزمات الشَّديدة والحروب هو تعلُّمٌ قاسٍ وصعب فهم لا يتعلَّمون كل تلك العلوم والحكمة داخل قاعات محاضرات مُكيَّفة، بل يتعلَّمونها وهم بداخل أزمات ضاربة ودامية، فالأخطاء والتجارب بداخل أزمات الأوطان والحروب باب من أبواب التَّعلم للنُّهوض بها، ولكن ضريبة التَّعلُّم بداخلها باهظة جدًّا ومكلفة، فالخسائر المادية والبشرية في ظل الأزمات والحروب لا تدفعها وتتحمَّلها سوى الأوطان والشعوب، إنَّ مدرسة الوطن بها علومٌ عديدة، يُعلِّمنا الوطن بالعبرة، فلنتعلَّم من أزمات أوطاننا لننتج من صلبها حلًّا لها، فغالبًا ما يكون الجوابُ من السُّؤال، إنَّ امتحان الوطن للجميع ومن لم تُعلِّمه الكُتب عَلَّمتهُ التَّجربة.

وأؤكد هنا لمنع اللبس في المفاهيم بأن العبرة لا تكمن في العودة إلى الوراء أو النَّدم على ما فات، بل العبرة في الاستفادة من أخطائنا في شتَّى المجالات لننتج مفاهيما صحيحا ونمضي بوطننا من عنق الزُّجاجة إلى برِّ الأمان، إنَّ التَّفكُّر في أخطاء بناء الدُّول بابٌ من أبواب التَّعلُّم لكيفيَّة بنائها بالشَّكل الصَّحيح، وستمضي ليبيا قُدمًا باتجاه الصَّواب بإذن الله وليس للوراء باتجاه الخطأ، لرُبَّ ضرَّة تمُرُّ بها بلادنا اليوم هي نافعة لنا غدا بإذن الله، مع أن ضريبة الأزمة ومنفعتها ثمنهما باهظ وجدًّا مكلف، دفعه كل الليبيون في ظلِّ هذه الأزمة، ولكنَّها محنة وكتب علينا أن نعيشها ولعلَّ المنحة بإذن الله قريبة، نرجو من الله العلي القدير أن يلهمنا جميعا الصبر الجميل والتفكير السَّديد وأن يمنَّ علينا بالأمن والاستقرار والنَّماء والرَّخاء على كلِّ ليبيا وأهلها هو وحده قريب مجيب الدُّعاء.

وعلى أمل النَّجاح للجميع في امتحان مدرسة الوطن، لغدٍ أفضل يَمُنُّ الله به علينا بإذنه وفضله، ولكلِّ الأوطان التي تشهد الأزمات الشديدة كالأزمة التي يعيشها وطننا الحبيب ليبيا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

علي بوخريص

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 7.