مبادئ المصالحة الوطنية.. ولكن هيهات

بقلم:

ثورة 17 فبراير 2011 هي مؤامرة بكل المقاييس على ليبيا وعلى مقدرات الشعب الليبي خطط لها بعناية وتم تنفيذها بدقة أكثر من قبل عملاء الناتو وحلفائهم من داخل ليبيا وخارجها ، وذلك من أجل القضاء على مكتسبات  ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 وإنجازات آية الله القذافي العظمى في الرفع من مستوى معيشة الإنسان الليبي على كل الصعد التعليمية والصحية والثقافية والمعيشية لا بل وحتى الترفيهية ، حيث أضحى هذا الإنسان يشار له بالبنان في كل المطارات العالمية ، ومنتديات التنمية البشرية المستدامة حسداً وحقداً على الرفاهية التي كان يرفل فيها كلما عرفوا بأنه قادم ومنتم للقطر الليبي .. ذاك الفردوس الأرضي المفقود الذي أقامه توماس مور القذافي.. باكونين ليبيا.. وحقق فيه جمهورية أفلاطون التي سبقتهم ونادت بشيوعية المال والنساء، والذي تفوق أيضاً على العربيد السكير الجورجي الأصل الموسكوفي الهوى جوزيف ستالين أو يوسف ستالين (كما يحلو للبعض تعريب كل شيء) في تنفيذ عملية التصنيع المكثف التي نقلت الاتحاد السوفياتي من دولة إقطاعية أبرشية كبيرة إلى مصاف الدول العظمى، وبذلك أصبحت ليبيا تتبوأ مراكز الصدارة على قوائم تقارير التنمية البشرية الصادرة عن أرقى المؤسسات العالمية وأشدها نزاهة، أما مؤشر مدركات الفساد حول الدول الأكثر فساداً في العالم والذي يصدر عن المنظمة الدولية للشفافية، والذي يضع ليبيا دائماً قبل السودان والصومال ، فهو بلا شك أيضاً كان جزءًا من المؤامرة الكونية على ليبيا القذافية.

هذا التنين الشمال أفريقي الصاعد من سبات التاريخ والذي قض مضاجع الغرب الصليبي الذي رأى وقرر بأنه لا مناص له من كبح جماح هذا المارد العملاق ، وإلا فإنه – أي الغرب الصليبي – سوف يندم حيث لا ينفع الندم إذا ما ترك الليفتانت معمر يستمر في بناء ليبيا، بذلك الشكل الأخاذ المقض لمضاجعهم والمقوض لترساناتهم المالية والاقتصادية والعسكرية المهولة، ليبيا التي جعلت وتجعل وستجعل كل بني البشر يشدون الرحال نحو تلك البقاع نشداً لحياة آمنة وكريمة وسعيدة وحبوراً أشد سطوة من حبور سجائر الماريجوانا المزيفة رخيصة الثمن التي تباع في سوق قرقارش ذي الصيت الكولومبي!

هذا ما يسوقه حواريو مسيح سرت القحصي الدجال أثناء حديثهم وسمرهم الذي يصلنا عبر الأثير مضمخاً بشوق الحنين الأبدي للسلطة المطلقة التي انتزعت منهم ظلماً وزوراً وبهتاناً في 17 فبراير 2011، فما فعله الشعب الليبي في ذلك اليوم الأسود المشؤوم عليهم، أي يوم 17 فبراير، وقيامه بالانتفاض والمطالبة ببعض الحريات وبعض حفنات من الاحترام في خريف الوطن، يعد مؤامرة كونية فضائية ضد منجزات ماسنجر الصحراء الذي أخرجنا من النور إلى الظلمات ، وساقنا بالسلاسل الصدئة إلى الجنة الجماهيرية الموعودة التي تخيف العالم الأول بكل ترسانته النووية والتقليدية المدمرة حتى يتأمر عليها خوفاً من جيشها الباسل الذي هزمته قوات تشادية بدائية شر هزيمة، ورعباً من دينار ذهبي أفريقي مزعوم سوف يمرغ أنف الدولار الأمريكي في التراب ويجعل من اليوان الصيني العملاق واليورو الأوروبي مجرد أوراق تواليت ، ولما لا فهذا الدينار الذهبي الأكحل سيعتمد على أكثر الاقتصادات العالمية هشاشة في العالم، وكيف لا وهو الذي يستند على أكبر احتياطات المجاعة  في المعمورة قاطبة، ويتكئ على 100 مليار دولار أمريكي رأى اللفتانت معمر بأنها كبيرة على السوق الليبي الغلبان، متناسياً عن جهل بأن هذا المبلغ تملكه شركة أو اثنتين فقط في العالم الأخر المتآمر علينا دوماً، وأن شركة آبل المسكينة (آه معذرة شركة التفاحة) تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 700 مليار دولار أمريكي ، أي أكثر مما أنتجته ليبيا من النفط منذ اكتشافه في ستينيات القرن الماضي، وأكثر مما نهبه وأهدره القذافي وأبنائه وحاشيته طيلة الأربعين عام التي خلت وما نهبه بارونات الحرب والسياسة ما بعد فبراير!

من جهة أخرى – كما يردد مذيعو نشرات الأخبار المملة – فإن قيام اللفاتنت معمر بالانقلاب العسكري على نظام دستوري وعلى دستور قائم وحكومة رشيدة، وإن كانت من خارج تاناكات الانتخابات.. حكومة كانت على الأقل تحكم بدستور عصري وفقاً لمقاييس الخمسينيات من القرن المنصرم، وإن شابه الكثير من النقائص بمفاهيمنا الراهنة، وبلداً كان يسير في طريق الازدهار حتى أن حاكم الإمارات جاء ليعالج في أحد مستشفياتها ويمني النفس في الحصول على خارطة عاصمتها ليبني عاصمة، بلاده المليئة بخيام البدو المهترئة، على غرارها.. وتسير بخطى ثابتة نحو التقدم والازدهار وخلق مواطن ليبي مستنير.

هذا الانقلاب اللفتانتي الذي قام به شاب كان للتو قد بدأ تعلم كيفية حلاقة ذقنه في ثكنته العسكرية ولكنه هزم أقوى القواعد الأمريكية والبريطانية المنتصبة خارج أراضيها بضربة باسلة بدون إطلاق حتى خرتوشة خلب واحدة في مشهد يفوق في براعته مخرجي هوليوود كتابة وتمثيلاً وتصويراً وإخراجاً.. هذا الانقلاب يعد في نظر الحواريون القذافيون ثورة شعبية مباركة!! لماذا؟ لأن الماريكان والباريطان عملاء الملازم أول معمر القذافي كانوا قد رتبوا له كل شيء في غرفته تحت الأرض قبل 4000 يوم من تنفيذ التغيير الوطني المنشود بحيث لا تطلق خرتوشة واحدة في الهواء حتى احتفاءً بهذا النصر المزعوم!

هذا الخلل العميق في المفاهيم أيها السادة هو السبب في تعثر كل مشاريع المصالحة الوطنية وكل الحوارات الوطنية ولو عقدت في كل عواصم المعمورة لمليون سنة ضوئية قادمة مالم يتدخل الغرب المتآمر دوماً علينا وعلى إنجازاتنا.

و الحقيقة ساطعة للعيان لكل من كانت لديه عينان في مقدمة دماغه وليس في مكان آخر من جسده ، ولكل من يملك ذلك العضو الرخو ذو التلافيف المعقدة الذي يسمونه العلماء بالمخ البشري ولا تحتاج لإتلاف ساعات من الوقت المهدور في قراءة المراجع والوثائق، بل إن إلقاء نظرة خاطفة (( كتلك التي يطلقها الصائمون في أحد أيام شهر رمضان القائضة على سيقان أو صدر فتاة خاطمة، أو عندما يقومون بمسح ضوئي لجسدها وبنظرة خاطفة واحدة سريعة فقط خوفاً من ضياع أجر اليوم ودرجاته)) نظرة خاطفة على تلك الصور الجميلة لمدينتي طرابلس وبنغازي وغيرهما من المدن الليبية إبان نهاية الخمسينيات وحتى نهاية الستينيات من القرن الآفل  ستجعلنا ندرك حجم المؤامرة الدنيئة التي حيكت ضد ليبيا ليس في فبراير2011 بل في سبتمبر من عام 1969 من أجل وقف مسيرة التنمية المستدامة للعقل الليبي بالأساس ولمشاريع البنية التحتية وتعزيز القدرات البشرية بالاستفادة من عوائد نفطية كانت مشجعة لبداية بناء وطن لين ومتسامح ومزدهر خال من عاهات الفكر البشري.

هذه أول المفاهيم التي يجب التسليم بها من قبل شركاء الوطن جميعاً والاتفاق عليها من قبلهم ومن ثم لابد من محاسبة كل من شارك في هذه الجريمة الوطنية التاريخية منذ عام 1969 وحتى فبراير 2011 وذلك بموجب القانون والعدالة فقط لا غير.

وثاني المفاهيم هي أن فبراير كانت ثورة عادلة وصحيحة هدفها كان تغيير مسار الوطن في الاتجاه الصحيح وتحقيق المطالب العادلة للشعب الليبي بكل مكوناته وأطيافه السياسية بدون إقصاء أو تهميش.

وثالث المفاهيم أو المبادئ العامة التي يجب الاتفاق عليها هي أن كل من تولى المسؤوليات العامة منذ قيام انقلاب سبتمبر العسكري وخلال ثورة فبراير وحتى تاريخه (سواء أكانت مسؤوليات مدنية أو عسكرية)  يجب محاسبته ومحاكمته وفقاً لمبادئ القانون والعدالة فقط لا غير ويجب تنفيذ مبدأ عدم جواز الإفلات من العقاب لأي كان، فالوطن الليبي ومقدراته ليس لعبة يلعب بها من يشاء ويستهزئ بها من يشاء ويمر مرور الكرام دون حساب أو ثواب أو عقاب، فحتى الله عز وجلً في ملكوته، يحاسب ويعاقب ويجزي الثواب فكيف بنا نحن عباده الخطائون تريدوننا أن ننسى ونصفح ونعفو عمن ولغ في دمنا وعمن عاث فساداً في أموالنا وأرزاقنا وأهدر فرصة تاريخية لبناء وطن لا نظير له لما حباه الله من موارد طبيعية لا تحصى ولا تعد؟

الوطن، أيها السادة، هو مصيرنا ومصير أبنائنا ومستقبل أبنائنا أمانة تاريخية في أعناقنا، الكل تحت القانون والعدالة ولا مفر لهم جميعاً من طائلة العدالة طال الزمن أم قصر. والجميع يجب أن يحاسب كذلك على المال العام الذي أهدر من رزق وقوت الشعب الليبي والذي كان كافياً لتحويل ليبيا إلى وجهة اقتصادية واستثمارية ومالية تجعلها في مصاف الدول المزدهرة، ويجب محاسبة الكل على كل دينار ليبي صرف من الميزانية العامة للدولة الليبية بدون وجه حق ومخالف للقانون المالي للدولة.

هذه المبادئ أو المفاهيم العامة الثلاثة الأساسية التي يجب الاتفاق عليها للبدء في مصالحة وطنية حقيقية، وكل ما عداها فهو محض هراء وعبث لا طائل منه وما هو إلا استمرار للعب بمصير الوطن والمواطن.

فأنصار النظام القذافي البائد الذين يعتقدون أنهم على حق أبدي وأنهم الفرقة الوحيدة الناجية من جحيم الوطن، وأنهم لا يأتيهم الباطل من أمامهم ولا من خلفهم هم مخطئون وهم بذلك يكونون جزء من المشكلة وليسوا جزءاً من الحل، وعليهم، إذا ما كانوا يؤمنون بمعني الوطن ومصيره، عليهم الاعتراف بجرائم النظام السابق في حق الوطن والمواطن وعليهم أي المذنبون منهم بالطبع (وهم معروفون)  تقديم أنفسهم للعدالة الوطنية المنزهة بشهاداتهم هم حين كانوا يتفاخرون بمنجزات فاتحهم في مجال القضاء وحين دافعوا بكل قوة إبان قضية لوكربي عن نزاهة القضاء الليبي رافضين تسليم المتهمين للقضاء الدولي، وكبدوا ليبيا ومواطنها التعيس عشر سنوات عجاف من الحصار والقهر والعذاب وهدر الأموال الطائلة.. هذا القضاء الليبي النزيه هو نفسه الذي عليكم الامتثال له لو كنتم حقاً مؤمنين بالوطن وبعدالة قضيته.. ولكن هيهات.. هيهات!!

أما أنصار فبراير والمؤمنون بمعني الثورة على الظلم، وبأن الثورة تعني في المقام الأول رفع المظالم عن الناس وإحقاق الحق بعيداً عن أمراض القبلية والجهوية، عليهم (المذنبون منهم بالطبع وهم معروفون) أيضاً الامتثال لمبادئ العدالة الحقيقية وكف الأذى عن الناس، والتوقف عن الارتهان لإرادة الغير ووضع أنفسهم تحت طائلة العدالة الوطنية، وترك الوطن لأبنائه المخلصين لربما استطاعوا لملمة ما تبقى من جسده المنهك والمثخن بسهام وحراب أبنائه العاقين.. ولكن هيهات.. هيهات !!

وعلى القوى السياسية الفاعلة منهم ومن بينها هيئة صياغة الدستور الليبي الجديد الإدراك جيداً بأن ليبيا لا يمكن أن تبنى على قواعد الإقصاء والتهميش لأي جزء من أبناء الشعب الليبي أمازيغ (طوارق) وتبو، وبأن سياسات الإقصاء والتهميش وغلبة القوة لا تخلق سوى وطن أعرج ومسخ مشوه لا يمكن له السير في دروب المستقبل ومسارات التقدم والازدهار طويلاً، وعليهم أيضاً التيقن بشكل مطلق بأن هذه السياسة الأحادية التفكير هي التي أودت بمعمر القذافي موارد الهلاك وهي التي أوصلتنا لما هو عليه حالنا اليوم ولا أظن أن عاقلاً منهم يملك أدنى قدر من الوطنية يرضى بأن تورد ليبيا موارد الهلاك والتخلف والانهيار لنصف قرن أخر من الزمان.

عبدالله صالح فوناس

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 2.