رأي في شهادة السيد البراني اشكال

بقلم:

لا أدعي معرفة شخصية وثيقة بالسيد البراني اشكال، الآمر السابق لكتيبة القيادة المسماة كتيبة امحمد، الا انني التقيت به في مناسبات اجتماعية حضرناها معا في بلدة مزدة، وكان انطباعي عنه انطباعا في منتهى الايجابية ، تهذيبا ونبلا ورقيا في السلوك، ورجاحة في العقل عند الحديث والنقاش، مبرأ من عقد النقص التي تجعل صاحب السلطة او القريب من القيادة، يتكبر ويتعجرف امام بقية الناس، كما لم اسمع منه تزيّدا في التناول السياسي بمثل ما هي عادة القريبين من خيمة الحاكم، او مبالغة في اطراء النظام، وكنت التقي بحكم انتمائي للمنطقة بضباط يعملون معه، فلم اسمع منهم الا الثناء على اسلوبه في العمل، وادارته له باتقان ومهنية، وبعد عن التحيز القبلي او الجهوي                            .

وادخل في حديث الشهادة التي قدمها عبر المقابلة المرئية التي اذاعتها قناة 218، والتي بدا واضحا انه قام  باجرائها لاجلاء وضع ملتبس، اثار في وجهه هجوما كاسحا، وظلما واضحا، من فسطاط النظام السابق، وهو فسطاط يمتليء بالكائنات المحنطة  التي تجمدت عند نقطة في التاريخ،  لا تريد ان تغادرها، وتنسى ان الكون ليس الا افلاكا تدور، وان التغيير هو قانون الحياة وليس الجمود والثبات على حال واحد،  وكنت قرأت ما كتبوه عنه من كلام يمتليء رخصا وابتذالا وتخوينا، وتهما لم تكن حكرا عليه، وانما طالت  كل صاحب ضمير وولاء وطني، رفض ان يمضى في سياق التأليه وتابيد الحاكم ومقاومة النداء الشعبي بتغيير النظام واسقاطه، وقد التزم السيد اشكال بنبل الموقف والحديث، في رده على ترخصات منتقديه، وبينهم صديقنا السيد القشاط الذي يبدو انه بالغ في التحريف والاساءة ويكفي انه استند الى شهادة شخص اسماه “ق”، لنعرف مدى تفاهة المنطق الذي يسوقه ضده، فلا مصداقية لشهادة يقولها انسان يرفض ذكراسمه، الا اذا كان مغرضا، ولا مجال لان يصادق عليها كاتب تاريخ محق، الا اذا كان صاحب ادعاء وكذب وتزوير، ومع ذلك تكلم السيد اشكال بمنتهى الادب والتقدير لشخص من اساء اليه.

وقد جلست انصت باهتمام لما قاله من نفي لما اشيع بانه اجرى اتصالا بالجانب المعادي للنظام الذي يتولى قيادة اهم كتائبه، وبالذات بالسيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي، فاكد انه اطلاقا لم يقم باجراء مثل هذا الاتصال ويراه عملا  لا يتفق مع الشرف والرجولة باعتباره مؤمنا على مهمة لابد ان يؤديها باخلاص، وبقى يؤدي عمله تحت قصف الناتو الى اخر لحظة سقطت فيها العاصمة، ملتزما باداء واجبه، مسترشدا بثلاثة مبادي ذكرها بشكل ضمني وليس بمنطوقها الحرفي وهي:

اولا:  اداء المهمة المكلف بها بامانة واخلاص، حريصا على القيام بها بكل ما تقضي به شروط المهنية ، مدركا ان المهمة تنحصر في الدفاع عن القيادة اشخاصا ومقرا، وعن القائد الاعلى، مع الحرص على عدم التهور في العبث بحياة من معه من ضباط وضباط صف وجنود، وعدم الالقاء بهم في المحرقة او الزج بهم في عمل انتحاري لا جدوى منه.

ثانيا: انه يعمل في جيش رسمي وطني، تحت سقف وطن ، له الولاء والانتماء، وتسبق مصلحة الوطن مصلحة اي فرد او حياته، ولو كانت حياته هو شخصيا، ومهمة الجيش وقادته هو العمل بما يحمي هذا الوطن، وليس بما يؤذيه او يجلب له الضرر او الهلاك.

ثالثا: الجانب الانساني، بما يكمله ويتداخل معه من قيم دينية وايمانية، تقدس حياة الانسان وتحرم اهدارها بغير حق، مما يجب عليه مراعاة الا يستخدم القوة التي بين يديه، في سفك حياة انسان بريء، او اهدار مدنيين ليسوا طرفا في الصراع.

وكان من خلال حديثه واعيا بالمهمة الصعبة الموكولة اليه، في ظرف لا امكانية للتهوين من شانه، وفي هذا السبيل، تلقى امرا باستهداف عمارات سكنية لان سطوحها استخدمت من الثوار، وكان قد سبق بالقول انها آمر لكتيبة تخضع مباشرة للقائد الاعلى، وتتلقى اوامرها منه، ورغم انه لم يقل اسما لمن اعطاه الامر، واعطاه له بمنطق القوة الاجبار، لانه  عندما اراد ان يناقش، قال له انه لا يسأله عن رايه وانما يطلب منه التنفيذ، وبدا واضحا انه امر تلقاه من القائد الاعلى وان لم يقله ذلك القائد، بنفسه، الا انه كلف شخصا قريبا منه يعرف آمر كتبية امحمد مصدره الحقيقي، ومع ذلك، اعلن صراحة عن رفضه لتنفيذ الامر الذي يعنى هدم عمارات فوق رؤوس الابرياء من سكانها، متحملا النتائج، التي كانت تعني في تلك اللحظة، رصاصة ستاتي من مكان ما تستهدف راسه، وكان طبيعيا بعد هذا الرد ان يسفر القائد الاعلى عن نفسه وان يتكلم بصوته متسائلا عن السبب، فخاطبه السيد اشكال بما يرضى الانا المتورمة لديه، بان مسئولية هذا التوحش لن يسندها التاريخ اليه باعتباره شخصا عرضيا في الحياة، وانما الى القائد الذي لا يرضى له هذا التشويه، راجيا ان يترك له القائد الاعلى الفرصة ليتعامل مع الحالة من موقعه الميداني بما يقتضيه الواجب وما تتطلبه المسئولية، ووافق القائد الاعلى على كلامه، والذين تعاملوا مع القذافي كانوا دائما يقولون انه عندما يجد اعتراضا على امر فيه توحش واجرام ، كان يتراجع، ويدرك ان الوحش في نفسه كان هو الذي يتكلم، فيعود الى طبيعته زاجرا الوحش في نفسه.

هذه نقطة اولى في الشهادة لا اشك اطلاقا في صدقها، معتمدا في ذلك على ما اتبثته الاحداث، وايضا انه موقف متوافق مع تاريخ صاحبه ومواقفه ونبل سلوكه وشخصيته.

النقطة الثانية التي شرحها للمتفرجين، ورد فيها على اتهام من فساط النظام ، بالتهاون والتخاذل، هي ان احدى مهمات القائد العسكري حماية ضباطه وجنوده وعدم الزج بهم في عمل انتحاري، لا فائدة منه الا قتلهم، وذكر انه لم يكن يملك وسيلة تمنع طائرات الناتو من تدمير كل اسلحته فلا وجود تحت يده لصاروخ واحد مضاد للطائرات يصل الى المدى الذي تحلق فيه الطائرات المهاجمة، ثم حصل ان جبهات الثوار كانت تتحرك للاستيلاء على العاصمة من ثلاثة محاور، محور الشرق ومحور الغرب ومحور الجنوب، مدعومة بالة الحرب الدولية المتمثلة في طيران وصواريخ حلف الناتو، ووسائل الرصد والاستطلاع التي يملكها، وكانت هناك كما يقول ثلاثة اطواق عسكرية مكلفة بالدفاع عن العاصمة، كلها تعطلت وخرجت من المشهد، فكان تقدير الموقف يقول، كما جاء على لسانه بتعبير دارج ((الناس يكملوا)) بمعنى انها ستكون حرب ابادة للجميع ، للمهاجمين ولمن وقع عليه الهجوم ولمن وقع في خط تبادل النيران من احياء مدنية، في وقت كانت مراكز الاتصال مهددة بالتدمير وتعطيل كل اتصالات بينه وبين ضباطه، الامر الذي استوجب ان يقول انه سيترك لكل ضابط تقدير الموقف، وكان قراره بعدم المواجهة وتجنيب المدينة حرب ابادة ودمار.

ومرة ثانية اقول ان الاحداث اثبتت صدق شهادته، وصواب نظرته وعمق ما يتمتع به من ولاء وطني ونزوع انساني وايمان ينير قلبه ووجدانه وضميره نحو الطريق السليم.

وأرى عبر هذه الشهادة أن الرجل مأثرة وطنية، وخبرة يستحق أن يستفيد به الوطن، وجدير بمن يبحث عن المصالحة ورأب الصدع، الاستفادة من هذا القائد العسكري، ليدخل طرفا في المصالحة، ممثلا لجزء من الجيش الليبي، وعضوا في المجلس المزعم تاسيسه، لاعادة المؤسسة العسكرية للعمل بكفاءة وفعالية في توفير الامن وحماية حدود الوطن ولاشك انه قادر على تعزيز الجيش الليبي بخبرته بكثير من الضباط وضباط الصف من اصحاب الضمير والخبرة والكفاءة والمسئولية من امثاله كما انه سيسهم في اعادة تمتين النسيج الاجتماعي وتاكيد اللحمة الوطنية بين كل اهل البلاد، ومساعدة ليبيا في طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من الصفح والمودة والعمل متحدين في مسيرة العمل والبناء وانجاز المستقبل الابهي والاسعد والاجمل لاجيالنا القادمة.

هذا هوالجانب الخاص به ودوره في تلك المرحلة العصيبة والمفصلية التي شهدتها البلاد، وهناك قضايا اخرى تناولها اللقاء، طرح فيها اراء كان دافعها كما يبدو ارضاء عشيرته والغاضبين عليه منها، مثل حديثه عن مناقب نظام لم ير منه الناس الا الشر والاجرام، اضاع فرصا تاريخية على لليبيا للحاق بركب الحضارة والتحديث ، استباح الحريات وسفك الدماء واهدر موارد وثروات البلاد، فلا يمكن الاعتداد بما قاله السيد البراني من مديح للنظام،   مناقضا نفسه عندما يعترف بان الثورة ضده كانت ثورة الشعب الليبي كله ، شرقه وغربه وجنوبه، وكان السيل الهادر الذي جاء من الجهات الثلاث ، انما تعبير عن زخم وقوة الثورة التي حركتها نقمة ضد اربعين عاما ونيف من المهانة القمع  والاجرام.

اوافقه عندما قال ان مشاركة العالم مع ليبيا كان غرضها استهداف القذافي والتخلص منه، وانهم لحظة ان مات رفعوا ايديهم عن ليييا، كلام صحيح، لان الرجل الذي جاء بلعبة مخابراتية، لاستنزاف ثروات ليبيا وتنفيذ اجندات سوداء، كان قد استنفذ اغراضه وصار العالم ينظر اليه باعتباره وباء، يجب ان يتخلص منه، فالاذى الذي يصدر عنه بطبيعته المجبولة على الشر، لم يقتصر على الشعب الليبي،  الذي كان الضحية الاولى لافعاله، وانما وصل الى كل ركن من العالم، حيث اراد ان يكون الاب الروحي للمنظمات الارهابية،  وليتفضل بتصحيحي ان كنت مخطئا عندما اقول انه كان يفاخر بانه يسلح ويدرب ويمول الجيش الجمهوري الايرلندي، والباسك في اسبانيا ، والالوية الحمراء في ايطاليا، والبدر ماينهوف في المانيا، اما في العالم العربي، فلم يكن الرجل المسمى بندقية للايجار، وعميل الموساد، المسمى ابو نضال يجد الراحة ولا المال ولا الحماية الا من ليبيا ودعك مما فعله من تصدير الارهاب الى دول الجوار مصر وتونس وتشاد وغيرها وغيرها.

نعاني واقعا مرّأ كما قال، ولكن الجزء الاكبر في هذا الواقع هو الارث الاجرامي الذي تركه قائده الاعلى، والعشرين مليون قطعة سلاح انما خرجت من مخازنه، واكثر من عشرين الف مجرم جنائي خرجوا من سجونه، وقبل هذا سلوكيات ومعامل تفريخ للدجل والعنف والاجرام هي التي صنعت هذا الارث البشع الذي تركه لنا، وشعاره وشعار امثاله من الطغاة كان دائما انا ومن بعدي الطوفان، وهذا هو الطوفان الذي نجح في ان يتركه ميراثا لليبيا.

نقطة اخيرة، وفقرة في الحوار، اقحمت اقحاما، لان موضوعها لم يكن جزءا من السياق، وهي عن اشاعة وجود عرق يهودي في سيادة القائد الاعلى، ونفى الاشاعة ودافع بما يجب ان يدافع به عن المرحومة عائشة ابو النيران، والدة العقيد، وحديثه عنها حديث صادق بالتاكيد، لان التهم التي اكدتها نساء من اسرائيل خرجن على شاشة التليفزيون الاسرائيلي، تتناول سيدة اخرى قريبة لهن، تركت ليبيا بعد ان انجبت ابنا سفاحا، هو الذي تقول الشائعات ان والد العقيد عاد به الى خيمته، ولعله حاول اقناع ربة البيت انه ابن ذكر يكون عزوة لهما وهما لم ينجبا ولدا،  لكن السيدة عائشة ابو النيران لم تكن راضية عما حصل، واهملت الطفل الذي ظل يصرخ في تلك البراري دون وجود ام حقيقية تعتني به وتسكته عن البكاء، وهو اهمال اورثه هذا التشبت المرضى بالدعاية لنفسه وجلب الانتباه بطريقة غير سوية ولا طبيعية الى حد ان يحسد صبيا يلعب الكرة ويذكر اسمه فيمنع هذا الذكر.

وشخصيا لا ارى المشكلة في ان له اصلا يهوديا او لايكون، وانما هي المرض السايكبوتي النفسي الذي انبت فيه جبلة الشر وكراهية الخير، لانه لو كان الذي حكم ليبيا ضابطا اسرائيليا لكان احرص على بنائها ومعيشة اهلها مما فعل هذا الرجل، وليبيا كلها مدانة لضابط فاشي اسمه بالبو، بنى اعظم الابنية خلال ستة اعوام من حكمه، واستغرق القائد الاعلى الليبي اربعين عاما، منهمكا في تهديمها ولم يكمل هذا التهديم بما في ذلك عمارات ميدان الشهداء، وعمارة اللجنة الشعبية العامة، وفندق المهاري القديم وفندق الجراند هوتيل القديم والجزء الاكبر من الودان وكانت تحفا في زمانها واكثر من عشرين مسرحا ودار سينما، في العاصمة فقط، فلم يكن الا مبعوثا للتخريب والدمار.

وفي اطار هذه الفقرة نفسها اشار الى ان والد القذافي رحمه الله لم يعمل خارج بلدته ولا علاقة له باي عمل مع يهود ولا نصارى، وهنا جانبه الصواب فالسيد الوالد الذي جعله ابنه صاحب اكبر ضريح في مقبرة الشهداء، الهاني، كان عسكريا محترفا مهنته طوبجي ، اي مدفعجي ، مع الجيش الايطالي، وهي مهنة لاتسند للمجلوبين بالاكراه لخدمة مدة معينة، وانما كان من العساكر المحترفين،  الى حد انه عندما عاد الجنود المكرهين على الذهاب الى الحبشة، بعد ان انتهى الجيش الايطالي من احتلالها، لم يعد المرحوم ابو منيار من مهمته في بلاد الاحباش،   واقام اهله مناحة عليه باعتبار انه لم يتخلف الا من قتل اثناء الحرب، الا انه تخلف لان اهل الاحتراف تخلفوا الى ان يستتب الحكم للايطاليين هناك حتى بعد الاحتلال، واسمه موجود في القوائم التي اطلعت على نسخة منها، رحمه الله. انه فقط مثال لما كان يعتمده النظام السابق من كذب وتضليل وتدجيل ، كاسلوب وسياسة انتهجها على مدى اربعة عقود عجفاء، لا اعادها الله.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

الكاتب:

أديب وكاتب ليبي

عدد المقالات المنشورة: 2.

تعليقات حول الموضوع

تعليقات 6
  1. 1- بواسطة: عمر 2017/05/25

    Good

  2. 2- بواسطة: خالد خالد 2017/05/26

    لك كل التحية يادكتور على هذا المقال .. وكل عام وأنت بخير ، رمضانك مبروك

  3. 3- بواسطة: عمر 2017/05/27

    لقد كنت غاطساُ فى الجبن حتى أبطيك ولم تنطق حرفاً ضد القذافى طوال أيام حياته، واليوم وبععد أن واراه التراب سخرت قلمك لإخراج مافى جوفك من قاذورات إتجاه رجل ميت أسقاك طعم الخنوع طوال أيام حياته .. ألا تبت يداك .. ماهكذا تكون الرجولة أبداً

  4. 4- بواسطة: واصل قرمة 2017/05/27

    تحياتي اليك، دكتور احمد، كما عودتنا دائما مبدع ..
    حفظك الله وكل عام وانت بخير ..

  5. 5- بواسطة: صالح السليماني 2017/05/27

    بأني عاش عمره بالكامل مع القذافي ويعرف كل شيء عنه لماذا لم يتركه إلا عندما عرف أن نهايته قريبة أليس ذلك يعتبر نفاقا كبيرا وخيانة في القانون العسكري توجب له الإعدام .

  6. 6- بواسطة: صالح السليماني 2017/05/27

    مهما برر موقفه إلا أنه يعرف القذافي وجرائمه من فترة طويلة لماذا لم يتركه إلا عندما عرف نهايته قريبة بصراحة منافق وكاذب يحاول تبرير ما قام به عقوبته الإعدام .

تعليقات 6