الإتفاق الليبي.. ومكمن الأزمة

بقلم:

تشهد الساحة الليبية منذ سقوط نظام القذافي، صراعاً سياسياً بين عدة أطراف مدعوماً بقوة السلاح بهدف الوصول إلى السلطة والهيمنة على مقدرات البلاد، والمحصلة النهائية التي أنتجها هذا الصراع بعد مضي ستة أعوام ، إنقسام السلطاتان التنفيذية، والتشريعية، والغياب شبه التام للمؤسسة القضائية ، وتبع ذلك إنقسام في العديد من المؤسسات الأخرى وبخاصة البنك المركزي والمؤسسة العسكرية . ففي الشرق توجد حكومة مؤقتة يمثلها محمد الثني، والبرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح والبنك المركزي الذي يديره علي البحري والمؤسسة العسكرية التي يرأسها المشير خليفة حفتر. وفي الغرب توجد حكومة الأزمة التي يترأسها خليفة  الغويل ، والمؤتمر الوطني الذي يرأسه نوري ابوسهمين ، وحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فائز  السراج ومجلس الدولة الذي يترأسه عبد الرحمن السويحلي والمؤسسة العسكرية التي يترأسها وزير الدفاع العقيد المهدي البرغثي، وكل منهم على المستوى الميداني له ثقله، والفكري له أطره ومنطلقاته الأيدولوجية ، وكل منهم أيضاً يدعي الشرعية لنفسه وينفيها عن غيره.

لقد ترتب على هذا الإنقسام دخول البلاد في فوضى عارمة تسببت في انتهاك سيادتها، وإهدار  قدراتها وإمكاناتها، وتدمير لمقدراتها وتدني مستوى الخدمات بها، وانخفاض المستوى المعيشي للأفراد إلى أدنى مستوياته، وانتشار التهريب السلعي والبشري ، وتراجع العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بدرجة غير مسبوقة، وازداد انتشار السلاح والتشكيلات المسلحة ، وارتفع معدل الجريمة. وبالرغم من كل المحاولات التي جرت لرأب الصدع وإنهاء النزاع بين الأطراف المتصارعة والوصول إلى تسوية تقود إلى إتفاق، وبخاصة منها تلك التي قادتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلا أنها جميعاً باءت بالفشل. فما أسباب هذا الفشل يا ترى؟؟

مما لا شك فيه ، فإن ثمة عوامل كثيرة أدت إلى حالة الإخفاق هذه لعل من أهمها في تقديري عدم تركيز جميع الجهود بما في ذلك جهود البعثة الأممية على حالة انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة. هذه الحالة التي تتسم  بالفتور، والتوجس، والتخوف؛ أي تخوف كل طرف من تغول الأطراف الأخرى في حالة تمكنه من السلطة والسيطرة على مقدرات الأمور في البلاد.

وكما هو معلوم أنه وبالرغم من وصول الأطراف المتصارعة إلى اتفاق الذي عرف باتفاق الصخيرات والإعلان عنه في 17ديسمبر 2015م تحت إشراف البعثة الدولية، ودخول السراج إلى طرابلس في 30 مارس 2016م، والإعلان وفقاً لبنود الإتفاق عن قيام مجلس الدولة، وتمديد عمل مجلس النواب ، إلا أن الوقائع على الأرض تظهر بوضوح فشل هذا الاتفاق حتى كتابة هذا المقال في تحقيق الوفاق.

إن عدم تركيز البعثة على حالة انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة وسعيها لإيجاد حلول لها، ومحاولتها تجسير هذه الهوة، عزز لدى الأطراف المتصارعة بمرور الوقت مشكلة أخرى تمثلت في عدم ثقة هذه الأطراف  في قدرة البعثة نفسها، كونها وسيط، يعمل على جمع هؤلاء الفرقاء ويرسل إشارات مطمئنة لهم. وتتعزز حالة انعدام الثقة هذه في عديد المطالبات الصادرة من هذه الأطراف وغيرها إلى الأمين العام بتغيير ممثليه شملت تقريباً جميع من تولى إدارة البعثة في ليبيا.

إن تجسير حالة إنعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة تتطلب وجود وسيط قوي يحظى بثقة كل الأطراف، ويعمل  على عدم تغول وهيمنة طرف على الأطراف الأخرى إذا ما تمكن من السيطرة على الحكم ويقف على مسافة واحدة بين الجميع.

غير أن الأسئلة التي يمكن طرحها هنا، هل فكرة الوسيط القوي فكرة ناجحة وفاعلة أصلاً في الحالة الليبية؟؟ وإذا ما كانت كذلك، من يكون هذا الوسيط القوي؟ وهل ويكون من داخل البلد أم من خارجها؟

إن مجريات الأحداث والوقائع والحالات المشابهة للحالة الليبية سواء منها ما جرى سابقاً أم في الوقت الحالي، تقود إلى تأييد هذا التوجه والتأكيد على نجاعته  وأهميته. فمن الشواهد التي يمكن سردها على سبيل المثال، ما جرى في أواخر القرن الماضي في لبنان. فالحرب الأهلية التي نشبت في هذا البلد واستمرت لعدة سنوات، والتي  دمرت مقدراته وشردت مئات الألاف وقتلت وجرحت الألاف من مواطنيه، لم تنتهي إلا بتدخل وسيط قوي خارجي حظي بقبول كل الأطراف المتصارعة وثقتهم والمتمثل في المملكة العربية السعودية.

وفي تونس التي شهدت إنهيار نظام الحكم نتيجة أحداث 2011م وما ترتب على ذلك من فراغ سياسي وبروز أطراف سياسية طامحة للسلطة ذات توجهات فكرية مختلفة، جعل العديد من المحللين السياسيين والطبقة المثقفة تتوقع حدوث صراع بين هذه الأطراف، وبالتالي دخول البلاد في أزمة سياسية تهدد أمن المواطن والوطن؛ وتجنباً لذلك تدخل وسيط قوي داخلي لحل هذه الأزمة والمتمثل في الرباعي الذي حاز على جائزة نوبل للسلام عام 2015م والمتمثل في الإتحاد العام التونسي للشغل، والإتحاد التونسي للصناعة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس. إذ استطاع هذا الرباعي بما له من تأثير في الأوساط الشعبية أن يجمع الأطراف المتصارعة على طاولة واحدة ويدير الحوار الوطني الذي بدأه في 5 اكتوبر 2013م وينجز العديد من الإستحقاقات السياسية وبالأخص منها إنجاز الدستور الذي تمت المصادقة عليه 2014م وأسهم في الحد من حالة الصراع والأزمة السياسية.

بالنظر إلى الواقع، فإن الحالة الليبية تختلف عن الحالة التونسية، وتقترب من الحالة اللبنانية. ففي تونس وبالرغم من حالة التردي السياسي – الاقتصادي وتأثيره على الأوضاع الاجتماعية بالبلد ووجود مؤشرات تنبئ بحدوث أزمة سياسية، إلاّ  أن قدراً من المؤسسات الدستورية والمدنية والوعي الجمعي  كانت حاضرة قبل الإنهيار، لتقود المرحلة وتُخرج البلد إلى بر الآمان على نحو ما تبين، أما في ليبيا فإن الوضع يختلف تماماً، فالنظام السابق لم يسعٓ إلى ترسيخ مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، ولم يسهم في تشكيل وعي جمعي لدى المواطنين بقيم المواطنة واحترام القانون كما يعلم متتبعي الشأن الليبي، لذلك فعند انهياره عقب أحداث 2011م لم تكن هناك أية مؤسسات عسكرية أو مدنية  يمكن أن يعول عليها كوسيط قوي داخلي في إنقاذ البلاد. فانهارت الدولة  ودخلت في فراغ سياسي ونفق مظلم، ولم تنجح كل المحاولات الداخلية لإنهاء الأزمة السياسية سواء تلك التي تمت على المستوى الاجتماعي والمتمثلة في لجان وملتقيات المصالحة ورأب الصدع على نحو الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا الذي انعقد في مدينة الزاوية بتاريخ 26-27 نوفمبر 2011م، أم على المستوى السياسي من خلال الإنتخابات التي جرت، أم التشريعات والقوانين والقرارات التي صدرت عن المؤسسات المنتخبة المؤتمر والبرلمان والحكومات التابعة لهما المتعلقة بالمصالحة وتجميع السلاح منها: قانون رقم 17 لسنة 2012م  المتعلق بإرساء قواعد المصالح الوطنية والعدالة الإنتقالية الصادر عن المجلس الإنتقالي، وقانون العدالة الإنتقالية لسنة 2013م الصادر عن المؤتمر الوطني، وقرار رقم 7 لسنة 2014م بشأن حل كافة التشكيلات غير النظامية الذي أصدره مجلس النواب، والمبادرة الوطنية لإنقاذ ليبيا نوفمبر 2014م التي أشرف عليها نخبة من الحقوقيين والسياسيين والمثقفين بليبيا. ومما زاد في تعقيد المشهد السياسي الليبي انتشار السلاح والتشكيلات المسلحة هذا إلى جانب انقسام المؤسسة العسكرية في الشرق والغرب.

ونظراً لتعذر وجود وسيط داخلي قوي -مؤسسات مدنية أو عسكرية- واحتدام الصراع بين الأطراف المختلفة وفشل البعثة الأممية كوسيط  قوي يجمع  الفرقاء الليبيين على اتفاق واحد للأسباب السابق بيانها، فإن التطلع إلى وسيط قوي خارجي يحظى بقبول الجميع قد يكون الحل للمشكلة الليبية، ويمكن أن يكون هذا الوسيط عربياً أو أجنبياً، شريطة أن لا يكون في تدخل هذا الوسيط ما يمس السيادة الليبية أو ينقص منها.

د. محمود جدّور

الكاتب:

عضو هيئة التدريس بجامعة الزاوية، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع

عدد المقالات المنشورة: 1.

تعليقات حول الموضوع

تعليقات 3
  1. 1- بواسطة: عبدالله الوافي 2017/06/03

    مقال رصين

  2. 2- بواسطة: د. عمارة علي شنبارو 2017/06/03

    الحالة الليبية تحتاج لوسيط .. صادق في مساعيه لإنهاء الفوضى .. ويمتلك العصا والجزرة.

  3. 3- بواسطة: محمد خالد عصمان 2017/06/04

    مقال شخص الحالة الليبية بشكل موضوعي .. فالوسيط ينبغي ان يكون محايدا وقويا ويمكن الاستفاده من تجارب مماثله : التجربة اللبنانيه ، التجربة الايرلاندية ، وتجربة جنوب افريقيا .. هذه الدول حدث فيها صراع مرير وطويل ولكن في نهاية المطاف كان السلام ؛ ينبغي الاعتماد على الوسيط المحلي في بناء المصالحه على الأرض وكذلك الاعتماد على الوسيط الدولي لجمع الفرقاء وادارة حوار مباشر بينهم ، النتيجة ستكون ايجابية ان شاء الله

تعليقات 3

هل ترغب بالتعليق؟

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.