الأزمة السياسية الخليجية بمنظور ليبي

بقلم:

من خلال متابعة الأخبار و التطورات الجارية في الأزمة السياسية بمنطقة الخليج وتحديداً بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة مقابلة لاحظت ردود الأفعال المختلفة وما لفت إنتباهي القدر الكبير من السطحية والسذاجة في التعاطي مع هذه الأزمة السياسية وعدم قراءة أسبابها ومآلاتها المُحتملة على نحو موضوعي و متجرد عن الإنحياز العاطفي تجاه طرف أو آخر، ولعله من الضرورة بما كان الإتفاق على بعض النقاط التي أراها من المسلمات السياسية فالدول تحكم علاقاتها المصلحة المحضة على أساس مطلق من البرغماتية دون التعويل على دعوات الأخوة والمحبة ونصرة الشعوب والدفاع عن قضايا الأمة التي صارت متعارضة ومتداخلة بمصالح الدول التي تشكل هذه الأمة.

شيطنة الأنظمة أو وصف الأخرى بالملائكة هو كذلك شكل من أشكال السطحية والعاطفية التي تعد كذلك شكلاً من أشكال المراهقة والصبيانية السياسية إن صح التعبير، لكل نظام سياسي حسابات يضمن من خلالها إستمراره في الحكم وتعزيز نفوذه إقليمياً ودولياً و لكل نظام أدوات يستخدمها لتحقيق أغراضه وأهدافه ومآربه من خلال ما تتوفر له من إمكانيات بشرية ومادية وجغرافية ولا ننسى الأدوات الروحية المتمثلة في الدين والمذهب والطائفة لتسويق وترويج تلك السياسات وكل ذلك في سبيل تحقيق المصلحة و النفوذ بما يضمن الإستمرار وتعزيز الوجود ومن الأهمية بما كان التطرق إلى أم الأدوات في تسويق تلك السياسات وإستهداف المصالح والغايات وهي أداة الإعلام الذي أخذ أشكالاً أكثر تطوراً و حرفية نصاً وصورةً وإخراجاً في بلورة الحدث بل وصنع الحدث من العدم وتوظيفه لأجل تلك الغايات السياسية.

من خلال ما تقدم نستطيع تفهم الأزمة الخليجية التي تعتبر نتيجة طبيعية لتعارض المصالح بين تلك الدول التي لم تعد تمثل رأي واحد ولا تهدف إلى مصلحة واحدة فلكلٍ حساباته الخاصة من حيث السياسات ومن ثم المواقف والتحالفات وعلينا ألا نستنسخ السيناريوهات التقليدية في تصورنا لسقوط الأنظمة بطريقة هوليودية كما حصل في العراق وليبيا على سبيل المثال، فالمعطيات مختلفة جداً في هذا الصدد، والأمر في رأيي لا يعدو أن يكون تعبير سياسي بصوت عالٍ لغرض رفع مستوى الضغط و إبداء أعلى درجات الجدية والحزم في رفض بعض السياسات التي تمارسها دولة قطر والتي تتعارض مع مصالح الثلاثي الخليجي المتضرر من تلك السياسات وهذا سيخلق واقع سياسي جديد يهدف إلى ضرورة بلورة ملائمة سياسية تضمن الحد الأدنى لمصالح دول الخليج وإيجاد صيغة مشتركة تكون مقبولة بين جميع الأطراف، ومن جهة أخرى فإن سيناريو التواطؤ العلني لإسقاط الحاكم “المارق” عن عرشه سيكون سابقة خطيرة قد تكون سنة وسنداً لتكرار هذا الأسلوب لتصفية الحسابات والنزاعات السياسية “الخليجية” لإسقاط عروش بعضهم البعض في كل أزمة قد تحصل بين دول الخليج وتدور دوائر السياسة و يصير حلفاء اليوم أعداء الغد متى تعارضت المصلحة وتكون الضريبة هي الْمُلْك والعرش ولا أظن أن أنظمة ملكية وراثية ستجازف بإنتهاج هذا النهج المحفوف بالتهور والمجازفة بالذات أنها تقوم على محظورات وخطوط حمراء في مقام الحكم والعرش الذي يستند للبيعة التلقائية بالوراثة وتجاوز هذا الخط الأحمر قد يدفع ضريبته الجميع في مراحل لاحقة.

قطر واحدة من أصغر دول الخليج جغرافياً وديموغرافياً وتاريخاً ولكنها إستطاعت أن تنتزع لنفسها مكانةً و أهميةً بالغة في شتى القضايا على المستوى الخليجي والإقليمي بل والدولي من خلال سياساتها الجريئة والبرغماتية فقطر أول دولة خليجية تقوم بالتطبيع مع إسرائيل وفتح مكتب تمثيل تجاري في الدوحة ولا ننسى الزيارات الرسمية المعلنة لأكبر المسؤولين في إسرائيل للدوحة وفي ذات الوقت فإن الدوحة ترعى حركة حماس سياسياً ولوجستياً وتستقبل على أراضيها مكتب الحركة السياسي ومسؤوليها و الجميع يعلم العداء المطلق بين حماس وإسرائيل وقطر إستطاعت لعب دور مرن وغاية في الغرابة بين هذين المتناقضين والأغرب من ذلك إستقبال قطر لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها وفي نفس الوقت وجود مكتب لتمثيل لحركة طالبان الأفغانية؟!! بالإضافة إلى دورها البارز في ما أسمته هي ذاتها من خلال ذراعها الإعلامي “قناة الجزيرة” بالربيع العربي الذي ما أظن تحقق نتائجه لولا الدعم القطري بصرف النظر عن تقييمه بالسلب أو الإيجاب، و لعله من المفارقات السياسية أن جل الساسة الليبيين المناهضين لسياسات قطر تجاه ليبيا كانوا يديرون حراك ثورة فبراير ويتلقون كامل الدعم الإعلامي والمالي والسياسي من قطر وعلى سبيل المثال فإن الصحفي والمعارض الليبي البارز محمود شمام كان يدير قناة ليبيا لكل الأحرار من الدوحة بالإضافة إلى أن رئيس حكومة الثورة الدكتور محمود جِبْرِيل ومكتبه التنفيذي كان ديوانه الحكومي في الدوحة كذلك وهم الآن من الجبهة المعارضة لسياسات قطر ولهم كامل الحق في تبني ما يعتقدونه من رأي ولكني أحاول تسليط الضوء على قدرة قطر على التغلغل في مفاصل ثورات الربيع العربي الذي أسمته قطر كما سبق القول.

هذه السياسات العجيبة في تناقضها وتضاربها لدى المراقب العادي إلا أنها كانت السبب الرئيس لإكتساب قطر هذا الوضع السياسي شديد المرونة وإمتلاكها النفوذ والتواصل المباشر مع المتناقضات ولعب دور محوري في هذه الغابة السياسية المفترسة التي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون لقطر أي تأثير أو وجود فيها لولا تلك السياسات التي جعلت أكبر الدول العربية تخرج عن صمتها و إعترافها الصريح بإستشعارها الخطر من سياسات تلك الدولة الصغيرة التي تضخمت وصار تأثيرها يؤرق المملكة رغم الفارق الهائل في حجمها وقوتها بالمقارنة بالشقيقة الصغرى “قطر”.

قد يعتقد القارئ أني أثني أو أمدح سياسات قطر وهذا غير صحيح بالمطلق فرأيي الشخصي في سياسة دولة ما لا قيمة له ولن يزيد أو ينقص من قيمة تلك السياسات ولكنني أود أن أتعاطى مع سياسات قطر بنظرة موضوعية مصلحية لتفسير أسباب قطر في إنتهاجها هذه السياسات محل الأزمة الخليجية وعلينا نحن كليبيين أن ندرك جيداً أنه علينا التعويل على أنفسنا وتحديد مصالحنا الوطنية وأهدافنا وتطلعاتنا والتعامل مع أزمتنا الليبية بصيغة الفاعل لا المفعول به وتأسيس منظومة علاقاتنا الدولية والإقليمية وفقاً لأولوياتنا المصلحية، فعلى سبيل المثال تعالت الأصوات في ليبيا بخصوص النفوذ والتأثير القطري الواضح في المشهد السياسي الليبي وأشد المعارضين من ساستنا ومسؤولينا وولاة أمورنا لم يتجرؤا على إتخاذ قرار قطع العلاقات السياسية مع قطر اللهم إلا تقليداً وتأييداً لقرار السعودية وأخواتها في مشهد يصور لنا وبوضوح مدى تبعية قرارنا السياسي في ليبيا لقرارات وسياسات دول أخرى ومن هنا يحق لنا أن نسأل هل كنّا سنتخذ هذا القرار السياسي بمقاطعة قطر ان لم تفعل المملكة السعودية وأخواتها ذلك؟ وماذا لو تم تسوية الأمر بين أشقاء الخليج وعادت المياه إلى مجاريها بتسوية سياسية على مائدة “كبسة” باذخة يكبسون من خلالها خلافاتهم ويستحضرون دراماتيكياً أواصر الأخوة والمحبة التي تجمعهم ويخرجون ببيان مشترك ينتهون فيه إلى أنه (حتحات علي ما فات) وهذا ليس بغريب ولا مستبعد على قبائل العرب من قديم الزمن في إنهاء خلافاتهم المشتركة، هل سنقوم حينها بتطبيع العلاقات مرة أخرى مع قطر رغم أننا لم نكبس الكبسة ولم ندعى للوليمة حتى بوصفنا “نديم سياسي” أو باللهجة الليبية “عُوّال” يكبر ويهلل بالصلح متى تحقق ويعلوا صوته بالسباب والشتم ان لم يتحقق وكل ذلك لصالح دول بعينها نسير حيثما سارت، هذا هو السؤال و هنا مكمن الإشكال أننا أصبحنا في ليبيا لا نمثل أنفسنا ولا نقرر سياساتنا لغرض مصلحتنا الوطنية بل صرنا وللأسف الشديد تُبّعاً لغيرنا وجعلنا ليبيا الحبيبة “دولة إمّعة”.

و لله الأمر من قبل و من بعد

أنس أبوشعالة

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 3.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: وطني 2017/06/08

    احسنت

تعليق واحد