فوضى الإرهاب والإرهاب المضاد، المسلمون الهدف المعلن

بقلم:

ونحن نتتبع مسيرة العمليات الإرهابية والانتحارية خلال أكثر من عقدين، وخاصة تلك العمليات التي تتخذ من الدين غطاء ومنهجا، والتي ضربت الكثير من دول العالم وخلفت ورائها الكثير من الضحايا الأبرياء، نلاحظ وللأسف أحادية دينية مطلقة تتخذها تلك الجماعات الإرهابية منطلقا معلنا لتنفيذ اعمالها الاجرامية، وكم هو مؤسفا أن الدين الإسلامي هو الذي استعمل غطاء معلنا لكل تلك الاعمال الاجرامية، ما يعني أن الإرهاب قد ارتبط وهذه الحال، بمصدر واحد من حيث المنهج والهدف وان منطلقه هو الدين الإسلامي!، ان هذا ليس تشويها او تجنيا على الدين الإسلامي، بقدر ما هو انعكاس طبيعي لحقيقة واقع تلك العمليات الإرهابية، والتي دفعت الى تشكل  رأي عام جمعي سلبي ضد المسلمين خلال العالم كله حول هذه الظاهرة التي طال عمرها وأثرها.

ان كل المحاولات التي بذلت لنفي صفة الإرهاب عن المسلمين عموما لدى الرأي العام، كانت تصطدم دائما بتكرار وزيادة انتشار الظاهرة، الأمر الذي يقوّض كل محاولة لتغيير تلك النظرة التي ترسمها تلك العمليات الإرهابية في الذاكرة الجمعية للمجتمعات البشرية، ان محاولات محاربة الإرهاب الديني برغم الاتفاق الدولي حولها، وتوحّد الدول مجتمعة لمحاربة الظاهرة لم تؤت أكلها في الحد من انتشار الظاهرة، بل وللأسف لاحظنا تزايدا في حدة العمليات الإرهابية وسرعة انتشارها وضخامة اثرها، بل وحتى الإعلان والافصاح المتجدد من قبل العديد من الجماعات الإرهابية الإسلامية المتطرفة، عن استمرار تشكلها وانبعاثها وتحت مسميات مختلفة ومتعددة.

لقد تم الإعلان عن تنظيم القاعدة منذ حوالي عقدين في أفغانستان، ثم توالى الإعلان عن تنظيمات أخرى مثل ما يسمى بأنصار الشريعة وجماعات التكفير الى ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو ما يؤشر الى وجود بيئة خصبة لتفريخ مثل هذه الجماعات عبر العالم، في عكس ما كان متوقعا لانحسارها وتجفيف منابعها! ولقد شكلت حالات الانفلات الأمني في بعض الدول وخاصة التي شملتها ما يسمى بثورات الربيع العربي مناخا مناسبا وبيئة خصبة لنمو وانتشار مثل هذه الجماعات مستغلة لحالة الفوضى والفلتان الأمني التي تضرب بعض الدول العربية، فلم يقتصر المكان كما هو معروف سابقا على أفغانستان أو الصومال، بل تعداه ليشمل دولا عديدة مرورا بالعراق ووصولا الى مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا.

ان هذا الانتشار الكبير المخفي والمعلن لهذه الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تحترف الإرهاب وظهورها المستمر عبر بيانات تعلن فيها عن عملياتها الاجرامية، من خلال وسائل الاعلام المختلفة واختراقها لمنظومات التواصل الاجتماعي المختلفة، سمح لها بانتشار كبير وواسع عبر العالم، هذا الانتشار الواسع كان طبيعيا ان ينشئ حالة من الرفض وعدم القبول لدى كل من تصل اليه مقاطع العمليات الاجرامية، التي تثير الرعب وترهب المتلقي، من قطع الرؤوس وحالات الإعدام الهمجية الوحشية التي يتعرض لها ضحايا هذه التنظيمات الشيطانية خاصة الأبرياء المسالمين!

ان حالة الرفض هذه يكون طبيعيا ان تتولد عنها ردود أفعال قوية، لدى الكثير من المتلقين الذين يتعاطفون إنسانيا مع الضحايا الأبرياء، وبالتالي كان لابد لهذه المشاعر الإنسانية المكبوتة، ان تفرز حالة حقد وانتقام كبيرين تخزّن في الذاكرة الإنسانية، ويكون طبيعيا ان يأتي الوقت الذي تنفجر فيه هذه المكبوتات، في شكل ردات فعل قوية انتقامية مضادة، وهذا ما توقعناه منذ مدة وحيث أن حالات الإرهاب الذي يضرب العالم الآن كما اسلفنا احادي الجانب ومرتبط بالمسلمين تحديدا فانه بالطبيعة تكون ردود الأفعال موجهة للمسلمين بالدرجة الأولى وأينما وجدوا.

لقد حذرت في مقالات سابقة من خطورة الانتقال الى مرحلة الإرهاب المضاد، الذي قد يتخذ صورا عديدة منها ما يكون منظما وينطلق من تنظيمات محددة دينية او عرقية على شاكلة ما هو موجود الآن، فلا نستغرب ان تخرج علينا جماعات مسيحية متطرفة ويهودية وهندوسية.. الخ، ومنها ما يكون مستقلا منطلقا فقط من دوافع انتقام غرائزي نتيجة تراكمات تأثير الحالات الإرهابية على النفس البشرية! وحينها قد يدخل العالم في فوضى جديدة يمكن ان اسميها “فوضى الإرهاب والإرهاب المضاد” والتي اشعر أن مؤشراتها قد لاحت وبدأت.

ان حادثة الدهس التي شهدتها ساحة فينسبري في شمال غرب لندن ليلة الاثنين 19-6-2017 والتي استهدف فيها المسلمين تحديدا، تأتي كواحدة من عمليات الإرهاب المضاد الذي توقعناه وبدأ يضرب العالم الآن، ان ما يجب الانتباه اليه ان هذه العملية سوف لن تكون الأخيرة وستتبعها عمليات أخرى، وهي واقعيا تعد مؤشرا خطيرا على أن العالم  بدأ يدخل فصلا جديدا من فصول فوضى الإرهاب والإرهاب المضاد، والتي حتما ستكون انعكاساتها كارثية وخطيرة على الإنسانية جمعاء، ان العالم اليوم مطالب باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة للحد من فوضى الإرهاب تبدأ من التنسيق الفوري لمحاربة الفقر والجهل الذي هو أساس ومصدر تلك الاعمال الاجرامية ولا تنتهي فقط باتخاذ إجراءات احترازية لمعالجة حالات طارئة، ان الوصول الى خطط وقائية وعلاجية عالمية هو السبيل الوحيد للخروج من ازمة فوضى الإرهاب، فهل يدرك ساسة العالم ذلك ويبادرون.

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.