قطر والإمارات: المتشابه والمختلف (3/3)

بقلم:

لقد كثر الحديث عن قطر ونقدها، وبدرجة اقل عن الامارات، وانبرت الاقلام في النيل من قطر ومن التيار الاسلاماوي الذي تدعمه قطر، وبالتأكيد للامارت خصوم انبرت الاقلام وسال الحبر في نقد تدخلاتها. طبعا، بصفتي ليبي، وفي الوضع الراهن، لا يهمنى كل ما تعج به الاذاعات والصحف، وما يسطره الكتاب عن قطر و الامارات، بقدر ما يهمني تقييم دور هاتين الدولتين القزميتين (اللاتي لا تكادا تظهرا على خارطة العالم لتضائل مساحتيهما الجغرافية ولهما حضور صارخ على المستوي الدولي) على ليبيا، هذه المقالة تتحدث عن قطر والامارت من باب معرفة العدو.

الدور القطري والامارتي في ليبيا: معركة نفود

في مقالي السابق (قطر: لماذا الآن؟)، تحدث عن تاريخ الدور القطري في ليبيا، قبل وبعد الثورة، والذي تراوح بين الدعم والتدخل السافر. وقد وضح منذ البداية ان قطر تدخلت في ليبيا وساندت الثورة على نظام معمر لاسبابها الخاصة، لذلك لم تساند المجلس الانتقالي، باعتباره الجسم الذي افترض انه يمثل مصالح الثورة، بنفس القدر الذي سعت فيه بدعم جماعات معينة في طيف التغير. لقد كان دعمها واضحا وصريحا لجماعة الاخوان التي يمثلها رجل الاخوان الليبي في قطر الدكتور على الصلابي، ودراعه العسكري في ليبيا اخيه السيد اسماعيل الصلابي، ودعمها للسيد عبد الحكيم بلحاج زعيم تنظيم الليبية المقاتلة المنحلة.

كما اسلفت في مقالي السابق، قادت قطر محاولة سرقة الثورة منذ البداية، وقد تنبه احد الصحفيين الليبين مبكرا لدورها هذا ونبه اليه وحدر من “دخول البلاد في صراع مسلح لفرض واقع سياسي استنساخا لتجربة حزب الله في لبنان” كما تنباء وحدث فعلا. واعترفت قطر بهذا الدور حين اشار امير قطر الشيخ تيم في حوار مع السيد عبد الرحمن شلقم الى ان قطر دفعت في الثورة الليبية ما قيمته 3 مليار دولار، وليس من السهل التخلي عنها.

لاشك، ان للاسلاميين دور مشهود في الثورة الليبية، بل وفي مقارعة نظام معمر القذافي المستبد حتى قبل الثورة. لكن لا يعني هذا ان يستحود الاسلاميين على المشهد السياسي الليبي، وان يحتكروا مكتسبات التغير، ويفرضوا رؤيتهم الاحادية التي قد تتعارض مع رؤية شركائهم في الوطن، الذين قد لا يشاركونهم الرأي. ولا شك ان معركة قطر هي معركة نفود في المنطقة، فتوافقت معركة الوجود والتمكين للاسلامين مع معركة النفود القطري، وتشكل تحالف اقل ما يوصف به انه لا يصب في الصالح الليبي كما اتضح لاحقا. قطر اقدر على اللعب لما لها من امكانيات كبيرة، فسخرت الاسلامين لخدمة اغراضها، وكان الضحية المواطن الليبي المنخرط في حمل السلاح، والنسيج الاجتماعي الذي فتقته الاحداث، ومستقبل ليبيا.

بالمقابل، تبني الامارات دورها الخارجي على عدئها للاخوان المسلمين وللتيار الاسلامي السياسي، وكان دور الامارت اما داعما للثورة المضادة كما في اليمن وسوريا، او مناهضا لدور الاسلاميين كما في مصر وليبيا. بمعنى، ان الدور السياسي الذي تمارسه دولة الامارت لا يختلف عن الدور القطري، فدور الدولتين يمثل انحيازا الى احد اطراف النزاع، وتغدية له يعمل على اطالة امده.

الحديث عن دور الامارت، والاساليب التي تتبعها لممارسة هذا الدور اقليميا وعالميا لا تكفيه مقال، ما يهمنا منه هنا دورها في ليبيا. فالامارت واحدة من أبرز الدول التي تدخلت ولا زال تتدخل عسكريًا في ليبيا منذ 2011، وتعتقد الامارات ان دعم حفتر سيحقق نهاية حقيقية للاسلاميين، لهذا هي تقف بكل ثقلها خلفه، وتشارك مصر الإمارات وتتحالف معها في دعم هذا التوجه.

وكشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الإماراتيين بالتعاون مع الجيش المصري هاجموا ليبيا اكثر من مرة، وكانت الغارات الجوية تنفذها طائرات إماراتية تنطلق من قواعد عسكرية في مصر، ووفرت الإمارات الطائرات الحربية، وطائرات التمويل الجوي والأطقم، بينما سهلت مصر سبل الوصول إلى قواعدها الجوية.

انتهاكات الامارت لقرار حظر الأسلحة الدولي عن ليبيا تكرر العديد من المرات، واعترفت به المنظمات الدولية المسؤلة عن مراقبة حضر التسلح، كما اعترف رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح بالتعاون الامارتي مع الجيش الليبي الذي يقوده حفتر، واثنى على هذا الدور. وفي احد تصريحاته، قال ان الجيش الليبي لم يكن يملك اليات، وقد تم شراء 300 عربة لم يتمكن الجيش من دفع ثمنها، فقامت الامارات بتسديدها. وربما ـ مما يثير الدهشة والشك في ان واحد – ان تكون اول زيارة يقوم بها السيد عقيلة صالح خارج ليبيا بعد زيارة مصر كانت الى دولة الامارات، وكانت بعد شهر واحد فقط من انعقاد اول جلسة للبرلمان الليبي. وبالنظر لدور الامارات الواضح الان، لا نستطيع الا ان نشكك في تلك الزيارة واهدافها، وربما يذهب بنا الشك الى ابعد من ذلك، ونعتقد ان للامارت دور سابق للانتخابات التي افرزت البرلمان.

وتفيد بعض التقارير الصحفية أن محمد دحلان بصفته مستشارا للشيخ محمد بن زايد مثل رأس الحربة للإمارات بالداخل الليبي بالتعاون مع محمد إسماعيل المستشار الأمني الأسبق لنجل معمر القذافي سيف الإسلام، واكدا هذا الدور تسريب من مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تحدث عن مساعٍ مصرية للوقوف ضد المؤتمر الوطني العام، بالاستعانة بأحمد قذاف الدم، لدعم التحرك على الأرض في ليبيا.

وأظهر التقرير السنوي للجنة العقوبات الدولية الخاصة بليبيا عن خرق دولة الإمارات العربية المتحدة، وبصورة متكررة، نظام العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا، من خلال تجاوز حظر التسليح المفروض عليها. وبينت لجنة العقوبات في تقريرها أن الإمارات قدمت الدعم العسكري لقوات اللواء خليفة حفتر على أنها شحنات مواد غير قاتلة، مرجحة كفته في القتال المستمر في البلاد بعد الثورة الشعبية على نظام العقيد معمر القذافي. وبحسب التقرير، فقد أدى الدعم الإماراتي إلى زيادة قدرات قوات حفتر الجوية بصورة كبيرة؛ وتضمنت المساعدات الإماراتية مواد دخلت في تجديد الطائرات المعطلة سابقا، بل وتزويدها بطائرات وآليات عسكرية جديدة. ورأت اللجنة أن مساعدات حكومة أبوظبي أدت إلى تزايد أعداد الضحايا المدنيين في النزاع الدائر في ليبيا. كما رصد التقرير زيادة في انتهاكات حقوق الإنسان من قبل بعض الجماعات المسلحة المعترف بها من مجلس النواب أو المجلس الرئاسي أو حكومة الإنقاذ الوطني.

لا يتوقف التدخل الامارتي في خرق الحضر على التسليح وتزويد حفتر بالاسلحة كما اشار تقرير لجنة العقوبات، بل تعداها الى اكثر من ذلك. فقد اشار موقع أي أتش أس جين (IHS Jane) المتخصص في تقديم الخدمات الستراتيجة والتخطيط وفي الشؤون العسكرية والفضائية إن دولة الإمارات أقامت قاعدة جوية قرب مدينة المرج شرق ليبيا، تعمل بها طائرات هجوم خفيفة وأخرى من دون طيار. وأعلن الموقع البريطاني عن حصوله على صورا بالأقمار الاصطناعية من شركة إيرباص للدفاع والفضاء، تكشفت عن نشاطات لدولة الإمارات في مطار “الكاظم” في ليبيا، لافتا إلى أن الإمارات تدعم بهذه الطائرات قوات الجيش الليبي الذي يقاتل المتشددين شرق البلاد. وأوضح أن قاعدة “الكاظم” كان بها بنية تحتية متواضعة جدا بداية العام الجاري، إلا أن الوضع هناك تغير منذ شهر مارس حيث رصدت مباني جديدة وإنشاءات جارية في حظيرة للطائرات، مضيفا أن العمل بهذه القاعدة بدأ بين شهري مارس ويونيو من العام الجاري.

وتعتبر القواعد العسكرية انتهاكا صريحا لسيادة الدول، لانها تمثل سيادة دولة اجنبية على اراضي دولة اخرى. الا اني لا اعتقد ان الجنرال حفتر على درجة من السداجة تنطوي عليه هذه الحقيقة، الا ان اطماعه وطموحاته من جهة، وعدئه للتيار الاسلامي السياسي من جهة اخرى، ربما يكونوا اسبابا في قبوله ان يلعب هذه الورقة التي قد تؤدي ـ بالاضافة الى ماضيه في حرب تشادـ الى حرقه في النهاية.

الوجود القطري والاماراتي في ليبيا يشكلان صراع نفود بينهما، لكن هذا الصراع يتم باستخدام ايادي ليبية على ارض ليبية، والضحية فيها المواطن الليبي التعس ومستقبل ليبيا. لذلك، فإن اي اصطفاف، تحت اي مشروع او في ضل اي تبريرات مع هاتين الدولتين، او اي دولة من دول المنطقة التي تلعب على وتر اذكاء حدة الصراع، يعتبر تواطؤ وخيانة للقضية الليبية.

إن الصراع الذي يجري على ارضنا الان لا يوجد فيها رابح، فكل المتصارعين خاسرين، ويستحيل ان اجد ما يقنعني بخلاف ذلك، واذ لم نعي خطر هذا الصراع، ونقف له بالمرصاد، فان خطره لن يتوقف في القريب العاجل، بل سيزداد تأججا، والوضع السوري ليس منا ببعيد.

والله من وراء القصد.

 

د. أحمد معيوف

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 47.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: عبد الله محمد 2017/06/28

    يا دكتور ملخص الحديث عن المتشابه والمختلف هو أن قطر تدعم جماعات الأسلام السياسي في ليبيا بالمال والسلاح والأعلام الموجة وأن من تدعمهم دولة الأمارات وراءها المملكة العربية السعودية هم أولئك المعترضين على سيطرة تيار الأسلام السياسي على مقاليد الحكم في ليبيا، وإذا نظرنا بوجه العموم نعلم أن نسبة 15 في المية فقط من الشعب الليبي صوتوا لمرشحي تيار الأسلام السياسي في انتخابات 2014 مما يرجح كفة رضا الليبيين على التدخل الأماراتي الذي يقدم دعم رسمي شبه معلن لحكومة البرلمان وجيشه الذي هو من عيين ورقي قائده كائن من كان! الدعم الأماراتي لجيش البرلمان لا تحفه السرية بدليل أن هذا التقرير ومثيلاته عن تيار الأسلام السياسي كلها ذكرت تفاصيل هذا الدعم نوع وعدد وتفصيل يبقى الغموض يحوم حول الدعم المادي والعسكري والأعلامي الذي ينصب على الجماعات المؤدلجة والميليشيات المنشرة التي تسيطر على مدن ومناطق الغرب الليبي وهي الأكثر والأقوى عدد وعدة وسلاح لا يخفى على أعين المارة في احياء العاصمة وغيرها من مدن الغرب والذي ظهرت نوعياته المتطوره وقدرته التدميرية الهائلة خلال الصراعات التي يتكرر حدوثها بين أطياف هذه الميليشيات للسيطرة على المواقع والمقار الحيوية وحقول النفط ولفرض الجزية على الشركات والتجار.

تعليق واحد