الأزمة الليبية الواقع والممكن مع مجيء غسان سلامة

بقلم:

لقد توالى مبعوثوا الأمم المتحدة تترى الى ليبيا، بعد الاطاحة بالنظام السابق، في محاولة لمتابعة الحالة الليبية التي تدرجت للأسف من السيء للأسوأ حتى الآن!، واذا كان دور كل من أيان مارثن وطارق متري قد اقتصر على متابعة عادية للشأن الليبي، وتواجدا فعليا ضمن بعثة الامم المتحدة في العاصمة طرابلس، فإن دور خليفيهما ليون وكوبلر، قد اختلف كثيرا واصبح دورا اساسيا ومباشرا، بعدما تطورت الازمة الليبية وحصل الانقسام السياسي، وكبرت فجوة الاختلاف بين الفرقاء الليبيين ، الى ان تقاتلوا فيما بينهم،  ولم تعد العاصمة آمنة فتعذر على البعثة الاممية التواجد في طرابلس مع منتصف العام 2014، واتخذت من تونس مقرا لها.

لقد لعب ليون دورا محوريا في تقريب وجهات نظر الخصوم، خلال مدة ولايته الى أن انضج إتفاق الصخيرات، الذي تم توقيعه في 17-12-2014 بالمغرب، ليأتي من بعده كوبلر مكملا لمسيرة الوفاق، غير ان الكثير من العراقيل والمصاعب واجهتهما، وواجهت تطبيق الاتفاق، وبالرغم من ممارسة الاجسام الثلاثة المنبثقة عن الاتفاق اعمالها، وهي مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي، الا انها تمارس في الحقيقة ادوارا منقوصة، فثلاثتهم يعتبرون مشلولون جزئيا لعدم حدوث توافق حقيقي كامل بين أعضائهم، بل وجود انقسام فعلي بين أعضاء كل من: مجلس النواب ومجلس الدولة وكذلك المجلس الرئاسي منفردين!، وهو السبب الحقيقي المباشر في تعثر جهود الوفاق الليبي، بالرغم من المحاولات الكثيرة التي قام بها ليون ومن بعده كوبلر وكذلك اطراف اخرى اقليمية ودولية طيلة عامين كاملين.

ان من أكثر العوامل التي نرى انها ساهمت في قرب نضج الازمة الليبية، هو عامل الوقت، فاستمرارها ودخولها العام السابع، اضحى يشكل ضغطا واضحا على كل الاطراف التي تأثرت فعليا بها، وخاصة أفراد الشعب الليبي الذي تأذى من تداعياتها كثيرا ووصل به الحال حد البؤس والمعاناة في معيشته البسيطة، وقد بدأ يعلن عن غضبه واستيائه على الاوضاع المتردية معيشيا بين حين وآخر، وهو ما يشكل ورقة ضغط قوية على أطراف الخصومة السياسية لحلحلة الموضوع وارغامهم على تقديم التنازلات على بعض من مطالبهم المتعنتة في السابق.

كما ان الوضع العسكري على الارض ايضا، أصبح يشكل الآن عاملا اساسيا في حسم الصراع وتوجيه البوصلة،  فقد تمكنت القوات المسلحة في المنطقة الشرقية من بسط سيطرتها الكاملة على بنغازي والهلال النفطي، وكذلك الوسط والجنوب، وهو ما يعد تغيرا واضحا على خارطة الصراع، ويقرّب من إيجاد صيغة تفاهم وتوافق بين الأطراف المتصارعة في ليبيا شرقا وغربا، أمام تفكك الطرف الآخر في المنطقة الغربية الذي اصابه الكثير من التفرق والتشتت، وهذا ما دفع بحفتر الى الاعلان عن فترة زمنية تنتهي مع نهاية هذا العام للأطراف السياسية المتصارعة لإنهاء الانقسام والتوصل الى وفاق سياسي شامل او أنه سيكون للحسم عسكريا مبررا ومدخلا!

وها هو المبعوث الجديد غسان سلامة، يأتي ليكمل مشوار سابقيه في بعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا، وبرغم وجود  التناقضات والعراقيل الا انه يمكن القول ان ارضية الوفاق الليبي، قد حدثت فيها تغيرات ايجابية وأن الظروف اصبحت اكثر مناسبة فيما يمكنّني تسميته بقرب نضوج الأزمة الليبية، وبلوغها مرحلة الانقلاب في منحنى التأثير، ميولا الى الجانب الايجابي، بعد ان ظلت تصعد سلبيا وباستمرار، قد يكون غسان اكثر حظا من سابقيه وفي زمن ولايته سيتم تحريك مسار الازمة الليبية الى الانفراج والدفع بالأمر خطوات معتبرة الى الامام نتيجة للأسباب والعوامل التي ذكرت اعلاه.

اذا يبدو ان غسان سلامة أكثر جظا من سابقيه، فقد جاء في وقت احسن بكثير مما مر به سابقوه، وان مكنة الانفراج وحل الازمة الليبية اصبحت قائمة بوضوح، وفي هذا الاطار يمكن ان يكون دوره منصبّا على نقاط الالتقاء بين الفرقاء، والضغط من اجل تفعيلها، ويتمثل ذلك في وضع خارطة طريق مرحلية تبدأ بتغيير تشكيلة المجلس الرئاسي الحالية الى ثلاثية مناطقيّة، وفصل مجلس الوزراء عن الرئاسي بحكومة ازمة مصغرة، وتعديل او الغاء المادة الثامنة من الاتفاق السياسي ، والتفاهم على وضعية المواقع السيادية مثل القيادة العامة للجيش والمصرف المركزي ومؤسسة النفط وشركة الاستثمارات وغيرها.

 

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 172.