شباب الجزائر يعمق جراح القطاع الزراعي

القطاع الفلاحي يعاني من أزمة نقص العمالة بسبب عزوف الشباب عن العمل فيه (رويترز)

وكالات

في ضيعة ورثها عن والده الحاج عمر يواجه الفلاح الجزائري عيسى مرواني يوميا متاعب كبيرة مع مشكلة ندرة الأيدي العاملة من أجل رعاية مساحات كبيرة مغروسة بالخضار المتنوعة، مثل الطماطم والبطاطا والفاصوليا الخضراء.

وبكلمات يملؤها الأسى والحسرة لما وصل إليه حال قطاع الفلاحة في الجزائر قال مرواني للجزيرة نت إن “أصحاب المشاريع الفلاحية يواجهون مشكلا حقيقيا في العثور على يد عاملة، خاصة الشباب”، ولفت إلى أن “الشباب اليوم يستنكفون عن العمل بالفلاحة رغم ما يعانيه من بطالة”.

ويشير مرواني إلى أن الخناق يشتد على المستثمرين الفلاحين أكثر في فترة جني المحاصيل، إذ يضطر أغلبهم إلى الاستنجاد بأفراد أسرهم ومعارفهم لعملية الحصاد، مما يتسبب في كثير من الحالات في تأخر جني المحصول، وتعرضه للتلف في بعض الأحيان، مؤكدا أن “الفلاحة الآن باتت مهنة عائلية”.

مفارقة غريبة
وفي مفارقة غريبة، فإن في الوقت الذي يعاني فيها الفلاحون من نقص العمالة فإن الشباب الجزائريين يشتكون من بطالة خانقة دفعت بالمئات منهم إلى القيام باحتجاجات واسعة للمطالبة بوظائف، ولا سيما في مناطق الصحراء.

ويقول أستاذ الاقتصاد في معهد العلوم الاقتصادية بجامعة عين تموشنت كمال سي محمد إن نسبة البطالة لدى الشباب ما بين 16 و24 عاما تقترب من 30%، وهي إحصائيات يقول إنها “رسمية نقلها عن الديوان الوطني للإحصاء”.

ويشير أحدث تقرير لمركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية -وهو مؤسسة حكومية- شمل نحو ألفي شاب وشابة إلى أن ثلث الشباب الجزائريين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 تركوا مقاعد الدراسة ولم ينخرطوا في سوق العمل، مما يعني أن نحو 3.5 ملايين شاب وشابة من مجموع 11 مليونا خارج الدراسة وسوق العمل.

أجور زهيدة
بالمقابل، يبرر أغلبية الشباب عدم توجههم إلى قطاع الفلاحة بالأجور الزهيدة وغياب التأمين الصحي، إلى جانب كون النشاط الفلاحي موسميا إذ لا يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر في أغلب الأحيان، لذلك فهم يبحثون عن عمل دائم يضمن لهم تأمينا صحيا.

ورغم سعي الحكومة للنهوض بالقطاع وتحقيق الأمن الغذائي بإطلاق مخططات آخرها المخطط الوطني للزراعة والتنمية الريفية في العام 2000 بهدف تجاوز معضلة اعتماد البلاد على العائدات النفطية بنسبة 96% فإن القطاع الفلاحي لم يحقق الهدف المنشود ولا يزال يراوح مكانه بسبب مشاكل وعقبات، أهمها أزمة اليد العاملة.

ولفت الخبير الزراعي عيسى منصور إلى أن “قطاع الفلاحة كان يشغل في الماضي القريب نحو مليونين ونصف مليون شخص”.

وبين منصور للجزيرة نت أن القطاع يعيش أزمة عمالة صامتة، فالفلاحة لم تعد تستهوي اليد العاملة التي هجرت الضيعات، وبالتالي فإن مشاكل الفلاحين التي كانت تقنية بحتة تحولت إلى أزمة عمالة بالدرجة الأولى.

شيخوخة المهنة
ورصد منصور عدة أسباب وراء ظاهرة عزوف الشباب الجزائريين عن خدمة الأرض، أهمها آليات التشغيل التي تنتهجها السلطات، خاصة جهاز تشغيل الشباب المعروف بـ”أونساج”، وكذلك الصندوق الوطني للتأمين على البطالة المعروف اختصارا بـ”كناك”.

ويضيف الخبير الزراعي أن الشباب يتهافتون على المشاريع المريحة التي تدر أرباحا بعيدا عن مشاق خدمة الأرض “فهم يفضلون مثلا الحصول على قرض وشراء شاحنة والعمل ناقلين”.

ويقول إن “ظاهرة هجرة الفلاحة من قبل الشباب ساهمت في شيخوخة المهنة، ومما زاد من حدة الأمر نقص المكننة التي بإمكانها أن تعوض نقص اليد العاملة”.

وفي ظل هذا الوضع أوضح عيسى أن الفلاحين يواجهون مشاكل كبيرة في غرس وجني محاصيلهم، فهم غالبا ما يلجؤون إلى بيع منتوجاتهم مبكرا حتى قبل جنيها لأناس خارج القطاع للتخلص من مشكلة العمالة، مما ينعكس سلبا على أسعارها بفعل تعدد الوسطاء.