وقف موظفي الدولة احتياطيا عن العمل من قبل الأجهزة الرقابية ودوره في الحد من الفساد

بقلم:

في خطوة شجاعة نحو إنفاذ القانون وفرض سيادته قامت الأجهزة الرقابية في بلادنا ممثلة بهيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة بوقف العديد من المسؤولين بشكل احتياطي لدواعي المصلحة العامة لشبهات فساد ولمصلحة التحقيق، ولجلاء الغموض عن قرار الوقف الاحتياطي عن العمل وأسبابه وأهدافه ونطاقه سنبين ذلك باختصار.

يعرف الفقه القانوني الإداري الوقف الاحتياطي بأنه منعٌ للموظف العام  عن ممارسة أعمال وظيفته جبرا عنه بصفة مؤقتة مع احتفاظه بصلته الوظيفية.

فهو إجراء احترازي وتحفظي أوجبه المشرع بنصٍ صريحٍ ولضروراتٍ معينة، ولا يمكن اعتباره عقوبةً تأديبيةً؛ فهو لا يمس بالمركز القانوني للموظف، ثم إن العقوبات التأديبية ترد على سبيل الحصر في القانون وفقا لمبدأ لا عقوبة إلا بنص. وبالتالي  يحق للموظف أن يتقاضى مرتبه كاملا أو جزء منه.

إلا أن الموظف الذي يوقف احتياطيا يمنع فقط من مباشرة مهامه واختصاصاته الوظيفية، فبعض التشريعات العربية تطلق على هذا الإجراء كف يد الموظف عن أعمال وظيفته، لأن استمراره في أداء أعمال وظيفته قد يؤدي إلى العبث بالأدلة أو إخفاءها أو  تغيير شهادة الشهود بالتأثير عليهم، وقد يكون إبعاده عن المرفق العام ضرورة لا مفر منها لحفظ هيبة الدولة ومكانة هذا المرفق العام، خصوصا إذا تعلقت التهم بجرائم ماسة بالأخلاق والآداب العامة، فهو إذا لمصلحة التحقيق سواء أكان هذا التحقيق إداريا أو جنائيا.

فالرقابة الإدارية “تهدف – حسب ما ورد في المادة (24) من القانون رقم (20) لسنة 2013 بإنشاء هيئة الرقابة الادارية – إلى تحقيق رقابة إدارية فعالة على الأجهزة التنفيذية في الدولة ومتابعة أعمالها للتأكيد من مدى تحقيقها لمسئولياتها وأدائها لواجباتها في مجالات اختصاصاتها وتنفيذها للقوانين واللوائح، ومن أن العاملين بها يستهدفون في أداء أعمالهم خدمة المواطن…”.

وقد منحت المادة (32) من القانون رقم (20) لسنة 2013 بإنشاء هيئة الرقابة الادارية صراحة إمكانية وقف الموظف العام احتياطيا عن عمله من قبل هيئة الرقابة الإدارية، حيث نصت على أن “لعضو الرقابة بالهيئة وعضو التحقيق بها طلب إيقاف الموظف عن عمله احتياطيا…”، وحددت ذات المادة شروطا وجب التقيد بها كتحديد مدة الوقف الاحتياطي بألا تزيد عن ثلاثة أشهر، و أن تكون هناك مبررات قوية تدعو لاتخاذ هذا الإجراء سواء لمقتضيات المصلحة العامة وبمعنى أدق لمصلحة التحقيق،  وأن يصدر قرار الايقاف من رئيس الهيئة أو من يفوضه.

فقرار الوقف الاحتياطي عن العمل من القرارات الإدارية المؤقتة، فهو لا ينشئ حقوقا ولا يخل بمركز قانوني لمن صدر في حقه، فالطابع المؤقت لهذه القرارات يقضي بانتهائها، لهذا فهي لا تتمتع بالحماية القانونية الممنوحة للقرارات الإدارية الفردية المنشئة للحقوق أو التي تغير في المركز القانوني للموظف،  فلا يتأتى المطالبة بوقفها وليست محلا للطعن بإلغاءها أمام القضاء الإداري.

أما عن نطاق أوحدود الأجهزة الرقابية باعتبارها أجهزة رقابية مستقلة في إصداره، ونحن قد لمسنا في الواقع التطبيقي قيام هيئة الرقابة الإدارية في طرابلس بوقف وكيل وزارة التعليم احتياطيا عن عمله، وقامت هيئة الرقابة الإدارية بالبيضاء بوقف رئيس ونائب رئيس هيئة مكافحة الفساد عن عمله احتياطيا لدواعي المصلحة العامة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل بإمكان هذه الأجهزة الرقابية وقف الوزراء والوكلاء والنواب في مجلس النواب ونظرائهم من رؤساء ووكلاء الهيئات الأجهزة الرقابية وأعضاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية احتياطيا عن العمل في حال تبين لها وجود شبهات فساد وضرورة قصوى تقضي بوقفهم احتياطيا عن العمل؟

فيما يتعلق بالتحقيق الجنائي فتحريك الدعوى الجنائية مكفول حصرا بالنائب العام، مع مراعاة الإجراءات الشكلية المتعلقة برقع الحصانة المؤقتة عنهم.

إلا أن التحقيق الإداري أو الدعوى التأديبية – في من ذكر أعلاه – وإيقاع العقوبة التأديبية بشأنهم مرتبط بالسلطة التي يتبعها تماشيا مع الاستقلالية والفصل بين السلطات، فإن كانت السلطة التي يتبعها هي السلطة القضائية فالاختصاص معقود للمجلس الأعلى للقضاء وفق ما نص عليه القانون رقم 6 لسنة 2006م  بشأن نظام القضاء وتعديلاته، وإن كانت التبعية للسلطة التشريعية كما هو الحال في الأجهزة الرقابية وبعض الهيئات الأخرى فلجان التحقيق البرلماني هي المختصة بالتحقيق معهم وفق الشكلية الإجرائية المنصوص عليها، وتختص هيئة الرقابة الإدارية بالتحقيق الإداري مع موظفي الدولة العموميون  من  الجهات التي نص القانون أنهم خاضعون لرقابتها من أجهزة السلطة التنفيذية وموظفي بقية السلطات مالم يستثنى بنص خاص.

د. مجدي الشبعاني‎

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 11.