ليبيا الحبيبة ومعركة السلطة الرابعة

بقلم:

أعتقد أني تريث بعض الشيء في التعقيب على ما نشر من مقالات وكتابات ورؤى وأفكار للعديد من الأقلام التي تناولت مجريات الأحداث وأهتمت بقضايا الوطن بالإثارة والتحليل والنقذ والإثراء والرفض والإستهجان في ظل فوضى عارمة نالت من سلامة العملية السياسية في البلاد جراء الغدر بالديمقراطية وعرقلة الحياة السياسية من خلال مؤامرة الصخيرات المفضوحة ومخرجات الإتفاق السياسي المشبوه للقوى السياسية التي عبرت عن إستخفافها بإرادة الشعب وعن نواياها في إحتكار السلطة لتكريس حكم الإستبداد والظلم والطغيان.

فعدم وجود إرادة وطنية سياسية صادقة وعدم توافر أي التزام أدبي بأخلاقيات العمل السياسي وبميثاق شرف المهنة وأمانة أدائها باخلاص بسبب إنتشار ثقافة الفساد والضلال  وزيادة حدة تاثيراتها السلبية على حياة الفرد و المجتمع .ولعل هذا كان لإفساح بعض الوقت للتفكير قبل الكلام والرد على هذا العبث والعهر السياسي وهذا التخاذل والتهاون في الإنحياز للقضايا المصيرية والعادلة للوطن والشعب وهذا السقوط في مستنقع الرذيلة والخيانة العظمى للقيم و للمبادئ وللوطن والشعب .ولأني أحب أمتي وديني ووطني وشعبي وأعشق الثورة وهزيمة الطغاة والظلم والطغيان في الأرض فأنا لا أحمل في قلبي أي حقد أو غل على أحد من الليبيين ولا أسعى لخراب وطني ولست تبعا لأحد ولن أكون يوما من أنصار الظالمين .وبقدر ذلك الحب والعشق كله والنوايا الطيبة والارادة الصادقة بالانجياز لنصرة القضايا العادلة للشعب والوطن فاني أرفض الظلم والطغيان والدجل والنفاق والخداع والتضليل والضحك على البسطاء والمساكين من أبناء وطني. وأرفض أن تسرق إنتفاضتهم البريئة ويجني ثمارها العابثون والسفلة والمتسلقون الذين لا يملكون أي إيمان بالثورة ولا فهم لهم ولا إدراك بمعانيها الخالدة ورسالتها الإنسانية النبيلة في هذا الوجود..

أنا لا أسعى للإستحواذ على منصب وسلطة ولا لسرقة ونهب أموال الشعب ولا أسعى لإثارة الفتنة بين الليبيين وسفك دمائهم وإنتهاك حرماتهم. وإستباحة أعراضهم. ولا أسعى لتشكيل مليشيا ولا لتأسيس حزب لفرض شروطي وأرائي السياسية على أحد بقدر ما أدافع بإيمان وبروح وطنية تسكن وجداني وبضمير حي وحب قوي للوطن وأهله  سلاحي الكلمة والقلم ومنهجي سلمي حضاري ووسيلتي لغة العقل والفكروالعلم والمنطق وبالحجة والبرهان  أواصل نضالي ودفاعي عن الحق وأحقيته في هذا الوجود وعن القيم والمثل الإنسانية النبيلة  وعن طموحات شعب أراد الحياة وعن حق شرعي مقدس عادل لشعبي الليبي الكريم في إمتلاك وطنه وفي التمتع بثرواته وخيراته وعن مطلب عادل يقضي بفصل المال عن السياسة وتحريره من هيمنة القوى السياسية..  فالمال للشعب وليس للدولة إن كنتم بالحق مؤمنين ومع الله صادقين وللشعب وللوطن أوفياء مخلصين… فالقضية التي تهمني في هذا التعقيب ليست فقط كشف الحقيقة لليبيين وفضح هذا العهر السياسي والتأمر على الوطن وعلى الشعب وإنتفاضته البريئة وليست قضية إختلاف السياسات والأهداف والتوجهات السياسية للأحزاب ورموزها التي ظهرت على المسرح السياسي دون شرعية لها في ظل عدم وجود قانون ينظم عملها ورقابة على نشاطها ودون إلتزام منهم بأدنى معايير تأسيسها..

القضية ليست تباعد الأهداف وإختلاف الغايات لهذه النخب والقلة المتصارعة الساعية للإستحواذ على السلطة واحتكارها فحسب.. بل هي قضية إنتصار الشعب الليبي للقيم النبيلة التي أنتفض لأجلها قضية ثورة حقيقية واعية رشيدة حرّة تؤمن بالتغيير نحو الأفضل وتحرض على صناعة تاريخ جديد وعهد جديد ونظام جديد من غير تدخّل خارجي. هذه هي القضية التي تهمني وتهم الليبيين اليوم أكثر من أي وقت مضى. فإستمرار بقاء المتصدرين للمشهد الليبي من قوى سياسية ومليشياوية ونخب وأفراد أسرى لثقافاتهم البالية، ثقافة العلو في الأرض وظلم العباد والفساد في الأرض ثقافة الإنحياز الأحمق للمصلحة الشخصية والمأرب الحزبية القزمية.. أسرى لثقافة إحتكار السلطة والتقليد الأعمى والتبعية للأجنبي والإستقواء به على أبناء شعب ووطن جريح لم يتحرر من الوصاية بعد.. إن استمرار كل هذه المهازل والجرائم الحقيرة في حق الوطن يدق ناقوس الخطر المحدق بنا وطناً وشعباً وصار من أهم القضايا التي تشكل تهديدا مباشرا للحياة السياسية والإجتماعية في ليبيا اليوم.

ولذا أقول بكل شفافية وصدق ومصداقية يجب على الأخيار من الليبيين والشرفاء من أبناء ليبيا هذا الوطن الحزين في كل المدن والأرياف والقرى إدراك حجم خطورة هذه القضية وعليهم واجب تسخير كل ما يملكون لمواجهة هذا الخطر وما يحمله من مهازل وضرورة علاج هذه القضية في أقرب الأجال وقبل فوات الأوان ..فقد صار وطننا قاب قوسين أو أدنى فريسة للأطماع الدولية الاستعمارية في ظل هيمنة اللصوص و العصابات المليشياوية على المشهد السياسي وفي ظل إنعدام الإحساس بالمسؤولية التاريخية وهذه الأوضاع المتردية والمزرية والمهينة للشعب والوطن ..القضية التي تهمني في هذا التعقيب تعني بكل شفافية دعوة الليبيين للصحوة ولثورة تصحيح المسار فعليهم  إدراك حجم المخاطر التي تحيط بهم من كل جانب والإستعداد لحسم أمرهم دون تردداً أو تأخيراً وذلك بالإنحياز الكامل للوطن ولقضاياه العادلة في هذا الوجود فلم يعد هناك من وقت ليضيع من عمر الليبيين ولم تعد هناك حاجة لمزيداً من المعاناة والأحزان والبؤس للفقراء من الليبيين والمحرومين من ثروات وخيرات وطنهم التي يسرقها لصوص الديمقراطية أعداء الوطن والدين صباح كل يوم..

إن أشد.ما يحزنني هو إستمرار مهازل هذا العبث والعهر السياسي بسبب أطماع حفنة وحثالة من المرضى والمجرمين.. أشد ما يحزنني ويحزن كل الشرفاء من أبناء وطني هو تواصل مسلسل التأمر وضياع الوطن وإستمرار الخداع والنفاق والتضليل السياسي ولقد دعوت مراراً وتكرار عبر وسائل الاعلام وناديت بصدق وشجاعة أدبية وعن رؤية ثاقبة للأحداث على ضرورة وجود ثقافة بديلة تقودنا لحاضر أفضل وغد مشرق ولتحقيق مستقبل زاهراً للأجيال .دعوت القوى السياسية للإلتزام بميثاق شرف المهنة وبإحترام قواعد الديمقراطية كطريق اختاره الليبيون لتأسيس دولة سيادة القانون وإرساء دعائم نظام حكم عادل رشيد  يجسد إنتصار العدالة الاجتماعية كمطلب عادل لكل الليبيين. دعوتهم لفصل المال عن السياسة لذرء المفسدة عن الحياة السياسية ولنعيش جميعا دون إقصاء لأحد في الله أخوة متحابين شركاء في الوطن نملك ثرواته وننعم بخيراته ونصنع التقدم والرخاء لبلادنا والحياة الكريمة للأجيال من بعدنا. ولا زلت داعياً لهذا الخير ولكن هل سمع هؤلاء دعواتي وندءاتي.. وهل من مستمع و ناصراً لثورة حقيقية ولقضايا عادلة وأهداف إنسانية نبيلة؟

فهذه المعاناة وهذا الحزن الشديد الذي أكابد الامه وعدم الاستجابة لدعواتي الصادقة الجريئة والمتكررة من أجل الاصلاح وتحقيق كرامة ليبيا وحرية الليبيين منذ 2013م يذكرني بقول المولى عز وجل (بسم الله الرحمن الرحيم… وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. صدق الله العظيم)  فالحقيقة المثيرة في هذه الايات الكريمة هي أن الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي ، لأن لها إلهاماً تتفصى به عن المهالك كالتردي من الجبال والسقوط في الهوّات ولأن الأنعام قد خلق إدراكها محدوداً لا يتجاوز ما خلقت لأجله ، فنقصان إنتفاعها بمشاعرها ليس عن تقصير منها ، فلا تكون بمحل الملامة ، أما من تصدروا المشهد في ليبيا بيننا اليوم يمارسون الدجل والتدجيل والخداع والتضليل فإنهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم ، بإعراض منهم عن النظر الى الحق والى ما أرتكبوه من حماقات وجرائم دنيئة في حق الوطن و الشعب صاحب الأرض والمالك الشرعي لثرواتها وبإعراض منهم عن النظر الى واقع ليبيا المؤلم المعاش ومعاناة شعبهم .فهم أقرب بأن يكونوا بإعراضهم هذا عن الحق بالأضل سبيلاً من الأنعام .. لأنهم تمادوا في ظلمهم للعباد وللبلاد وتناسوا ماضيهم القريب ولم يعتبروا من نهاية الطغاة والظالمين في الأرض.فهم الغافلون حقا وإن لم يستفيقوا من سباتهم اللعين هذا وغفلتهم المميتة هذه  فإن نهايتهم ستكون على يد الله رب العالمين  ومصيرهم هو الخسران المبين فضلالهم هذا لن يقودهم إلا الى سوء العاقبة.

والغفلة التي أحاطت بهم هي عدم الشعور بما يحق الشعور به نحو نصرة الحق والقضايا العادلة.. عدم الشعور بما يحق الشعور به تجاه الوطن والشعب صاحب الحق والأرض والمالط الشرعي لثرواتها.. فهل يشعر هؤلاء الساسة المتصدرون للمشهد الليبي اليوم بحجم الأخطار التي تهدد ليبيا وطننا وتستهدف كيان مجتمعنا ووجودنا وإستقلال وطننا في ظل عهرهم السياسي ومؤامرتهم الدنيئة ضد الديمقراطية وضد إرادة الشعب الليبي؟ هل سيطول بقاء المتصدرون أسرى لثقافاتهم المليشاوية الظالمة ولمفاهيمهم البالية ولأطماعهم الجشعة وتأمرهم الدنيء ضد الوطن؟ هل يشعر أشباه الساسة والرجال الذين تصدروا المشاهد بإنهم يسيرون بالوطن الى الهاوية وإن الاسواء قادم إليهم لا محالة إن لم يهتدوا ويتراجعوا عن أطماعهم وشرورأعمالهم وضلالهم المبين؟ أتسأل ويتسأل معي الليبيون البسطاء الأبرياء الطيبون الصادقون والمخلصون…ولكني أقول اليوم لكل هؤلاء إن جرائم مهانة وإذلال وظلم شعبنا وسرقة إنتفاضته البريئة ونهب ثرواته وخيراته لن تمر على المجرمين بسلام وإنهم ملاقون ربهم يوم الحساب.. هذا ما أقول.. وسيبقى المغيّبون عن الواقع المعاش لليبيا اليوم والخاضعون لسياسة الأمرالوقع وما هو متداول اليوم، والمستأنسون بإعادة إنتاج وتداول الثقافات البالية والحالمون الطامعون بسذاجتهم وبعهرهم وغبائهم السياسي ببقاء الشعب الليبي بعد كل هذه التضحيات أسيراً للقواعد والعلاقات الظالمة ولإستبداد  الدولة..واهمون وخاسرون.

فالثورة لا تنتهي إلا بتحقيق أهدافها لأنها حق مشروع للانسانية في هذا الوجود وعندما يواجه الشعب الظلم والإستبداد والدجل والخداع والتضليل فلا يجد أمامه إلا الثورة لصنع التغيير.. فالثورة كانت دائما لمن صدق ولم تكن في يوم من الأيام ولن تكون  لمن سبق يا من تصدرتم المشاهد باسم الثورة وباسم الدين.ولذا فإن الدعوة لتحرير الإسلام من التوظيف الإيديولوجي وتحييده عن مجال الصراع السياسي على السلطة، أصبحت مطلب شعبي عادل وإستحقاق وطني عاجل لأن الزج بالاسلام في المعترك السياسي بهدف الوصول الى السلطة يعد من مخلفات العهود البائدة والثقافات المريضة  والظالمة التي تجعل من الدين مطية لغرض دنيوي خسيس وخلاصة للقول فإنّ معركة تحرير البلاد من الظلم والإستبداد لن تنتصر ما لم تكن مسبوقة بتحرير العقول لبناء نفسيّات قابلة للتغيير. فالثورة قبل أن تكون تغييراً اجتماعيّاً هي تغيير في نفسيّة الفرد، وحتّى نصل إلى تغيير ما بأنفسنا ليس أمامنا إلا خوض معركة السلطة الرابعة بطرح المفاهيم الصحيحة للديمقراطية كونها وسيلة لتحقيق غاية وهدف نبيل للحياة الانسانية. معركة السلطة الرابعة لإظهار الحقيقة للشعب ولقواه السياسية وحامل لواء الديمقراطية لا يحمل السلاح.. معركة السلطة الرابعة لخلق وعي ساسي وثقافي لدى فئات الشعب ومكوناته الإجتماعية وهزيمة أبواق الفتنة بين الليبيين والخداع والتضليل وإسكات وسائل إعلام المرضى الحالمون والطامعون بالسيادة على الشعب وعلى ثروات وطنه وبالإستيلاء عليها باسم الديمقراطية المزورة وبإعادة تكريس النظام المستبد المضلِّل وإرساء قواعد دولة الظلم والطاغوت وفرض الهيمنة على الشعب والوطن.

ختاما لتعقيبي هذا فانني أحرض كل الشرفاء الأخيار من أبناء ليبيا الحبيبة وبكل قوة على ضرورة أخذ زمام المبادرة بالمشاركة في خوض معركة السلطة الرابعة.. معركة الثورة الثقافية لخلق الوعي بين الناس وإستنهاض الهمم لدي مكونات الشعب الليبي الإجتماعية والثقافية والسياسية  للإنحياز وللنضال من أجل انتصار قضاياهم العادلة في هذا الوجود والتي تأتي في مقدمتها  قضية العدالة الإجتماعية وتحرير ثروات وطنهم وأموالهم من سيطرة وهيمنة القلة بمؤسسة الدولة .وهذه دعوة ضمنية لكل ليبي حر شريف لرفض ما جاء في الباب التاسع من الدستور والمطالبة برفع صلاحيات السلطة السياسية عن أموال الشعب لكي يمتلك الليبيون وطنهم وثرواته وخيراته دون منة ولا فضل من أحد غير الله الواحد الديان الذي رزقهم هذه الخيرات والثروات والنعم .  أما دعوتي للقوى السياسية باختلاف مرجعياتها فهي دعوة عاجلة لهم  لتحرير عقولهم من الثقافات البالية ثقافات الفساد والضلال والعلو في الأرض بغير الحق وما نهاية الطغاة عنهم ببعيد وعليهم تطهير أنفسهم من كل الأحقاد والضغائن ومن كل ما يجعلها خاضعة ومستسلمةً وقابلة للتبعية والهيمنة والوصاية الفكرية والسياسية وبعيداً عن منطق الأوصياء ومرضى الأيديولوجيات قبل فوات الأوان، وعلى الليبيين  خوض غمار ثورة ثقافية لخلق ثقافة بديلة وهذا  واجب تتحمل القوى الوطنية الواعية من كتاب وصحفيين وإعلاميين مسؤولية أدائه بالعمل على بناء سلطة رابعة حرّة مهمّتها أداء دورها الحضاري تجاه الوطن والشعب وقضاياه العادلة  من أجل إيجاد واقع جديد لحياتنا وحياة مجتمعنا وعهد جديد ونظام جديد تسوده القيم الدينية الحميدة والمثل الانسانية النبيلة للعدالة الاجتماعية والديمقراطية.

حسني ناجي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 5.