هل نحن جاهزون لدستور دائم

بقلم:

لا شك أن أي شعب مهما كان تخلفه وتردئ أوضاعه يطمح إلى وجود عقد إجتماعي محترم من الجميع ينظم حياته السياسية والإجتماعية والإقتصادية، ولقد مرت شعوب كثيرة بأسوى مما نحن فيه ثم إنتظمت شئونها تحت دستور يفصل بين السلطات في هياكل الدولة. وبناء على ذلك كانت خطة الأمم المتحدة الحالية بأن يتم حل المشكلة الليبية على ثلاث مراحل أولها تعديل الإتفاق السياسي الذي ينتج عنه توحيد مؤسسات الدولة ثم الإستفتاء على الدستور ثم الذهاب إلى إنتخابات رئاسية وتشريعية، وهو طريق ملئ بالعوائق والعراقيل الناتجة عن المستفيذين من الفوضى الحالية.

من الناحية التاريخية لم يقوم الليبيون يوما بكتابة دستور، فدستور 1919 كتبه الإيطاليون وألبسوه زورا وبهتانا لليبيين بمساعدة المتأمرين معهم من الوطنيين، ودستور 1951م كتبته هيئة الأمم المتحدة ولم يكن لليبيين مشاركة، وبعد الإستقلال قام الملك والحاشية التي معه بتعطيل جزء كبير من الدستور والذي يتعلق بالإحزاب والإنتخابات، ورغم أنه دستور متطور بمقاييس ذلك الوقت إلا أنه ساء تنفيذه في عدة مجالات منها غياب المواطنة الفعلية والبقاء على الجهوية والقبلية، وعدم الإلتزام بالمواثيق الدولية، وإنتشار الفساد وعدم وجود محاسبة فعلية.

لن أتحدث عن الإعلان الدستوري في زمن القذافي الصادر في ديسمبر 1969 والمنتهي في 2 مارس 1977، فهو إعلان إقصائي وضع جميع السلطات في يد مجلس قيادة الثورة ولم يتم الإلتزام به، حيث أصبحت خطابات القذافي المصدر الدائم للتشريع خلال أربعة عقود لاحقة، وحتى الوثيقة الخضراء ماهي إلا للدعاية والبهرجة الإعلامية لا غير.

أما الإعلان الدستوري في سنة 2011 فهو لا يعدوا أن يكون خارطة طريق للعبور إلى تكوين الدولة ومنها الدستور الدائم، ولقد ثم الإعتداء عليه عدة مرات بالتعديل المخل، منها تعديل المواد الخاصة بلجنة الستين تحت الحصار الفيدرالي وقعقعة السلاح عند الوادي الأحمر، ناهيك عن مبداء التوافق الذي تم إغتياله من لجنة المؤتمر.

من ذلك نرى أن الشعب الليبي لم يتم إستفاءه على دستور شارك في وضعه، وهذا يضع أسئلة في غاية الأهمية، منها: في وضع التشظي الحالي هل الليبيون وصلوا إلى مرحلة النضج لإستقبال مولود جديد يسمى الدستور؟، وهل الدستور هو البلسم الذي يرتجى منه جلاء كل الأسقام والعلل للدولة الليبية؟ وأخيرا ماذا لو تم الإستفتاء على الدستور ولم يتم إحترامه؟

هناك خطاء جوهري من الذين يتحمسون لإصدار الدستور بأي ثمن في زمن التشظي والحرب الأهلية، زاعمين أن ذلك سينهى المرحلة الإنتقالية، حقيقة الأمر أن الدستور يعمل على تحديد أدوار ومسئوليات وواجبات الفسيفساء المتناغمة لأي شعب، ولكنه لا يستطيع لحام الفسيفساء المتشظية، وتناغم الفسيفساء أعني بها قبول الآخر ضمن الأمة الليبية الواحدة، أو ما يسمى بالهوية الليبية وهو ما يحتاج إلى تغيير ثقافي كبير كنا نأمل أن يتحقق بعد ثورة 17 فبراير المباركة. صناعة دستور لشعب متشظي لا يصنع السلام والوئام والنظام، فمثلا ألغى السيسي دستور الرئيس مرسي في مصر بجرة قلم، وألغي حفتر الإعلان الدستوري في بيان متلفز، ناهيك عن دساتير كثيرة بادت قبل أن ترى النور.

الدستور الليبي المعدل بنسخته الأخيرة الصادرة في 29 يوليو 2017 م وما قبلها في 16 أبريل لهما مزالق مشابهة، سوى أن الأخيرة قامت بتعديل عدد أعضاء مجلس الشيوخ من عشرين لكل إقليم إلى 32 للغرب و26 للشرق و20 للجنوب الليبي ليزداد عدد مجلس الشيوخ إلى 78 مقعدا، مع بعض التغييرات البسيطة في النص، أزالت عتب المقاطعين وجعلتهم يوافقون على صدورها، ونسوا أو تناسوا إشكالية المواطنة.

المشكلة الأساسية في هذا الدستور مسألة المواطنة التي ينص عليها الدستور بنسختيه (المادة 7 والمادة 40) وما قبل ذلك في دستور 1951م، “بأن المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه، لا تمييز بينهم) وأن (حق التصويت يتساوى فيها المواطنون…). بالرغم من هذه النصوص تغتال المواطنة في عدة مواضع منها المادة الأولى التي تتحدث عن الأقاليم “لا يجوز التنازل …وعن الجزء من أقاليمها” فهي ليست فيدرالية في نظامها ولكنها تتضمن أقاليم منفصلة. كما نجد توزيع مجلس الشيوخ حسب الأقاليم (المادة 75) وبنسب بعيدة عن المواطنة (المساوات في الحقوق والواجبات، ومنها المساواة في حق التصويت وإحتسابه)، كما أن المعيار الجغرافي بارز في الدستور وهو أسلوب آخر لترسيخ فكرة الأقاليم، فنجد في المادة 68 والمادة 100 مراعات المعيار/التوزيع الجغرافي، والمعيار الجغرافي سيتم تحديده بقانون فهي مشكلة مؤجلة قد لا يتم الإتفاق حولها مستقبلا أو تكون موضع شد ورد لسنوات قادمة.

التعديل الجديد لمجلس الشيوخ سيجعل الغرب الليبي المكتض بالسكان أقل تمثيلا بكثير من الشرق والجنوب، فثمانية مواطنين من الغرب الليبي لا يساوي صوتهم أمام مجلس الشيوخ صوت واحد من الجنوب، والأدهى من ذلك أن الأمازيغ سيكونون الحلقة الأضعف بتثبيث عدد مقاعدهم بإثنين يتيمين وزيادة عدد مقاعد مجلس الشيوخ من ستين إلى ثمانية وسبعين مقعد، وهو ما يقل كثيرا عن نظرائهم التبو والطوارق في الجنوب، أي تمرير التوافق على حساب مكون إجتماعي أصيل، ألا وهم الأمازيغ إن لم يتم زيادة عدد مقاعدهم إلى أربعة.

وجود الأقاليم الثلاث يفتح الباب على مصرعيه لإنشاء أقاليم أخرى، فبرقة البيضاء ستنفصل عن برقة الحمراء (وشاهدنا ذلك في صراع حفتر مع جظران) والمنطقة الوسطى ستطالب بإقليم لها والجنوب الشرقي لا علاقة له ولا طريق يؤدي به إلى الجنوب الغربي، والتبو والطوارق والأمازيغ لهم أرض وموارد تصلح لأن تكون أقاليم وهكذا لا تنتهي القصة  إلا بقبائل متناحرة وكنتونات صغيرة لا تختلف عن حال العرب في جزيرة العرب قبل الإسلام.

الجدير بالذكر أن المناداة بإنشاء إقليم برقة ليس سببه إختلافا عرقيا أو دينيا أو مذهبيا أولغويا عن الكثير من الليبيين في الغرب والجنوب الليبي ولكنها مشكلة إقتصادية يتم إستغلال التاريخ لترويج حلول لها، أي إستغلال وجود برقة التاريخية، وسنوات الجمر لأربعة عقود سابقة من تهميش الجميع، لرفع سقف المطالب من الفيدراليين إما لقيام نظام فيدرالي يستغل موارد المنطقة لصالح العدد القليل من السكان أو تركيع مؤسسات الدولة لتقديم تنازلات وأفضلية لجماعات سكانية دون غيرها؛ وأعني بها ما يسمى إقليم برقة تاريخيا. من الناحية السكانية لا يوجد هناك فرق بين قبائل القطعان في طبرق والمغاربة غرب بنغازي والرجبان أو المحاميد في الغرب الليبي ولا المقارحة في الجنوب، فجميعها قبائل أصولها من بني سليم سكنت مناطق مختلفة من ليبيا.

عندما نتحدث عن تأثير مفهوم المواطنة والنضج الفكري لمسالة الهوية الليبية الجامعة على الدستور نعني بها أن الجميع قد يختلف بعضه عن بعض جغرافيا وعرقيا ولغويا ودينيا، ولكنهم يعترفون جميعا بحق كل منهم في الإختلاف تحث مظلة مساواة كاملة للجميع، ولا تهضم فئة حق فئة أخرى، وينتهي معها الإرتماء والتبعية للخارج، وهنا تتجسد الهوية الليبية التي تحتاج إلى دستور ينظم حياتها، أما أن يكون هناك سلفيون يأخذون فتاويهم (وهي فوق القانون والدستور) من الرياض، وعروبيون توقف الزمن في أدمغتهم عند ميشيل عفلق وعبد الناصر ولا يرون إلا سلطة الزعيم حلا لمشاكل ليبيا، وقبائل ولائها لشيخ القبيلة أكبر من الولاء لقوانين الدولة، ومجموعات مسلحة لا تعترف بهذا ولا ذاك إلا بقوة الحديد والنار، فالدستور الليبي في هذه المرحلة سيكون ورقة يسجلها التاريخ ضمن الوثائق التي لا قيمة لها.

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 75.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: اسعد امبية ابوقيلة 2017/09/17

    خبر عـــــــاجـــــل :
    الصحفي اسعد ابوقيلة معلومات عن قيام طائرات اميركية بدون طيار بقصف سيارات مسلحة لمصراتة تتمركز في مدينة تاورغاء فجر اليوم .

    الي الاخوة الكرام في موقع عين ليبيا ,,, اليكم اخر .
    عنوان الخبر :
    الصحفي اسعد ابوقيلة معلومات عن قيام طائرات اميركية بدون طيار بقصف سيارات مسلحة لمصراتة تتمركز في مدينة تاورغاء فجر اليوم

    تفاصيل :
    قال اسعد امبية ابوقيلة صحفي وكاتب ليبي مستقل ومراسل صحيفة صنعاء نيوز ومراسل لعدد من الاذاعات العالمية و وخاصة هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK القسم العربي في تصريحات صحافية نشرت اليوم في تصريحات صحافية نشرت اليوم الاحد 17 / 9 / 2017 نقلآ عن شهود عيان ومصادر مطلعة انفجارات عنيفة سمعت فجر اليوم الاحد في محيط مدينة تاروغاء الليبية وحسب المصادر فان طائرات بدون طيار يعتقد انها اميركية قامت بقصف سيارات بعض المسلحين التي تتمركز في مدينة تاروغاء هذة السيارات المسلحة التي تتبع مدينة مصراتة قامت بهجوم يوم امس السبت علي عائلات تاورغية عائدة الى مدينة تاورغاء
    ونقل الصحفي الليبي المستقل اسعد امبية ابوقيلة للعلم إن مسلحين من مدينة مصراتة قاموا بفتح النار على أربع عائلات تاورغية وصلت لمدينة تاورغاء بناء على الصلح المبدئي الذي أبرم بين المجلس المحلي لتاورغاء والمجلس البلدي لمدينة مصراته، برعاية الامم المتحدة. وان العائلات الأربع تتكون من شيوخ كبار السن وبعض الشباب وصلت مدينة تاروغاء صباح يوم امس السبت تنفيذا لبرنامج العودة التدريجية، المتفق عليه من قبل كل من عبد الرحمن الشكشاك (رئيس المجلس المحلي لتاورغاء ورئيس لجنة الحوار فيها) ويوسف الزرداح (رئيس لجنة ملف حوار مصراتة تاورغاء) ونتج عن الهجوم إصابة أحد كبار السن بجلطة نقل على إثرها إلى مستشفى مصراتة وحالته خطيرة جدا وختم اسعد ابوقيله بقوله الجدير بالذكر بعد الحرب العالمية التي قادها حلف الناتو لاسقاط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي اصبحت ليبيا تعيش حالة من عدم الامن والامان والاستقرار تهدد بالحرب الاهلية وتقسيم البلاد وعودة الاستعمار .

    اسعد امبية ابوقيلة
    صحفي وكاتب ليبي مستقل

    بقلم ( اسعد امبية ابوقيلة صحفي وكاتب ليبي مستقل )
    الصحفي اسعد ابوقيلة معلومات عن قيام طائرات اميركية بدون طيار بقصف سيارات مسلحة لمصراتة تتمركز في مدينة تاورغاء فجر اليوم
    موقع ( صحيفة صنعاء نيوز اليمن )
    لقراءة تفاصيل الخبر اضغط علي الرابط الاسفل لقراءة تفاصيل الخبر اضغط علي الرابط الاسفل ولقراءة مئات التعليقات
    http://www.sanaanews.net/news-55229.htm

تعليق واحد