الصديق الكبير من محافظ للمصرف المركزي إلى حاكم مطلق

بقلم:

في الدول المستقرة عادة ما تتحدد صلاحيات ومهام السلطات الثلاثة الرئيسة من تشريعية وتنفيذية وقضائية ويضبط القانون حدود وحتى مسارات العلاقات البينيّة بين تلك السلطات، بما يحول دون التداخل الاختصاصي ويبعد احتمالات عدم تحديد المسئوليات حيال أي تصرف مخالف من أي تلك السلطات، بحيث تسهل عملية الرقابة والتصحيح وحتى المحاسبة منعا لأي انحراف، وفي الدول المستقرة يعتبر المصرف المركزي مجرد خزنة تحفظ فيها جميع أموال الدولة وتؤمن بطريقة تحافظ على مستويات السيولة النقدية وتسيير العمليات المصرفية وضمان المحافظة على المركز المالي للدولة من خلال ثبات واستقرار الاحتياطي العام من النقد المحلي والأجنبي.

نتيجة للفوضى التي لعبت بليبيا عقب احداث 2011، وما ترتب عنها من انهيار تام لمكونات الدولة ومؤسساتها العامة، ثم ما تبعه من انقسام سياسي شطر ليبيا الى نصفين شرق وغرب، بحيث أصبحت ليبيا تدار بحكومتين واحدة في البيضاء والثانية في طرابلس، منذ ذلك الحين وخاصة مع النصف الثاني للعام 2014 عندما دخلت ليبيا فعليا في مرحلة جديدة من الفوضى السياسية، وتلاشت آخر مظاهر الدولة الليبية بمفهومها الموحد كما هو متعارف عليه، وجد محافظ مصرف ليبيا المركزي نفسه مجبرا على التعامل مع الحكومتين من الناحية المالية، فيما يتعلق بالوفاء بالالتزامات المالية للشعب الليبي وعلى رأسها مرتبات الوظيفة العامة ومخصصات القطاعات المختلفة التسييرية.

ولقد أنصرف المصرف المركزي الى تسيير أمور الدولة المالية منذ سنة 2014 وحتى نهاية  2016 منفردا، لغياب التوافق الليبي، وقد تحمل في ذلك مسئولية كبيرة جعلته يقوم بأدوار الجهة التنفيذية المختصة وهي وزارة المالية ووزارة التخطيط ووزارة الاقتصاد، بل أنه اجبر نتيجة للظروف التي تعانيها البلد الى القيام بدور الجهة التشريعية فيما يتعلق بأمور المناقلات المالية البينية بين القطاعات او حتى اتخاذ قرارات كبيرة مثل تقديم سلفة مالية لوزارة المالية في كل سنة لتغطية العجز في ميزانية الدولة خلال سنوات 14 و15 و16 و2017م، وبالرغم من نجاح المصرف المركزي في تسيير الأمور المالية بالنيابة عن جهات الاختصاص، إلا أنه فشل في إدارة الازمة المالية والتي صارت تشتد وتكبر كل يوم، ولعل ابرز مظاهر الفشل هو نقص السيولة النقدية لدى المصارف ناهيك عن تدني قيمة الدينار امام العملات الأخرى.

لابد من الاعتراف بان الانقسام السياسي وعدم وجود جسم تشريعي واحد للدولة، ساهم في احداث الفراغ الذي ملأه المصرف المركزي، الأمر الذي صرفه عن مهمته الحقيقية كمصرف مركزي، ومع طول المدة اكتسب المحافظ حجما اكبر مما يجب، حتى انه اصبح يتدخل في اختصاصات الجهات التنفيذية مثل وزارة المالية والتخطيط والاقتصاد وبدأ يعتبرها من مهامه بحكم الواقع، خلال فترة غياب تلك الاجسام ،الا أنه اصطدم بها بعد تسلم المجلس الرئاسي مهامه وتفويضه لوزراء لتلك الوزارات، الأمر الذي دفع بالمحافظ الى التمسك بدوره بحكم الواقع وامتناعه عن ترك تلك الاختصاصات وهو قد يتكيء على تبرير قانوني في عدم اعتماد حكومة الوفاق من قبل مجلس النواب، ولا شك يدعمه في ذلك صمت الأجهزة الرقابية مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وانقسام السلطات التشريعية والتي اكتفت بالمحافظة على علاقة حبية مع كلي الطرفين تضمن تسييل مخصصات أعضائهما من رواتب ومهايا ومصروفات!.

وأمام تعقيدات المشهد الليبي، أرى أنه آن الأوان للسيد الصديق الكبير أن يتخلى على وظيفة حاكم ليبيا المطلق التي اكتسبها نتيجة الظروف وأن لا يصر على التمسك بها، وأن يركز على عمله كمحافظ مصرف مركزي، ويسعى لمعالجة اختناقات وازمات مصرفية مثل السيولة النقدية وتدني قيمة الدينار الليبي امام العملات الأخرى، وعليه ان يدرك انه بمجرد تشكل حكومة الوفاق الوطني فإن دوره كحاكم لليبيا ينتهي ويعود الى وظيفته الأساسية كمحافظ لمصرف ليبيا المركزي، بل أنه يسأل على عدم امتثاله لقرارات اعلى سلطة تشريعية وهي مجلس النواب والتي اقالته منذ مدة!، حتى لا يتحمل وحده ما وصل اليه الوضع المالي في البلد من تأزم وانسداد.

علينا أن نقول للسيد الكبير شكر الله سعيك في ما مضى من عمل قدمته وفيه صالح العباد والبلاد، وليس أجمل من أن تترك الفرصة لغيرك من الخبراء الذين قد يصنعون الفرق ويغيرون ما قد عجزتم عن تغييره من وضع مالي مسدود ومأزوم، فهل يفعلها الكبير ليبقى كبيرا في أعين الليبيين ، أم أن له رأيا آخر مخالف لما نعتقد!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.

هل ترغب بالتعليق؟

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.