حول إضراب المعلمين.. يجب ألا نخلق الداء ثم نشكوا منه

بقلم:

ثمة سؤال يفرض نفسه: لماذا لاتكون المطالبة بزيادة مرتبات كل العاملين في مجال الوظيفة العامة وفي مقدمة هؤلاء المطالبة برفع مرتبات المتقاعدين المتدنية التي سيتقاضاها كل من يحين موعد بلوغه سن التقاعد؟! ثم ليس المعلم وحده من يقود العملية التعليمية التي تحتاج لعناصر أخرى مساعدة لكي تكتمل العملية التعليمية وأعني بهم الموظفين الذين يمارسون أعمالا إدارية ومالية وشئون العاملين وأعمال النظافة والصيانة والمخازن والأعمال الفنية الأخرى التي تحتاجها المؤسسة التعليمية.. فمثلا ديوان وزارة التعليم والوحدات التعليمية والأقسام الإدارية التي تتبعه لا يسيرها المعلم وحده “المعلم مهمته داخل المدرسة” وإنما تُسيّرها الشرائح المختلفة الأخرى التي أشرت لها!!

ليس المعلم هو من يقوم بإعداد مرتبه وإتمام تسوياته واستحقاقاته الأخرى! ولنفرض جدلا قامت هذه الشرائح هي الأخرى في كل التخصصات التي تحتاجها العملية التعليمة في قطاع التعليم بالإضراب أو الاعتصام أو الامتناع عن العمل شأنهم شأن المعلمين وطالبوا بزيادة مرتباتهم وتركوا المعلمين وحدهم في قطاع التعليم هل ستنجح العملية التعليمية بوجود المعلم فقط؟! سؤال يبحث عن إجابة..

المشكلة التي يواجها الوطن أن كل شريحة تفكر بمعزل عن شرائح المجتمع الأخرى! كل من له مطالب أو حقوق يُضرب عن العمل أو يعتصم!! ونسي هؤلاء أنه لا توجد دولة بالمطلق لكي تلبي مطالبهم وتعطيهم حقوقهم وأن ما يترتب على اعتصامهم أو إضرابهم يمس بشكل مباشر المواطن الليبي الذي لاحول له ولا قوة ويزيد من معاناته ويذهب إضرابهم واعتصامهم أدراج الرياح!!

لا نريد من المعلم ان ينسى أنه ولي أمر وأن امتناعه عن العمل سيتسبّب في ضرر أبنائه الطلاب أيضا، ليس كل الليبيين يتقاضون 16000 دينار هناك كثيرون مرتباتهم أقل من 500 دينار لا يتناولونها كلها من المصارف المفلسة! لا نريد من المعلم أن يفُكّر بمعزل عن شرائح المجتمع الأخرى! زيادة المرتبات يستحقها كل الذين يعملون في مجال الوظيفة العامة..

أذكر عندما كنت في المؤتمر العام للموظفين كنا نطالب في توصياتنا برفع مرتبات العاملين في مجال الوظيفة العامة بما فيهم المعلم إقتناعا منا أن المعالجة يجب أن تكون شاملة لكل الشرائح المهنية التي تقدم خدمة عامة للمجتمع..

إن الحلول الجزئية أو المنفردة لا تحل المشكلة، لا نريد من المعلم أن يُمارس ضغوطاً على المجتمع لأنه عندما يُضرب عن أداء عمله المنوط به هو يُمارس ضغطا غير مبرر على المجتمع الذي لاحول له ولا قوة لكي تتحقق له مطالبه خصوصا في هذه الظروف التي يمر بها المجتمع الليبي المأزوم! مجتمع في طريقه للإفلاس وفي وطن مُهدّد بالضياع والاحتلال! إذا وصل الأمر أن كل فئة من فئات المجتمع تضرب عن العمل أو تعتصم.. سيتضرّر المجتمع كله وفي مقدمته المعلمين أنفسهم!

في المجتمعات الأخرى عادة ما يكون الإضراب جزئيا وليس شاملا لكل الشريحة المهنية أو الحرفية ويكون معبراً ولا يلحق ضرراً بالمجتمع وقد يكون لساعات محددّة يتم الإعلان عنها مسبقا! ثم سرعان ما ينفك تلقائيا، هذا ما يحدث في المجتمعات الأخرى ولكن ما حدث عندنا لا يقبله عقل ولا منطق وأحدث استهجانا لدى المواطن وزاد من معاناته، اعتصام المعلمين أو إضرابهم عن العمل هو ليس عقابا للحكومات أو ضغطا عليها بقدر ما هو ضغطا على المواطن البائس العاجز عن الفعل!!

إذا احتكمنا لهذا الأسلوب واعتمدناه سيقوم العاملين في النفط أو في محطات الوقود مثلا بالإضراب سنجد أنفسنا أمام أزمة في الوقود وكذلك الحال في المصارف أو في أعمال النظافة أوفي الصحة العامة أو أن يقوم المحاسبون بالإضراب أو الامتناع عن العمل! إذن من سيقوم بإعداد مرتبات المعلمين وإحالتها على المصارف؟! نحن نعرف كيف ستكون النتيجة عندئذ! يجب ألا نكون كمن يخلق الداء ثم يشكو منه!

فتح الله ساسي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 6.