مواسم التوافد على تونس، سماسرة المناصب والصفقات

بقلم:

تونس هذه الدولة الجارة لليبيا كم هي محظوظة دائما، حيث تأتيها أموال الليبيين ولا تنقطع عليها مهما كانت ظروفهم سيئة او حسنة!  ففي حين كانت مقصدا لسياحة الليبيين العلاجية اثناء فترة حكم القذافي، جنت تونس مئات الملايين من الدولارات، يستمر الحال حتى ما بعد فبراير 2011 برغم شدة الحال ومعاناته، اذ تستمر تونس خلال السبع العجاف قبلة كل المسئولين الليبيين الذين ضاقت بهم ارض ليبيا فأتخذوا من فنادق تونس مقاما دائما لهم! ولهذا تحجز الكثير من الفنادق التونسية ذات الدرجات الرفيعة من 5 نجوم فما فوق للساسة الليبيين المختلفين من مسئولي الحكومات المتعددة، وبذلك امكن لتونس ان تعوض ما فقدته من واردات أموال السياحة العلاجية القادمة من ليبيا بأموال السياحة السياسية وهي الأكثر قيمة بالطبع.

إن مواسم التوافد على تونس تشتد وتهدأ حسب تفاعل الاحداث السياسية في ليبيا، وفي هذه الأيام تشهد تونس العاصمة موسما جديدا من مواسم التوافد للساسة الليبيين، حيث يشد الرحال اليها الكثير من الشخصيات الليبية الباحثة عن مغانم سياسية او مالية التي تحتويها كعكة السلطة! هذه الأيام حيث تعقد في تونس جلسات الحوار بين ممثلي مجلس النواب ومجلس الدولة التي ترعاها الأمم المتحدة، أملا في تفعيل اتفاق الصخيرات، يتواجد العديد من الجماعات والافراد من سياسيين وعمداء بلديات وقادة ميليشيات وقبليين وجهويين وانتهازيين وعيونهم جميعا على نصيب من مغنم سلطوي في الحكومة المرتقبة!

كان الأحرى ان يتواجد بتونس الآن مجموعات وطنية نزيهة، خالية من الاستقطاب تحمل أجندة واحدة فقط وهي مصلحة الوطن العليا، وتضع ليبيا فوق كل اعتبار، تعمل بضمير الصدق والإخلاص للوطن لدفع عجلة الوفاق الى الامام وتكون القوة التي تصهر وجهات نظر طرفي التفاوض في بوتقة الوطن الواحد، لتختصر الوقت والجهد ويخرج المتحاورون متفقون، ليعودوا لليبيا متفاهمين متحدين لا منقسمين! ولكن كم هو مخز ان تتقاطر تلك الجموع طلبا للمناصب، في اندفاع مصلحي اناني يلغي تماما المصلحة الوطنية العامة، ويقدم عليها مصلحة الافراد او القبائل او الجهات!

يا لسوء حظك يا ليبيا ان تبتلي بمثل هذه الشخوص المنعدمة الإحساس بالوطن، شخوص ماتت فيها الضمائر او تحجرت ! يا لسوء حظك يا ليبيا ان يتسيّدك الأغرار ممن دفعت بهم صدف الزمان بمثل هذه العناصر ميتة الإحساس، لتكون في مواقع المسئولية، سواء في مجلس النواب او المؤتمر الوطني او الأجهزة التنفيذية الأخرى! فيا لمهازل الاقدار ان يكون مستقبل بلد وشعب مرهون بأيدي سماسرة المناصب والصفقات من الذين لا خلاق لهم ولا حياء! أولئك المهرولون في نهم وجشع نحو المناصب، فيتبادلون الأدوار والصفقات، في حالة حمى مرضية تجعلهم مما ينطبق عليهم قول الشاعر: يا مريضا بالمناصب.. داؤك الداء العضال!

لن يرحم التاريخ كل مهرول الى تونس، يحمل فوق ظهره جعبة الطمع في مصلحة شخصية او قبلية او جهوية، لن يرحم التاريخ من يتجاهل اليوم معاناة شعب يتضور جوعا، ويضنيه الوقوف طويلا في طوابير المهانة، امام أبواب مصارف تقطر بالقطارة! شعب يفتقد الأمن في البيت والشارع ويعيش حالة رعب وخوف دائمين! ولن يرحم التاريخ كل من كان سببا في هذا المأساة، من متقلدي المناصب طيلة 7 سنوات مريرة، لن يستثنى التاريخ أحدا منهم، فكلهم شركاء في الإساءة الى شعب أمّنهم على مستقبله لكنهم خانوه وخذلوه، لن يرحمكم التاريخ يا رموز البؤس والشؤم وستلاحقكم لعنة الجموع من شعبكم الى يوم الدين!

تبا لكم يا من اثبتت الأحداث ان الأجانب اكثر حرصا منكم على ليبيا وشعبها!، فستبقى تصريحات الكثير من مسئولي العالم من الرؤساء والوزراء والسفراء الذين في كل حين يعلنون تعاطفهم ودعمهم للشعب الليبي، صفعات على وجوهكم ما حييتم! وهل ينسى الليبيون يوما، أن مبعوثي المنظمة الأممية المكلفين بالشأن الليبي بدء من طارق متري مرورا بليون وكوبلر ووصولا الى غسان سلامة، صرحوا علنا في اكثر من مناسبة بأنهم يتأسفون ان لا يجدون في من يتفاوضون ويتحاورون معهم من الليبيين مكانا لمصلحة الوطن في قلوبهم!، وانهم يحملون معهم فقط مصالحهم الشخصية الضيقة! فيا لهول المشهد، ويا للعار والخيبة.

 

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 183.