افتح عينك الأخرى يا دباشي

بقلم:

كتب مندوب ليبيا السابق في الأمم المتحدة ابراهيم الدباشي على صفحته بالفيسبوك مقالا تناقلت فقرات منه بعض الصحف الالكترونية والوسائط الاجتماعية، جاء فيه أن السويحلي لن يقبل بأي اتفاق لا يضمن فيه وجوده في المجلس الرئاسي أو رئاسة الحكومة، مضيفا أن الظروف تغيرت ومليشيات مصراتة انقسمت على نفسها وتقلصت قوتها وانحسر نفوذها وفقدت الدعم الدولي… الخ.

لا يبدو غريبا بالمطلق هذا الخطاب العدائي من الدبلوماسي الليبي السابق إبراهيم الدباشي تجاه مصراتة أو السويحلي، والربط بينهما في مقاله إنما يشي بأن انتماء السويحلي لمصراتة هو السر في حالة العداء التي تتلبسه، ما يدعو للرد عليه هو مغالطاته ونظرته الأحادية، إذ يصر على وصف تشكيلات مصراتة المسلحة بالمليشيات وهي التي دحرت في بضع شهور أكبر تجمع لتنظيم داعش خارج سوريا والعراق، فيما حافظ على نظافة فمه وقلمه على قوات تسمي نفسها جيشا وطنيا يمارس أحد ضباطها القتل بوحشية على نفس نهج تنظيم داعش، حتى بات مطلوبا للجنائية الدولية ! كأنه لم يسمع ولم يرى كيف أنقذت “مليشيات مصراتة” نساء وأطفال دواعش سرت ولم تنكل بهم ولم تنبش القبور ولم تحرق الجثث ولم تستعرض بها مزهوة منتشية في شوارع الجيزة البحرية.

هل تشهد يا دباشي بأنك رأيت “مليشاوي” مصراتي يصف بشرا يرتدون الملابس البرتقالية في وضع البروك ثم يصدر أوامره باسم الله والرسول لفرقة الإعدام لتقوم بقتلهم بطلقة في الرأس من مسافة صفرية؟ فمن الأولى بوصف المليشيات إذا خاصة والكاتب ليس شخصية عادية متاح لها الميل مع الهوى، بل دبلوماسي مخضرم في السياسة والدبلوماسية وشغل منصبا رفيعا في المنظمة الدولية الكبرى!

أما طموح السويحلي في منصب أرفع من المنصب الذي يتقلده الآن فليس جريمة بل هو أمر لا نراه غير طبيعي، فالطموح في السلطة والمناصب والتدرج فيها صعودا نزعة طبيعية ملازمة لكل البشر إلا من زهد فيها لسمو روحه وعلو همته، ونتذكر هنا بالمناسبة دبلوماسيا تمسك بمنصبه بعد إقالته وكتب وصرخ في الفضائيات منددا بقرار المجلس الرئاسي ولم يغادر إلا بعد تدخل سكرتير الأمم المتحدة حيث ابلغه بوضوح أن الأمم المتحدة ملتزمة باحترام قرار المجلس الرئاسي وتنفيذه واعتماد المندوب الجديد، وبالطبع، الأمثلة على شغف البشر بالسلطة والمناصب كثيرة، ولكننا سنكتفي بهذا المثال عن الدبلوماسي المخضرم.

ولا شأن لمصراتة بطموح السويحلي أو غيره، وهي ليست منقسمة بل متوحدة جدا في مواقفها الوطنية، ولولا نظرتك الأحادية لكتبت متنوعة بدلا من منقسمة، لكن التعصب والكره يعمي البصر والبصيرة، للسويحلي في مصراتة المراتب الأربعة. مؤيدون ومنافسون وخصوم وأعداء، كل يمارس قناعته ويدعو لها دونما اعتراض أو استغراب، ففي إحدى المظاهرات رفعت صورة له مشطوب عليها بالأحمر، وسبق أن رفعت صورة بالعلامة نفسها لرئيس الحكومة المؤقتة خليفة الغويل، ما يدل على أن مصراتة لا تتعصب لأبنائها وما يؤكد أنه لا مليشيات موالية لهم أو يقودها أبناؤهم تقمع الناس وتجبرهم على أن يقولوا خيرا في السويحلي أو يصمتوا. إذ ليس في مصراتة شارعا للزيت البشري يا دباشي.

نود أن نسأل الدباشي ونتوقع منه الإجابة إذا ما قرر الرد على هذا المقال. هل يقتصر الطموح في الرياسة على السويحلي أم ثمة آخرين لديهم أيضا هذا الطموح وبوسعهم عرقلة أي اتفاق يقصيهم، بل وقد عرقلوا لأن الاتفاق الحالي ربما يقصيهم ولذا هم مصرون على حذف أو تعديل أي بند يمكن أن يقصيهم ويحطم حلمهم في الزعامة؟

ألم يأتك نبأ عدد من الدبلوماسيين الغربيين تتوسل لهم شخصية ليبية أن يسلموه حكم ليبيا، آخرهم وزير خارجية بريطانيا الذي صرح للصحف البريطانية عقب عودته من ليبيا أن خليفة حفتر مستعد لخلع البدلة العسكرية (البدلة فقط) إذا سلموه حكم ليبيا؟

ألا تعرف أن حلم رئاسة المجلس الرئاسي يراود أيضا عقيلة صالح وهو في موقع يؤهله للتسويف والمماطلة والاعتراض حتى ضاع مجلس النواب وانقسم وانقسمت معه البلاد كلها؟

ألم تسمع السيد غسان سلامة يقول أن الذين حجوا إلى تونس المدة الماضية حجوا إلى المكان الخطأ، ألم تدرك ما يعنيه أم أن لغته كانت دبلوماسية أكثر مما ينبغي؟

أما وقفت غاضبا على حالنا ورئيس أكبر حزب سياسي في ليبيا يقول إن سعر النائب في تونس مليون دينار ليبي؟ من الذي سيدفع وثمنا لماذا بالتحديد؟ فافتح عينك الأخرى يا دباشي لترى الأمور بشكل أكثر شمولية وأكثر وضوحا فتكتب من غير سوء.

مثل غيري من البسطاء وعامة الناس تصورت دوما أن الدبلوماسية هي اللغة الراقية المهذبة الموضوعية، وأن من شروطها هو حسن اختيار الانسان لكلماته وبنائه لعباراته وموازنتها قبل إطلاقها، والآن صار بحوزتي دليلا آخر على أن كافة المعايير في ذاك الزمن الغابر أجهضت وتقلد كل أمورنا من ليس أهلا لها، والاستثناءات القليلة التي لا ننكرها هي فقط لتثبيت القاعدة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

د. سليمان الفيتوري

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 3.