صعود واضمحلال الثقافة الليبية

بقلم:

لا شك ان الثقافة بمفهومها العام تنمو وتترعرع بتنوير أهلها وتخبوا وتضمحل بإنغلاقهم وضعفهم وسؤ حالهم، وينعكس ذلك على كل مظاهر الحياة اليومية، فالثقافة تعبر عن مدى وعي الأفراد وإدراكهم للأمور ومشاركتهم للمجتماعات الأخرى وليس بما يملكون أو يستهلكون، فالشعب التونسي أو اللبناني أكثر وعيا وتنظيما وتحضراً ومشاركة من الكثير من شعوب الخليج الذين جلبوا معهم ثقافة الصحراء لتسكن معهم في مدن عصرية.

الشعب الليبي قليل العدد متناثر في قارة من الواحات، ولذا كانت المناطق الحضرية تتركز في مدن الساحل وبعض مدن الجبل، لن نتحدث عن إزدهار الثقافة في القرون الأولى لبدة وصبراته عندما كانت تلك المدن تضاء شوارعها بالقناديل وتستخدم المآدب للأكل (راجع رواية الحمار الذهبي) ولا عهد الرستميين الذي بلغت فيه ثقافة ليبيا عامة وجبل نفوسة قمة في المدنية حيث تم إختيار ثلاثة علماء ليمثلوا ألف عالم من الجبل لحضور مناضرة في مركز الخلافة بتيهرت في الجزائر، ولا الأسرة القره مانلية التي يسميها الأمريكان والأنجليز (دولة برباريا) ذات القوة البحرية الضاربة التي دوخت الأساطيل الأوروبية وفرضت عليهم أتاوات من أجل لجمهم عن الإعتداء أو الإقتراب من الشواطئ الليبية، ذلك كله يحتاج إلى مجلدات وليس مقالة تحسيسية عابرة، إلا أننا نستطيع أن نرصد حقبتين مهمتين لصعود الثقافة الليبية في العصر الحديث وهما فترة الإنتداب البريطاني وبداية الملكية والفترة من منتصف الستينات حتى سنة 1973 م عند إعلان القذافي للثورة الثقافية في مدينة زوارة ثم الحقبة الحالية التي تعتبر فقاعة لم يتم تبلور مشاهدها بعد.

في نهاية الأربعينيات عاد الكثير من المبعوثين إلى الأزهر بمصر والمزاب بالجزائر والزيتونة بتونس والكثير من المعارضين للإستعمار الإيطالي  إلى ليبيا للمساهمة في إستقلال الدولة وبنائها رغم الفقر والعوز وقلة الموارد، ولقد برز العديد من السياسيين و الكتاب والصحفيين منهم بشير السعداوي وعلى الديب (صحيفة الليبي)  وفاضل المسعودي (صاحب جريدة الميدان)، ومن الكتاب على مصطفي المصراتي والأستاذ مصطفى بعيو والأستاذ الطاهر الزاوي والشيخ على يحي معمر والمؤرخ محمد بازامة، إستمر الحراك الثقافي حتى سنة 1954 عندما قام الملك بإلغاء الأحزاب، ومنهم حزب المؤتمر برأسة بشير السعداوي وعضوية الكثير من الزعامات السياسية الذين تم تهجيرهم إلى الخارج. وبذلك إنتهى الفصل الأول من الحراك السياسي وبداء الصراع بين الأقاليم الثلاث والقبائل على الحكم وعلى كراسي مجلس النواب لما يزيد عن عشرة سنوات، حيث إنتشر الفساد والمحسوبية وإدارة المؤسسات الديموقراطية بأسلوب قبلي وجهوي مقيط.

الفترة الثانية لنهوض الثقافة الليبية كانت في نهاية الستينات، هذه الفترة المصاحبة لزيادة تصدير النفط ورخاء الدولة مع تخريج المئات من الدارسين في الجامعة الليبية بفرعيها طرابلس وبنغازي وعودة بعض المبعوثين من الخارج مع وجود النخبة من الأساتذه المصريين في ليبيا، كما كان هناك هامش كبير لحرية الرأي وحرية الصحافة، حيث تصدر العديد من الصحف والمجلات مثل صحيفة البلاغ التي يترأس تحريرها الأستاذ على أوريت، وصحيفة الشعب التي يترأس تحريرها الأستاذ علي مصطفي المصراتي، وصحيفة الحقيقة للأخوان الهوني، وكذالك صحيفة الرائد وليبيا الحديثة وغيرها، كل ذلك عمل على الإنفتاح على العالم ونمو الوعي الوطني، وهذه الفترة في معظم دول العالم كانت فترة إزدهار الفكر وثقافي مع تعدد مشاربه وأتباعه، فكان هناك القوميون العرب والشيوعيون والإخوان المسلمون ومجموعة تنتمي إلى حزب التحرير، بالإضافة إلى الصوفيين، والمنادين بالصحوة الإسلامية، وجميعهم جمعيات فكرية لا أحزاب سياسية لها، وجميعها تفكر في كيفية النهوض بالبلاد من الوجهة السياسية والإقتصادية، أي أن العمل كان مؤسساتيا له مبادئ فكرية وبرامج عملية، في حين أن التنافس على السلطات ونيابة البرلمان إستمر على أسس قبلية وجهوية.

هذا الحراك الثقافي افرز العديد من الكتاب والمثقفين الذين أسهموا في الحركة الفكرية وكان نقذهم لاذعا للظواهر السلبية بالمجتمع الليبي، مما كان ينبئ بتغيير إجتماعي كبير نحو العلم والتعلم ومواكبة الحضارة والإنفتاح على العالم وتبني قيم الحداثة، ومن هؤلاء الأستاذ صادق النيهوم وعمر النامي وعمر الشيباني، ورشاد الهوني، وعبدالحميد البكوش  وغيرهم

من عاصر أوسمع أو قراء عن هذه الحقبة الزمنية يثيره العجب، حيث كانت الشوارع نظيفة والمنتزهات على قلتها مشرقة والمقاهي عامرة، وهناك شبكة من النقل العام لجميع أنحاء طرابلس من ميدان الرشيد وبالمثل في بنغازي وهناك شبكة نقل عام ما بين المدن، ويمكنك شراء سيارة (فولكس واجن ب 750 دينار فقط من ميدان الجزائر، أو مازدا ب 1200 دينار) ، والعيادات منظمة، والجميع بأناقة عالية، وأخص بالذكر رجال البوليس وموظفوا المصارف وسائقوا سيارات التاكسي والأتوبيسات، وكان هناك سباق السيارات له حلبة في طرابلس بالإضافة إلى السباق بين المدن (وكنت شاهدا على سباق طرابلس – نالوت سنة 1967) كما ان ملاعب الجولف منتشرة إحداها في السواني، وألآكثر أهمية شيوع الإحترام بين الرئيس والمرؤوس، بين الموظف والمدير بين الطالب والمعلم، وهو ما تم تدميره في السنوات اللاحقة.

نعم هناك شواهد الفقر في الدواخل وعلى أطراف المدينة، أما المدن فكانت تواكب ناظيراتها على الجانب الأخر من المتوسط.

للآسف هذه الفترة لم تستمر طويلا رغم أنها وضعت بصماتها في التاريخ الليبي حيث أنجزت مُعظم المؤلفات التاريخية والفكرية في فترة الستينات حتى بداية السبعينات ثم أسدل الستار عن  الحراك الثقافي بعد ثلاث سنوات من وصول العسكر إلى سدة الحكم، وبداء فصل آخر من النكوص الفكري والثقافي والحضاري المدني وتحول إلى ثقافة البداوة والنجع والترحال، كما تم إضطهاد جميع التيارات الفكرية وتربع تيار القوميين العرب وثقافة  النجع على المشهد الليبي لأربعة عقود عجاف، ولم يكن هناك إنتاج فكري ذا بال سوى التطبيل، حتى أن الجميع لا يتذكر إسهامات فكرية لهذه الحقبة بعد سقوط نظامها، وهو ما لا يحتاج إلى كثير من البحث.

المشكلة الحقيقية أن هذه الحقبة التي غلب عليها النظام الشمولي الريعي وثقافة البداوة التي تتسم بإنعدام ديمومة المؤسسات الفاعلة، وإنعدام الشفافية، وإنعدام العمل الجماعي، وعدم إستقرار النظام الإداري للدولة، وتقزيم العمل النقابي وتكميم أفواه المناظلين، وتبجيل أهل الولاء عن أهل الكفاءة، هذه السمات جميعها أوجدت مفهوم الغنيمة والإيغال في الفساد لقطاع كبير من الشعب الليبي، فأصبحت أملاك الدولة حق مكتسب (بفعل الوظيفة) يتسابق عليها الجميع داخل الحكم الشمولي، وليس هناك تراتبية في العمل ولا أهمية للكفاءة أو الجهد، وهو ما نعانيه حتى الآن، فالكل يريد أن يكون وزيرا أو نائبا أو مديرا لمصلحة حيت المهايا والمزايا، ولا يكثرت بتدني قدراته أو بما تؤول إليه الأمور تحث إدارته، وراينا الفشل الدريع لمعظم الحكومات والهيئات لما يزيد عن أربعين سنة، والجميع يعمل على صناعة هيئات وإدارات ومكاتب لا أهمية لها للدولة، فمثلا كيف تستطيع الدولة تسديد رواتب المسجلين بقوائمها والذين تجاوز عددهم إثنان ونصف مليون مواطن يتقاضون مرتبابتهم من الدولة، منهم قرابة 200 ألف من الأجهزة الشرطية والعسكرية القابعين في بيوتهم، وكيف يكون هناك نصف مليون من الموظفين في قطاع المصارف والشركات، وهي مؤسسات إما تكون ربحية أو تقفل أبوابها، وما أهمية وجود عشرات السفارات في دول ليس لنا أي علاقات إقتصادية بها مثل جزر القمر أو كوريا الشمالية، وما أهمية وجود أربعة عشرة ألف طالب مبعوث في الخارج، والجامعات الليبية مكتضة بحملة مثل هذه الشهادات.

بعد ثورة السابع من فبراير خرج إلى الوجود شخصية المحارب الإسلامي، الشيخ صاحب اللحية الكثة والقميص الواسع والسروال (الميني)، مع ملازمة السواك والهيلله ولا يغرب عن فمه قصص إبن تيمية وإبن القيم، ونوع آخر من نوع البكوات على أناقة عالية ولكن كما يقول المثل الليبي (يا مزوق من برة ..)، هذه الصفات الجسدية يقابلها سلوكيات مكتسبة  في غاية السؤ أهمها ضيق الأفق وغياب الحس الوطني، والإنغماس في الغنيمة الفردية أو الجهوية والقبلية، فمثلا فشل حوار تونس لأن الحوار كان منصبا على تنصيب القيادة العسكرية في المنطقة الشرقية على كل ليبيا ووضع ضمانات لعدم المساس بها، إضافة إلى محاولة إيجاد مناصب لقيادة البرلمان في التشكيلة الجديدة، مع الحلف بالطلاق إن لا يتم غير ذلك، وإرجاع 60 نائبا إستقالوا من المؤتمر طوعا للمشاركة في مسلسل الغنيمة بمرتب يتجاوز 16 ألف دينار شهريا، ولا يهم أن يكون هناك 30 وزيرا و60 نائبا وعشرات المساعدين والمساندين، إنها ثقافة الغنيمة لحفنة من البدو لم يطلع أحدا منهم يوما على المبادئ الحاكمة لتاسيس الدولة المدنية، إنها الثقافة المتخلفة لحفنة قبلية متخلفة أوصلت من لا يستحق إلى سدة صنع القرار.

في الجانب الإجتماعي ساد نوع آخر من الجهل وهو الترويج لإنتشار السحر والمس من الجن والكتابة والشعودة، مما أتاح لؤلئك الشيوخ التبحر في الوسائل غير التقليدية للعلاج مثل فتح عيادات وإدارة برامج لعلاج السحر وفك طلاسمه، والتفنن في إدعاء العلاج للأمراض المستعصية، بالإضافة إلى الرقية الشرعية وقراءة القرآن لعلاج الأمراض المزمنة وحل المشاكل العائلية والنفسية، إنه النكوس والإنحدار إلى قاع القاع في عصر يقاس فيه الزمن بالفمتوثانية.

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 78.