لماذا نرفض عسكرة المدن

بقلم:

عسكرة المدن كطريقة لبناء مؤسسة أمنية تابعة للحاكم من الوسائل التي عفا عنها الزمن، هذه الطريقة سادت في الكثير من الدول ذات الأنظمة الشمولية في الستينات والسبعينات، وذلك بتعيين رؤساء المحافظات والبلديات من  العسكريين ذوي الولاء للحكومة، وتجنيد وتجييش أكبر عدد من الشباب وإبقائهم تحت السلاح عاطلين عن العمل بدعوى الإستعداد لرد العدوان الخارجي، ولقد اثبتت هذه الطريقة فشلها في الكثير من الدول منها ليبيا القذافي  ومصر عبدالناصر وسوريا الأسد واليمن والعراق صدام، حيث يكون الهاجس الأمني بؤرة العمل وتصاب القطاعات الإقتصادية والخدمية بالفشل الدريع رغم وجود مؤسسات في الكثير من المجالات الحيوية في تلك الدول. هذا النسق نراه في المنطقة الشرقية من ليبيا بعد تعيين حاكم عسكري من طبراق إلى بن جواد، وهي تجربة لم تتجذر بسبب الوضع الأمني غير المستقر وعدم  وجود برامج إنمائية أو ميزانيات للبلديات، مما يجعلها مشابهة للمناطق الأخرى.

بعد 17 فبراير تمت عسكرة الدولة الليبية لأسباب مغايرة وبطريقة مغايرة للدول الشمولية السابقة، حيث تحول جموع الشباب المدني إلى قوات عسكرية تنقصها الخبرة والإنضباطية لتحل محل الكوادر الأمنية والعسكرية المنسحبة من المشهد الليبي، فلم يعد هناك شرطة ولا رجال مرور إلا ما نذر، ولا ضباط عسكرين متمرسين  يقودون  الكتائب والسرايا، ولا رجال حرس يقفون عند البوابات ومداخل المدن، وبالمثل أجهزة مكافحة الجريمة ومكافحة المخدرات. لسد هذا الفراغ قام العائدون من  الجبهات بتسيير الاعمال السابقة، فهم في البوبات للتفتيش وهم في مفترقات الطرق لتسيير المرور، وهم في المطارات للقيام بإجراءات الدخول والمغادرة للمسافرين وهم أمام المصارف وأمام محطات الوقود لتنظيم عمل المترددين عليها، وهم المغامرون بحياتهم ضد المجرمين والمهربين والخارجين عن القانون وهم وقود النزاعات القبلية كذلك، وحيث أن معظمهم من المدنيين الذين لم يسبق لهم التدريب الجيد والإنضباطية في العمل، أو ما يسمى في العلوم العسكرية بالقيادة والسيطرة، فإن ضحايا تلك المعارك والمناوشات كثير.

رغم أن ما يقومون به هؤلاء على درجة من الأهمية إلا أنه عمل مؤقت مشابه لبرامج الحملات في العهد السابق مثل حملة المرور أو التشجير أو النظافة وهو ما يتعارض مع نظام المؤسسات في الدولة الحديثة، وما يؤاخذ على هذه الطريقة البدائية في العمل أنها تفتقد كثيرا إلى المهنية في الأداء،  فمعظم المستخدمين لا إلمام لهم بالقوانين النافذه فيما وكل لهم من عمل، وليس لهم دراية بكيفية التصرف أمام مقتضيات الحال، فكم من المواطنين عانوا من الإنتظار في طوابير السيارات أمام البوابات بلا مبرر مقنع، وكم فقدوا أرواحهم  أمام محطات الوقود أو أمام المصارف بسبب سؤ التنظيم أو سؤ التصرف، وكم من المؤسسات سادها الفساد أو تعرضها للتسيب بسبب إستخدام من لا مهنية لهم.

يحضرني في هذا المقام ان أحد إخواننا من تونس وصل مطار بنينا يوم 12 أغسطس الماضي قادما من تونس العاصمة، ولما وصل إلى موظف التفتيش على الجوزات بادرة بالسؤال عن تونس وعن حالها ثم ناوله الجواز، أخذ صاحبنا سيارة إلى إحدي الفنادق في بنغازي فما كان من موظف الفندق أن إكتشف أن ليس هناك ختم دخول على الجواز …رجع صاحبنا إلى المطار يبحث عن الموظف… وهو ما يدل على تسيب لا يحدث في أكثر المطارات تاخراً.

الأمر الثاني أن عدم معرفة قوانين الدولة في المجال المنوط لهم يجعلهم يتصرفون تبعا لإجتهاداتهم التي قد تصيب وقد تخطى فنجد توقيف التجار والمواطنين بسبب شبهة الفساد، أو تهريب الذهب أو تهريب العملة، أو جلب كتب ثقافية او دينية معينة يعلم صاحبها أنها عادية وقانونية ولكن عدم وجود المهنية في العمل تشكل للموظف صعوبة للبث في هذه الأمور وتحول دون إستمرار العمل بإنسيابية.

يوم الجمعة 3 نوفمبر الحالي تم إفتتاح ملتقى ليبيا كوميكون 2017 بعد أشهر من العمل والإستعداد من اللجنة التحضيرية وكذلك الحصول على ترخيص بإقامة الملتقي، وهو ملتقى لمصوري القصص،  والتي تهتم بالتراث المحلي القصصي مع الظهور لبعضا منهم بالأقنعة المتداولة، ولقد أقيم سابقا في معرض طرابلس في 27 أكتوبر من العام الماضي وحضره العديد من الشخصيات الثقافية والدبلوماسية،  ولكن بعد ظهر ذلك اليوم (3 نوفمبر) تم إيقاف الملتقى وتوقيف عدد من المنظمين وعدد آخر من الحضور، بدعوى أنه يتناقض مع القيم الإسلامية  وقال البيان إن “مثل هذه المهرجانات المستمدة من الخارج استغلت ضعف الوازع الديني وانبهار الشباب بثقافات خارجية”، مبينًا أنه تم “إلقاء القبض على منظمي ومشرفي هذا المهرجان لتقديمهم للنيابة العامة، لقيامهم بأفعال خادشة للحياء والآداب العامة.

هذا  التصرف لا يستند إلى أي مادة قانونية سوى إجتهاد شخصي، مما جعل المجموعة  المسلحة تطلق سراح معظم المنظمين للملتقي ليلة ذلك اليوم، إلا أن رد الفعل العالمي كبير؛ فقد أوردت معظم الصحف الثقافية الغربية والأسياوية وحتى العربية الخبر، وإستغرب البعض منهم أن هذا لم يحدث منذ إنشاء ملتقيات الكوميكون في سنة 1970 وحتى الآن بل تم تنظيمه حتى في أكثر الدول المحافظة مثل السعودية التي نظمت الملتقي قبل أربعة أشهر.

خلاصة القول رغم أهمية ما يقوم به الشباب والمجموعات المسلحة من خدمات لسد العجز في منظومة مؤسسات الدولة، إلا أن ذلك ليس حلا على المدى المتوسط والطويل، فإما تأهيلهم ليقوموا بعملهم على علم ودراية أو إيجاد ممن لهم الخبرة الجيدة لتسيير الأمور وعودة هؤلاء إلى سابق عملهم.

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 79.