هل في تعطيل المحكمة العليا للدائرة الدستورية “إنكار للعدالة”؟

بقلم:

منذ أن صدر الإعلان الدستوري المؤقت في 2011 حرص على منح السلطة القضائية استقلالا تاما، “فالسُّلطـة القضائيـة مُستقلة، وتتولاها المحاكـم على اختـلاف أنواعها ودرجاتهـا، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون، والقُضاة مُستقلون لا سُلطان عليهم في قضائهم لغير القانون والضمير” (المادة 32). وهذا يعني أن ” التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مُواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المُتقاضين، وسُرعة الفصل في القضايا” (المادة 33).

فإذا رفض القاضي صراحة أو ضمناً الفصل في الدعوى أو تأخير الفصل فيها رغم صلاحيتها للفصل فيها أو رفض أو تأخر عن البت في إصدار الأمر المطلوب على عريضة يعتبر القاضي مرتكبا لجريمة إنكار العدالة، فلئن كان بطء التقاضي مصيبة وكان صدور أحكام خاطئة كارثة، فإن الداهية الدهماء والكارثة الصماء بحق هي أن تصدر الاحكام بعد أن يشيب المولود أو تضيع البلاد ثم تتحول الأحكام إلى حبر على ورق عملا بقانون الخيبة وفقدان الأمل، فيتم تعطيل العدالة في الوقت الذي نحتاج فيه تلك العدالة إلى أن تكون ناجزة.

وهذا ما قامت به محكمتنا العليا -دون سند قانوني في اعتقادي – فيما تباذر إلى مسامعنا من تعطيلها للدائرة الدستورية بقرار من جمعيتها العمومية، فقد منعت نفسها من قبول أي طعن دستوري أو البث فيه، ولا ندري ما الغاية من ذلك؟ أم أن المحكمة العليا أصبحت طرفا سياسيا -حاشاها -؟، أم أنها اختارت الحياد – وهذا غير متصور -؟، أم أن القاضي الدستوري لم يعد قادرا على أن يحكم مستقلا برأيه وفقا لسلطان ضميره؟ وتلك مصيبة كبرى.

وأيا كانت الأسباب والحجج، فمحكمتنا الموقرة ملزمة بنص الدستور باحترام حق التقاضي وحماية نصوص الدستور وممارسة دورها في الرقابة الدستورية، ولا تملك جمعيتها العمومية مخالفة الدستور ولا مخالفة قوانينها التي جعلتها مختصة اختصاصا أصيلا بالرقابة على الدستورية، ثم إن اختصاصات الجمعية العمومية للمحكمة واردة على سبيل الحصر في قانونها وفي لائحتها.

وما نلاحظه أنه بين الفترة والأخرى يخرج علينا جسم لا شرعية ولا قانونية له، تصرف له الميزانيات المهولة، أو انتهت مدته الدستورية والقانونية، فكيف تتحقق العدالة وكيف نميز بين الأجسام الشرعية من غيرها إن لم تقم الدائرة الدستورية بالفصل في دعاوى منازعات السلطات العامة التي ترفع إليها.

ولا يحتج بأن الوضع الراهن جعل القاضي غير قادر على أن يحكم وفق عقيدته وبما يمليه عليه ضميره، فإن كان ذلك كذلك فليطلب المجلس الأعلى للقضاء وقف أعمال السلطة القضائية كلها فلا فرق بين القاضي الدستوري والإداري والشرعي والجنائي لعدم قدرة القضاة على إحقاق العدالة، فالظروف واحدة، وإلا فما سمعناه هو حقا إنكار للعدالة واضح الدلالة.

وفي هذا يشير القضاء المقارن في حكم للمحكمة الدستورية المصرية من أن “… إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء، أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها، أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ…، لا يعدو أن يكون إهدارا للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها، وإنكارا للعدالة في جوهر خصائصها وأدق توجهاتها.. لا يعتبر إنكار العدالة قائمة في محتواه على الخطأ في تطبيق القانون، وإنما هو الإخفاق في تقديم الترضية القضائية الملائمة… فإن هذه الترضية تغدو هباء منثورا، وتفقد قيمتها من الناحية العملية، وهو ما يفيد بالضرورة إهدار الحماية التي فرضها الدستور والمشرع – كلاهما – للحقوق على اختلافها وتكريس العدوان عليها، وتعطيل دور القضاء المنصوص عليه في المادة 65 من الدستور في مجال صونها والدفاع عنها، وإفراغ حق اللجوء إليه من كل مضمون” (الطعن رقم 2 لسنة 14 ق دستوريه، جلسة 1993/4/3).

د. مجدي الشبعاني‎

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 17.