تونس في رعب: هل ينفّذ قائد الجيش وعده بإنقاذها؟

'انا هو' الضامن لاستقرار البلاد

‘انا هو’ الضامن لاستقرار البلاد

طالب تونسيون كانوا يواكبون مراسم دفن القيادي والمعارض اليساري الراحل شكري بلعيد، رئيس أركان الجيش رشيد عمار بالتدخل وأخذ زمام المبادرة في أهم القرارات المتعلقة بالشأن التونسي، في دعوة ضمنية له لإبعاد حكومة “الترويكا” من مركز القرار بعد أن فشلت في تأمين الحد الأدني من الاستقرار للبلاد التي تتدهور أوضاعها الأمنية من يوم إلى آخر في وضع إقليمي متدهور هو ايضا.

وطالب بعض المشيعين الذين رددوا هتافات مناهضة للحكومة ولحركة النهضة، وتحديدا رئيسها راشد الغنوشي الجنرال رشيد عمار بحماية الثورة كما وعد بذلك من قبل.

ودعا المحتجون امام المقبرة إلى كشف حقيقة مقتل شكري بلعيد، مؤكدين انهم لا يثقون في إمكانية ان تكشف حكومة النهضة فاقدة الثقة هذه الحقيقة كما هي وان على رشيد عمار الرجل القوي في الجيش التونسي ان يفي بوعده بحماية الثورة والثوار.

وكان آلاف التونسيين من أنصار الجبهة الشعبية ومن الأحزاب الليبرالية والعلمانية وجميع القوى الديمقراطية توافدوا في وقت سابق اليوم للمشاركة في تشييع جنازة القيادي الراحل والمعارض البارز شكري بلعيد بالعاصمة التونسية، والذي اغتيل الاربعاء برصاص مجهولين.

وانطلق موكب تشييع الجنازة بعد صلاة ظهر الجمعة سيرا على الأقدام باتجاه المقبرة اين دفن جثمان بلعيد الثرى، وسط إجراءات أمنية مشددة من قبل الجيش التونسي.

ويشير المحتجون بدعوتهم لتدخل الجيش إلى تعهد الجنرال عمار في 24 يناير/كانون الثاني 2011 لمحتجين في ساحة القصبة بالعاصمة التونسية كانوا يطالبون برحيل حكومة محمد الغنوشي التي تشكلت بعيد هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بأن الجيش التونسي هو الضامن للثورة مضيفا القول الجيش هو حامي العباد والبلاد.

وقال عمار لحشد المتظاهرين الغاضبين أمام مقر الحكومة التونسية “نحن أوفياء لدستور البلاد.. ونحن حماة الدستور ولن نخرج عن هذا الاطار”.

واضاف الجنرال عمار في محاولة لتهدئتهم “لا تضيعوا هذه الثورة المجيدة، انا صادق وكل القوات المسلحة صادقة لكي تصل بالسفينة الى شاطئ السلام”. وحين سأله أحد المتظاهرين عن الضمانات، أجاب “انا هو، أنا هو”.

وحذر الجنرال عمار من “الركوب على ثورة الياسمين” ومن الفراغ. وقال ” ثمة قوى تدعو الى الفراغ، والفراغ يولد الرعب والرعب يولد الدكتاتورية”.

واليوم وبعد مرور سنتين من ذلك التاريخ، يقول مشيعو بلعيد وعدد كبير من التونسيين الغاضبين على اداء حكومة النهضة التي تتمسك بشرعية انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الاول 2011، إن الفراغ الذي حذر منه الجنرال عمار قد حل بتونس بعد، وحل معه الرعب والممارسات الدكتاتورية.

ويقول مراقبون إن الاختلاف العميق الآن بين أطراف الترويكا وخصوصا بين الجبالي والغنوشي، والفوضى الأمنية والمخاوف من فوضى السلاح وتغول السلفيين وتأثيرات الجوار الليبي والجزائري، قد تدفع الجيش إلى ان يأخذ على محمل الجد مطالب المحتجين ليتدخل فعلا ويمسك بمقاليد الأمور في تونس إلى حين تتوضح الاوضاع المقلقة وترسو تونس الى بر الأمان من جديد.

ويساهم اختلاف شركاء الحكم في ما يعرف بتحالف الترويكا التي تتشكل من حزب النهضة الاسلامي وحزبي التكتل والمؤتمر العلمانيين، بشان التحوير الحكومي في تعميق ازمة البلاد التي تشهد انعدام استقرار أمني واقتصادي بشكل غير مسبوق.

ويقول مراقبون إن التأثير السلبي لهذا الفريق الحزبي على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد لن يتوقف عند هذا التدهور الامني الذي أسفر عن مقتل معارض سياسي بالرصاص في اول عملية اغتيال سياسي في تونس ما بعد الاستقلال عن فرنسا في العام 1957، وإن تونس تنتظرها محطات صعبة من الأزمات الاخرى سيما وأن الاختلاف قد تدحرج ليطال حزب النهضة الاسلامي نفسه بعد الانشقاق الواضح في المواقف بين راشد الغنوشي رئيس الحزب وأمينه العام والوزير الاول حمادي الجبالي وما قد يخلفه من تصدع في الحزب بما قد يجعل عددا كبيرا من منتسبيه الغاضبين من تراجع الحزب عن الدفاع عن دستور إسلامي للبلاد، ربما يلتحقون بأحزاب اسلامية اخرى أعلنت خطا أكثر تشددا من النهضة وهو ما قد يزيد من رفع منسوب الاحتقان الاجتماعي في البلاد.

وتتهم قوى المعارضة التونسية حكومة النهضة بالعجز عن السيطرة عن الاوضاع الامنية داخليا كما عجزت عن تأمين حدود البلاد ضد مختلف صنوف تهريب البضائع بما في ذلك الاسلحة التي اعلنت الحكومة نفسها أنها ما فتئت تغرق الساحة التونسية والتي بدأت المؤشرات الأولى لنتائجها اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد.

وفي دولتي الجوار وبينما تلهت ليبيا بمعالجة أوضاعها الدخلية غير المستقرة، تنظر سلطات الجزائر الجار القوي بعين الريبة إلى ما يحصل من تطورات في تونس بينما تشهد العلاقات بين البلدين فتورا متزايدا.

وإضافة إلى عدم ترحيب الجزائر بالوافد الإسلامي الجديد في جارتها الشرقية، يقول محللون في كل من تونس والجزائر إن عجز الحكومة الاسلامية عن ضبط الأوضاع الأمنية في البلاد وعدم تحركها للسيطرة على نشاطات العناصر الجهادية المتطرفة أصبح يقلق الجزائر بشكل كبير.

واعلنت الجزائر ان اكثر من 10 إرهابيين تونسيين قتلوا في الهجوم العنيف على منصة عين أميناس النفطية. ولا ينتظر ان تبقى الجزائر التي لا تخفي مسانتدتها لزعيم حزب حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، صامتة الى ما لانهاية وهي تواجه تهديدات امنية يمكن ان تأتيها من جارتها تونس.

ويقول تونسيون إن مصلحة بلادهم تبقى دائما في عدم اثارة غضب الجار الجزائري القوي، وإن هذا الامر لن تقدر حكومة لا تعي حجم الاخطار التي تتربص بالبلاد من الجانب الجزائري، على أن تفهمه وتحسب له الف حساب.

ويرى هؤلاء إنه بات لزاما على كل من يخاف على مستقبل تونس حتى ولو كان الجيش التونسي، ان يتحرك لإبطال سياسة الحكم العبثي والتي تشارف على إسقاط دولة عريقة لم تتعود على مثل هذا الوهن حتى في احلك فترات الاستبداد والضعف الاقتصادي.

ويتمتع الجنرال رشيد عمار بثقة الشعب التونسي حيث يدين له التونسيون بأنه ساهم في عملية خروج بن علي خارج البلاد عندما حيد الجيش في مواجهة بن علي مع التونسيين ليجنب بلادهم حمام دماء كانت ستسقط فيه مثلما حصل في اكثر من بلد عربي وما يزال يحصل في سوريا حاليا.

ويعتقد كثير من التونسيين أن طبيعة الجيش التونسي وعقيدة الحياد وعدم الخوض في الشأن السياسي التي تربى عليها هي ما قد يجعلهم يصعّدون من مطالبتهم له بضرورة إنقاذ البلاد وإعادة الأمور إلى نصابها، لأنهم على ثقة مطلقة بأنه لن يتمسك بالسلطة، إذا ما اقتضت طبيعة المرحلة أن يتسلمها مرحليا في انتظار ان تنجلي عن البلاد مرحلة الفوضى العارمة التي تردت إليها.