قصة الدنماركي الزوفري و الليبي المؤدب للغاية

بقلم:

هل تخلو الدنمارك و فنلندا و نيوزيلندا من تواجد أي زوفري في الجهاز الإداري الحكومي مما جعلها مزهوة بكونها الدول الأقل فسادا على مؤشر الفساد الصادر من منظمة الشفافية الدولية ؟ هل كل من تلد من النساء هناك لا تنجب سوى غير اللصوص الحالمين بالثروات غير المشروعة و غير موظفي القطاع العام الفاسدين فوصلت بلدانهن بذلك إلى ما وصلت إليه؟ ما هو الرأي الأصوب الذي نتبعه لكي نكون مثلهم؟ الأمر سهل وبسيط كل ما نحتاجه هو قانون للعزل السياسي نعزل بموجبه كل من أفسد و كل من نفترض أن لديه جينات للفساد فنمنعهم من تولي الوظيفة العامة بكل مستوياتها لنوجد هياكل حكومية ليس بها سوى المؤدبين الخلوقين الطيبين الطاهرين و تصبح ليبيا الدولة الرابعة التي تشترك مع ثلاثة دول في المركز الأول على المؤشر.

لا ريب أن صاحب هذا الرأي تفكيره حالم فهو لا يدرك أبعاد و تعقيدات النفس البشرية و يقوم بتبسيط المسائل و تسطيحها فلا يرى منها سوى القشور لذا سنسدي إليه خدمة ونحكي بصوت عال بجانبه و هو يحلم أثناء نومه العميق لعله يستفيق، هيا بنا نبدأ حكاياتنا الغير مسلية، أيها النائم من يا ترى المتسبب بالفساد في ملف الجرحى؟ هل هو السفتول معتوق أم هو الزوفري بوكراع أم تراه الساقط نصر المبروك أم ربما المجرم السنوسي الوزري أم هم نفر من المستهدفين بقانون العزل السياسي؟ للأسف من أفسدوا ليسوا من بين كل هؤلاء الفاسدين!! من نهب أموال الجرحى أيها النائم أشخاص قريبون من الثوار المقاتلين في الصفوف الأولى و قريبون ممن أداروا الأمور من بين المجالس و المكاتب بأنواعها و مسمياتها المختلفة و إلا ما كان لهؤلاء السارقين أن يتولوا ملفا بهذه الأهمية القصوى مكنهم من التربح من المال العام على الرغم من كونهم من غير المستهدفين بقانون العزل السياسي و على الرغم من آلام الجرحى و تضحياتهم و أطرافهم المبتورة و على الرغم من الحالة الإنسانية الملهمة، هل استيقظت الآن أيها النائم؟ جيد، لأنني كنت على وشك أن أستمر في إزعاجك و كنت سأحكي بجانبك حكاية المصرف المركزي و حكاية المؤسسة الليبية للاستثمار و حكايات أخرى كثيرة.

أيها النائم ما يحول بين مواطني الدول مضرب المثل في الشفافية و بين التلاعب و الرشوة و الفساد ليس ملائكيتهم و سمو أخلاقهم و حسهم الوطني العالي و كذلك ليس خلوهم جينيا من بكتيريا الفساد بل السبب وجود آليات لمكافحة الفساد و آليات للرقابة على المال العام تسبب غيابها و تغييبها في ظهور ملفات للفساد في ليبيا الجديدة، الأمر في هذا المقام لا يتعلق بأشخاص إنما يتعلق بالأساليب و الرؤى و الطرق المحاسبية و نظم المراجعة و آليات الرقابة المحكمة، أيها النائم إن التغيير المجتمعي الذي يصنع حالة من الرفض العام للفساد يحتاج إلى ممارسة و إلى وقت و إلى أجيال فالمبتغى ليس زرا نكبسه فيتحقق المراد في الحال، أيها النائم اعمل على تحصين المناصب التشريعية و المناصب السياسية التنفيذية العليا في الدولة وهي لا تزيد عن مئتي منصب بمعايير الكفاءة و نظافة اليد و السجل الناصع، أيها النائم اجعل العمل العام مغرما لا مغنما فسيكفيك ذلك طمع الفاسدين الطامعين ولن يتقدم لشغل الوظيفة إلا من رغب في تحمل المشاق لخدمة المجتمع، أيها النائم أصلح القضاء و طهره و اعتنِ به فالقضاء الصالح كفيل بألا يفلت المجرمون من العقاب و كفيل بردع كل من لديه الاستعداد الفطري للإصابة بجرثومة الفساد، أيها النائم انهض و اغسل وجهك بالماء البارد و دع عنك أفكارا لن تزيد الوطن إلا هما و تشرذما و تعطيلا و إضاعة للوقت و الجهد.

خليل الكوافي

الكاتب:

اقتصادي ليبي

عدد المقالات المنشورة: 7.