بالحوار والمصالحة نبني الدولة الناجحة

بقلم:

ندخل السنة الثالثة بعد سقوط نظام القذافي والوضع في ليبيا لا يزال ضبابيا, فإذا كان سقف الطموحات قد ارتفع كثيرا بمجرد الإعلان عن نهاية عهد القذافي إلا ان حجم تلك الآمال بدأت في الانحسار تدريجيا وانخفض سقف المطامح بدرجة جعلت البعض يعلن عن رضاه عن ما كان ويتحسر على أيام حكم القذافي الخوالي برغم مرارتها! ذلك بالطبع مؤشر خطير ينبغي الوقوف عنده اذ لا يجوز ان تكون نتيجة التغيير الثوري مخيبة للآمال لأنه وفق النواميس الطبيعية ينبغي ان تكون نتائج التغيير ايجابية وتلبي طموحات الشعب في التحول إلى الأحسن وإلا ما جدوى الثورة وما قيمة التضحيات التي قدمت فيها!؟

كل ما جرى ويجري الآن في ليبيا من قتل واختطاف وتعذيب وكل صور اختراق حقوق الإنسان مصدره روح الانتقام والثأر التي خلفتها حرب الشهور الستة بين الليبيين تحت قطبي نظام القذافي من جهة وثورة 17 فبراير من جهة أخرى, تلك الحرب التي خسرت فيها ليبيا الكثير من رجالها من الطرفين وخلفت جرحا غائرا في ذاكرة الليبيين وثقبا في نسيج اللحمة الوطنية الأمر الذي يتطلب وقفة جادة من الجميع على مختلف أطيافهم وطموحاتهم للتفكير فيما هو أولى وكفيل بتضميد الجراح ورتق النسيج الوطني.

ليس لليبيين بد من أن يتناسوا أحقادهم ويتساموا بأنفسهم إلى ما هو اكبر من المصلحة الشخصية أو الجهوية أو القبلية…إلى مصلحة الوطن حاضن الجميع, ليس أمام الليبيين من خيار إلا خيار الالتقاء على طاولة الحوار الوطني الهادف فبالحوار وحده يمكن لليبيين أن يؤسسوا لدولتهم الجديدة عندما يلتقون وجها لوجه حول طاولة مستديرة لا متميز فيها ولا زعيم! فيضعون أحقادهم وضغائنهم جانبا ويرمون شهواتهم الذاتية المدفوعة بروح غرائزية مقيتة خلف الأسوار..الحوار ولا شيء غيره هو الحل المفقود في الحالة الليبية وهو السهل الممتنع الذي بدونه لا أمل البتة في قيام دولة ليبيا الجديدة كما ينشدها الجميع!. يحتار المرء ويتسائل ما الذي يمنع الليبيين من الجلوس مع بعضهم وجه لوجه ليتحاورون في صراحة وشفافية عن كل ما يهمهم ويشغلهم؟! يلتقون ليتدارسوا ويناقشوا شكل النظام السياسي لدولتهم الجديدة ويحددون معالمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟! ما الذي يمنع الليبيين من الحوار الصريح فيما بينهم فينطلقون من قواسم مشتركة تتمثل في الثوابت الوطنية التي هي نقاط التقاء تجمعهم ولا تفرقهم وتشدهم إلى بعض؟!

من منطلق الروح الوطنية على الليبيين الالتفاف ودعم كل مبادرات الحوار الوطني وصهرها في بوتقة واحدة تحت رعاية المؤتمر الوطني العام الذي يبدو متقاعسا عن دوره التاريخي في مثل هذه الظروف الحرجة! وينبغي ان تكون بالنتيجة الحكومة داعمة وممولة لبرنامج الحوار الشامل الذي يحتوي كل الليبيين بدون أية قيود أو شروط فنجاح أي مبادرة مرتبط جذريا بشموليتها واحتوائها كل الأطياف ممثلة في كل المناطق والقبائل دون استثناء. بكل روح وطنية ليس أمام الليبيين إلا الحوار ثم الحوار ثم الحوار فبالحوار سيصلون إلى حالة من التوافق الوطني تجعلهم الأقرب إلى المصالحة الوطنية التي هي جسر العبور الوحيد لبناء الدولة الموعودة التي ينشدها الجميع.

نعم انه بالحوار الوطني الجاد يمكن التأسيس لمصالحة وطنية حقيقية تكون اللبنة الأولى لبناء الدولة فلا مصالحة وطنية بدون حوار وطني جاد ولا دولة بدون مصالحة وطنية, فهل يدرك الساسة ذلك ويسارعون الخطى من اجل التعجيل بالحوار ثم المصالحة؟! ويحاولون تعويض ما فاتنا من وقت, إن ليبيا الدولة لا يمكن بنائها إلا بجهود جميع أبنائها متكاتفين متحدين مهما اختلفت وجهات نظرهم وأفكارهم وان ليبيا الدولة لا يمكن لها أن تقوم إلا على عواهل جميع الليبيين. أن قيام الدولة لم ولن يكتب له النجاح إلا بتضافر جهود كل الليبيين وانه لا مجال لمنتصر أو مهزوم فإما أن ينتصر الجميع وأما أن ينهزم الجميع. وأنه اذا, لا مندوحة من التوافق الوطني والشروع الفوري في الحوار البناء بين كل مكونات الشعب من قبائل ومناطق ومدن.

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: ادريس امنينة 2016/09/26

    السلام عليكم
    بارك الله فيك فعلا لابديل عن الحوار مهما بلغت خلافاتنا

تعليق واحد