شابا عمره 27 سنة يدق إسفينا جديدا في نعش الجزائر

بلد متفسخ

بلد متفسخ

الجزائر ـ قالت مصادر طبية جزائرية إن شابا عمره 27 سنة، لفظ أنفاسه الأخيرة بمستشفى مدينة باتنة الجامعي بعد أن ظل يرقد بقسم الحروق فيه لمدة أسبوع بسبب احتراق أجزاء عديدة من جسده.

وذكرت صحيفة الخبر الجزائرية التي اكتفت بذكر الحرفين الأولين من اسم ولقب الشاب الضحية (ف. ك) ان الشاب انتحر حرقا بعد مشادة مع عناصر الامن البلدي.

وشهدت الجزائر أربع محاولات للانتحار معلنة، احتجاجا على عدم توفر السكن والبطالة، في 2011.

وهذه هي حالة الانتحار حرقا الخامسة والتي تم الكشف عنها في الجزائر، منذ العام 2001 الذي شهد اندلاع الاحتجاجات في تونس البلد المجاور إثر إقدام الشاب محمد بوعزيزي على إضرام النار في جسده احتجاجا على صفعة وجهتها له فتاة كانت تعمل بالشرطة البلدية في مدينة سيدي بوزيد.

وكان الشاب الجزائري قد اضرم النار في جسده قرب مقر الأمن البلدي ببلدية المحمل الواقعة شرقي محافظة خنشلة (شمال شرق الجزائر) إثر خلاف جد بين شقيقه وبين رئيس بلديّة المكان، قبل أن تتدخّل قوات الأمن الجزائري لتلقي عليه القبض “انتصارا” للمسؤول البلدي.

وقالت صحيفة “الخبر” الجزائرية إن الضحية استغل اقتياد أخيه إلى مخفر الشرطة لسماعه بعد شكوى رئيس البلدية به نظرا لاعتصامه داخل مقر البلدية رفقة أفراد أسرته، ليصعد إلى أعلى سور مقر الأمن البلدي، ويصب كمية كبيرة من البنزين على جسمه، ويضرم فيه النار.

وكان سكان بلدية المحمل قد نظموا مسيرة سلمية تنديدا بالحڤرة والتهميش، وطالبوا بتطبيق العدل بين الجميع ومحاربة العنصرية والقبلية فيها.

وفي بلد يملك مدخرات مالية ضخمة من عائدات مبيعات البترول، تخرج بين مناسبة واخرى قطاعات واسعة من المواطنين الجزائريين وفي مختلف جهات البلاد ومدنها، للتعبير عن سخطها من تدهور مستوى معيشتها وارتفاع قياسي لأرقام العاطلين عن العمل.

وتشكو قطاعات واسعة من الشعب الجزائري من الفقر المدقع، ومن غياب يكاد يكون كليا للخدمات المتربة لفائدتها عن الدولة خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والتشغيل.

وطيلة الفترة التي شهدت انتشار الاحتجاجات في أكثر من بلد عربي تحت يافطة ما يعرف بالربيع العربي، ظل المراقبون يتساءلون عما إذا كان النظام الجزائري سيلحق بجاريه نظام زين العابدين بن علي والعقيد الراحل معمر القذافي.

وبن علي اطاحت به احتجاجات شعبية اطلق شرارتها انتحار محمد بوعزيزي، والثاني هزت اركان حكمه حركة احتجاجية مسلحة دعمتها قوات الحلفي الأطلسي بتأمين غطاء جوي للمقتلين.

ونجحت السلطات الجزائرية في كبح جماح رغبات الجموع الغفيرة في الاقتداء بما حصل في تونس وليبيا ومصر واليمن معتمدة على سياسة الترهيب تارة، والترغيب وشراء ذمم الجزائريين كما يقول محللون، تارة أخرى.

وأبدت الحكومة الجزائرية موقفا أمنيا متشددا ضد الحركات الاحتجاجية المطالبة بالتشغيل وبغيره من الحقوق الاساسية للمواطنين، متذرعة في ذلك بخطر الإرهاب وبخوف الجزائريين من احتمال انزلاق بلادهم مرة أخرى إلى وضع مماثل لما يطلق عليه في الجزائر بـ”العشرية السوداء”، في وصف لعقد من المعركة الأمنية الشرسة التي خاضتها الجزائر ضد الإرهاب الديني في تسعينات القرن العشرين، والتي اسفرت عن ما يزيد عن الـ200 ألف قتيل وفقا للأرقام الرسمية.

كما نجت السلطات الجزائرية في شراء صمت الجزائريين بحلول يصفها المراقبون بالترقيعية، مثل الزيادات في الأجور والزيادة في نفقات الدعم لبعض المواد الاستهلاكية، والرفع في مخصصات الاستثمار في قطاع السكن.

ويقول الجزائريون إنهم كانوا سيتمتعون بمستوى معيشيا من أفضل ما هو موجود في المنطقة على الأقل لو أن الأموال الضخمة المتأتية من تصدير الثروات البترولية، يتم توجيهها الوجهة الصحيحة في تنمية البلاد اقتصاديا واجتماعيا.

وتعتبر الجزائر واحدة من أكثر الدول العربية بل وفي العالم انتشارا للفساد.

وكانت قضية الفساد عالمية الأبعاد داخل الشركة الوطنية للنفط الجزائرية “سوناطراك” أحدث شاهد على أن سرقات الأموال في الجزائر تكاد تكون سياسة رسمية للدولة.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول “إن تكلفة الرشوة باهظة جدا بالنسبة للجزائريين.. فقد أفرزت دولة متفسخة وسلطة تستمد ديمومتها من الريع، واقتصادا على حافة الإفلاس وتفقير وتهميش أعداد كبيرة من المواطنين، ونسبة عالية جدا من البطالة ‘على عكس ما تقوله السلطات بأن البطالة تراجعت’، وإدارة عمومية عشش فيها الفساد”.

ويؤكد علماء اجتماع جزائريون أن سياسة هروب السلطات الى الأمام وغضها الطرف عن حالة الاحتقان الشديد الذي يسم الوضع الاجتماعي في الجزائر، لن تجدي نفعا في كبح الأوضاع إلى ما لانهاية له رغم ما يبدو من استقرار اجتماعي “خادع”.

ويضيف هؤلاء أن الوضع الجزائري مهدد بالانفجار في اية لحظة بسبب إمعان السلطات في التمويه على الجزائريين بخطاب مضلل عن الواقع الاقتصادي والوضع السياسي الذي تكشف الأحداث عن كونه يتدهور من يوم الى آخر.

وأحد ابرز الأدلة على هذا التدهور إلى حد الانحطاط كما يقول علماء الاجتماع، أن رئيسا عاجزا بحكم اعتلال وضعه الصحي، ما يزال يفكر في البقاء رئيسا لعهدة رابعة وربما إلى ما لا نهاية.