القبلية والقيادات الوافدة

بقلم:

على مر التاريخ الليبي شكل الإنقسام القبلي عبئاً ثقيلاً على كاهل الأمة، فالإنتماء القبلي والزعامات القبلية هي التي شتت أوصال الدولة في نهاية القرن التاسع عشر بعد توحدها أيام القرمانليين، والزعامات القبلية هي التي تلقت مساعدات المحتل لتقود حروب أهلية طاحنة في العشرينات من القرن العشرين، والزعامات القبلية هي التي ذهبت إلى تأسيس إمارات ودويلات وكانتونات قزمية أصبحت مثلاً للزعامات القبلية الحالية في نشر ثقافة الإنقسام والتشردم. وبذلك حُفظ في الذاكرة الشعبية الليبية فلسفة الإنتماء إلى القبيلة وإلى الجهة، أما الوطن فلا طاعة لقوانينه، ولا إحترام لمواثيقه، ومال الوطن مغنم ومؤسساته مستباحة، والوظيفة مكرمة، والربح كل الربح ما تم غنيمته من المال العام أو ما تم الحصول عليه من مشاريع الدولة بلا تخطيط أو دراية، وبذلك أصبح تنازع القبيلة/القرية أو المدينة مع الحكومة والدولة أسلوب شائع عند الحكومات الليبية المتعاقبة.

ومما زاد الأمر سواً تفكيك الدولة في عهد القذافي وتمييع بل وإستبدال الترابط الوطني بالإنتماءات المشاعة، مثل الجنسية العربية والإتحاد الأفريقي، مما جعل الجميع ينكفي إلى القبيلة في الدواخل وإلى الجهة في الحواضر، ولا يحتاج ذلك إلى عناء البحث، فجميع وثائق الهوية لا تخلوا من إسم المنطقة والقبيلة واللحمة، ناهيك عن توزيع المناصب تبعاً للبعد القبلي. هذا النهج القبلي/الجهوي لم يشكل تهديداً حقيقياً لسلطة الدولة في ذلك الحين، لما للقبضة الأمنية من قوة تحول دون التفكير في ذلك. ومع تنسم الجميع للحريات التي أطلقت بعد ثورة السابع عشر من فبراير وما رافق ذلك من ضعف الحكومة، عادت القبلية/الجهوية إلى سابق عهدها بل بقوة لم يشهد لها التاريخ الليبي مثيل، وكان من نتائج الإنقسام القبلي قديما وحديثاً تكوين إصطفافاً معادياً للأخر، يرنوا إلى الشخصيات والحلول الوافدة، على أمل أن تتحصل زعامة القبيلة/الجهة على المكاسب المرجوة. هذا الوضع ساعد الوافدون على الدفع بأنفسهم لتحقيق أمالهم على الأرض الليبية بسهولة ويسر (يقول المثل الليبي من وصَل الطليان للكفرة). يقول التجاني في رحلته عن المغامر الأرميني المملوك قراقوش، “أنه وما إن وصل قراقوش إلى طرابلس حتى إجتمع عليه (بعض زعما القبائل) ونهضوا معه.

وفي العصر الحديث جاء السنوسي الكبير إلى ليبيا وفتح العديد من الزوايا السنوسية في شرق وجنوب ليبيا وفي بعض واحات ومدن تشاد، هذا الصوفي وُلد بمستغانم بالجزائر سنة 1787 وتوفي بالجغبوب سنة 1859 م، وبعد أقل من مئة سنة إستطاع حفيدة محمد إدريس من إعتلاء عرش المملكة الليبية بمساندة قبائل ليبية وسواعد محلية، بعد أن أزاح الكثير من الوطنيين مثل بشير بك السعداوي والسراج وأحمد زارم وغيرهم. ويذكر لنا التاريخ أن السنوسي الكبير لم يكن مهتماً بالسلطة، ولكن حفيده كان ممن ساهم في إقامة إمارة برقة قبل الإستقلال، ثم القبول بالفيدرالية بعد الإستقلال (التي كان يرفضها جل الشعب الليبي في ذلك الحين) ، وبذلك سن سنة سيئة لا زالت ليبيا تعاني من تبعات نموذج الفيدرالية حتى الآن. رغم ذلك لا أحد يقلل من مقدار التسامح والإنفتاح الذي ساد عهد المملكة.

المغامر الآخر الذي إستطاع أن يتصدر وسائل الإعلام بسبب عمله المشين هو المدعو جضران ومن معه في المكتب السياسي لإقليم برقة، ومن يقف من وراءه من شيوخ القبائل، وبعض المنادين بالفيدرالية ، هذا المغامر (الذي تحصل أبيه على الجنسية العربية حديثاً) رغم أن عدد المنضمين إلى صفحته على الفيس بوك لا تتجاوز 19000 خلال خمسة أشهر، إلا أنه بقوة السلاح إستطاع إيقاف أكثر من 20 حقلاً عن العمل، والتي يتجاوز إنتاجها العادي 80000 برميل نفط يومياً، مما ألحق الدولة الليبية خسارة (إنتاج) تقدر ب 10 بلايين دولار، غير خسائر التشغيل وقد يتوقف إنتاج بعض الأبار كليا عن العمل بسبب إنخفاض الضغط. ورغم التصريحات وإجتماعات زعماء القبائل اللذين يمارسون النفاق السياسي حيناً ومغازلة المغامرون أحياناً فإن معظم جهودهم في هذه القضية أو غيرها تبؤ بالفشل.

آخر الوافدون (وفي آخر طبعة) ما يُقام بتسويقه للشعب الليبي، والذي راجت حوله الشائعات بأنه الفارس المنقذ، ألا وهو السيد عبد الباسط قطيط (أتيت) كمرشح لرئاسة الوزراء (قبل أن يصدر قرار حجب الثقة عن الوزارة القائمة)، وفقا لما نشرته مجلة فوريس السيد قطيط رجل أعمال (وعارض أزياء سابق)، ليبي الأصل سويسري الجنسية صهر رجل الأعمال اليهودي برونفمان، وتقول عنه المجلة أن جزءا ً كبيراً من أعضاء المؤتمر يقدر ب 140 صوت على إستعداد لإنتخاب قطيط إذا ما رشح نفسه (وهذا قد لا يمت إلى الحقيقة بشئ سوى التهويل الإعلامي). ولقد قامت الدكتورة فاطمة الحمروش بإستعراض شخصية قطيط بإسهاب في مقال على موقع ليبيا المستقبل.

إن إستعراض المشهد القبلي/الجهوي السابق يؤكد أنه رغم إنتشار التعليم والإنفتاح على العالم، الذي يعتبر القبلية نظام إجتماعي/سياسي بدائي عفا عليه الزمن ولم يعد صالحاً لإدارة الدول في القرن الواحد والعشرين، إلا أن النخب السياسية لم تستطيع الخروج من دائرة هذا النفق المظلم، وربما لا تستطيع قبل إرساء البديل المتمثل في مبادئ المواطنة؛ من العدل والمساواة، تحت مظلة الحكم الرشيد، وحتى يتم ذلك سنرى العديد من القادة الوافدين على الأرض الليبية.

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 75.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: احميدي الكاسح 2016/09/19

    تبا للنفط ، أين هي ليبيا ، وقد الغيت بالغاء دستور المؤسيسين
    الحقيقه إن برقة هي” ليبيا سوبريور و انفريورـ التابعين لمجموعة
    Oriens (17] provinces) :[1] Libya Superior; [2] Libya Inferior; .. [4] Aegyptus Iovia; [5]
    ِAegyptus Herculia; [6] Arabia Nova);.. [15] Cyprus.. 17] Osrhoene ، ”
    أما طرابلس فجزء من أقريقيه (تونس Africa (7 provinces)) وبهذا يؤرخ ابن خلدون بكتابه التذكار المحقق من المرحوم الطاهر الزاوي (ص، 307) وبحدودها،إن مستقبل ليبيا الحاليه بسبب التأريخ ولعدم استجابة الطرابلسيين وتنكرهم لبرقة العربية منذ الفتح ولرفضهم دستور المؤسيسين “1951” والغائه من قبل الإنتقالي ، ليصير الأمرللحسم ، ودون نزاع وجدل حول النفط والقبائل والأحزاب والقتال. فلا توافق، ولا حاجة لجحيم النخب والساسه والكتبه،و ليعاد الأمر لنصابة قبل الدستور المعلن في 7 اكتوبر 1951، وليرتاح السيد الزاوي المستنكر للإسم ليبيا ونعته بالدخيل” ليكون كما يقول الزاوي”ص، 509 من كتاب جهاد الأبطال” ولكن فقط بشأن طرابلس، لأنه أصلا صحيح و يغطي برقة الرومانية والإغريقية وأيالة برقة (1869) وإمارتها الأولى والثانية 1917،1949، ليبيا الجامعه لأقاليمها وجزء من افريقيه هي فقط المملكة الليبية المتحدة لسنة 1951م.

تعليق واحد