دعوة للنضال من أجل التشبث بالأمل

بقلم:

حفزني للتفكير في كتابة هذه المقالة، حديث عبر الهاتف مع صديق كان، حتى وقت قريب، من أكثر المناضلين والنشطين السياسيين حماسة وحضوراً في الساحة السياسية، وقد وجدته في حالة مؤسفة من الإحباط والتشاؤم، وأخبرني بأنه قد قرر الانسحاب من الساحة والبقاء متفرجاً على ما يحدث.
قلت لهذا الصديق إني أرى مثله كل ما يحدث أمامنا وحولنا من حوادث وممارسات، لا تبعث على التشاؤم والشعور بالإحباط فحسب، بل لعل أقلها يدفع إلى الشعور بفقدان الوطن، وفقدان الثورة، وكل ما أنعشته فينا من آمال في التمكن من بناء الدولة التي ظللنا نحلم بها طوال عقود من الزمن، ودفعنا ثمناً لها تلك الدماء الطاهرة، والتضحيات الباهرة.

ولكني قلت لهذا الصديق أيضاً إنني –على الصعيد الشخصي- سوف أظل أكافح وأناضل، وسوف أظل أدعو أبناء وطني للكفاح والنضال، من أجل أن نتشبث بذلك الأمل في أن نتمكن، ولو بعد دفع المزيد من الثمن والمزيد من التضحيات، في وضع أسس صالحة لبناء الدولة الديمقراطية الآمنة المزدهرة، التي ننعم فيها، نحن الشيوخ، بما بقي في حياتنا من عمر، وينعم فيها أولادنا وأحفادنا بحياة آمنة مزدهرة، يعيشون فيها جميعهم سواسية تحت راية القانون والعدالة، وفي أجواء الحرية السؤولة، ويشمرون عن سواعدهم لبنائها وتطويرها حتى تعود لتأخذ مكانها بين الأمم الجديرة بالاحترام والعزة.

إن من أسهل الأشياء رمي السلاح، ورفع راية الاستسلام والخضوع، والانسحاب من ميدان الفعل والحركة.. لأن الفعل والحركة والصمود في الميدان، يحتاج إلى إرادة صلبة، تستند إلى وعي راسخ، ورؤية واضحة، حول ملامح الدولة التي نريد بناءها، والمقومات اللازمة لوضع أسس ذلك البناء ثم الارتقاء به حتى يعلو، متيناً شامخاً.

إن ما نراه ونعيشه بمرارة وألم وأسف على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا يسر على الإطلاق، بل منه ما يمثل فجيعة وخيبة أمل مؤلمة، ولكن استسلامنا له، وفرارنا من مواجهته، هو فجيعة وخيبة أمل أشد مرارة وإيلاماً… إنه مجرد إعلان مجاني عن ضعفنا وعجزنا، وخضوع ذليل لعوامل الإحباط والفشل التي تتزاحم علينا. ولهذا أرفع هذه الصيحة الموجهة لكل أبناء الوطن لأن نظل متشبثين بالأمل والتفاؤل، ونعمل من بعد على إيجاد الوسائل لجعل هذا الأمل وذلك التفاؤل يستندان إلى عوامل فعلية على الأرض، ينطلقان منها إلى حيز التحقق والفعل.

وجدير بنا أن يكون حاضراً في أذهاننا دائماً أن معركتنا هي معركة سياسية فكرية، أدواتنا فيها التعبير عن الرأي والدعوة له بالطرق السلمية المشروعة، لأن هذه الطرق هي الوحيدة الكفيلة بقيادة خطواتنا نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية. ومن ثم فإن علينا أن نعلن بقوة رفضنا للأساليب التي نشاهد البعض يمارسونها، أساليب العدوان على مؤسسات الدولة (إغلاق مقرات وزارات ومصالح ومرافق عامة)، إساءة معاملة المواطنين العاملين في هذه المرافق والمؤسسات، العدوان بالإهانة أو الخطف على بعض المسؤولين أو أفراد عائلاتهم، ناهيك عن استخدام أقصى أنواع العنف والإرهاب في اغتيال المواطنين، تحت مختلف الذرائع والتأويلات.

وإننا نؤمن بأن الأساليب الوحيدة المشروعة للتعبير عن الرأي أو المطالبة بالحقوق في الدولة الديمقراطية هي الأساليب السلمية، التي لا تستخدم فيها أي أدوات للإرهاب المادي أو المعنوي. ولا تمثل عدوانا على مصالح المواطنين أو سير عمل المؤسسات الرسمية والمرافق العامة.

إن الصورة تبدو شديدة القتامة، والأفق يلوح شديد الظلمة، ولكن لا خيار لنا سوى التشبث بالأمل في أن تتغير الصورة، ويلوح بصيص من النور من وراء الأفق المظلم، ثم نسعى بالطرق السلمية المشروعة لأن نكتسب القوة على الصمود في هذه الطريق، وليست تلك القوة سوى العمل الجماعي المنظم.. فما بقينا أفراداً مشتتين، سنظل ضعفاء وعاجزين عن الفعل، لا سيما في مواجهة أولئك الذين يسلكون السبل الأخرى، وهم منظمون مجتمعون، ويملكون قوة السلاح والعنف.

د. يونس فنوش

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 54.