أف للقبلية والجهوية وحتى الحزبية!!

بقلم:

مع مطلع كل يوم جديد يغمرنا الأمل بقدوم الأحسن والأفضل ويستمر تعلقنا بخيط الأمل حتى آخر ثواني من يوم يمضي, ويبعده عنا ميلاد يوم جديد.. وهكذا تتوالى أيامنا بين الترقب والانتظار مصبوغة عواطفنا بخلطة غريبة فيها كل المتناقضات!! من الخير إلى الشر.. ومن الخوف إلى الأمان.. ومن الرعب إلى الطمأنينة.. ومن الهدوء الى الاضطراب. تتقاذفنا أمواج تيارها شديد.. وقارب يطفو تارة ويغيب.. بفعل عاصفة نفخنا ريحها من أنين معاناتنا أملا في قادم يطوي مسافات الحزن ويغمرنا بآت سعيد.. وحين يختلط زبد البحر الأبيض بفقاقيع نفطنا السوداء!! تتشكل لوحة رمادية اللون على شواطئنا الدافئة فيتحول أفق الشاطئ إلى ما يشبه الدخان المتموج المنبعث من حريق تختلط فيه لحوم وعظام البشر مع نظيراتها من البهائم وخشائش الأرض والبحر وطيور السماء!! لتنتشر في الجو رائحة لم نتعودها فمنا من يختنق ومنا من يستنشقها بشراهة محيرة!!

هؤلاء هم الليبيون الذين يغرقونك بعبارات المجاملة!! ويجيدون فن استخدام الألفاظ في محاسنها بدرجة تجعلهم يقلبون مسميات الأشياء السيئة بأضدادها الحسنة!! (يسمون الأعمى بصيرا.. وسخان الشاي برادا.. وجمر النار عافية.. والفحم الأسود بياضا…الخ!!) ينتابك شعور بأنهم أصحاب خلق كريم وحضارة ورقي لا يدانيهم فيه احد! لكنك حين تغوص فيهم فتعاشرهم عن قرب قد تجد ما يوقف شعر رأسك تعجبا واستغرابا!! تجد ما لا يمكنك تخيله او تصوره!! حين ينقلب ذلك الهدوء وتلك الوداعة والبساطة الى عاصفة هوجاء!! تأتي على الأخضر واليابس وقد تقتلع جذور ما غرسوه لسنين طويلة..إنها حالة من الاضطراب تدفعها شدة عناد غير قابلة للانحناء حتى لو أدى ذلك للانكسار!! وعندئذ تتنهزم كل مظاهر الرقي والأخلاق والحضارة ليدرك حينها ان ذلك كان مجرد مظاهر زائفة ورتوش باهتة في مرسم متخصص للوحات الوهم والأوهام!!

حين يزداد الغيض ويتسع الغضب يدرك المتأمل ان حالة من الوهن تسري في قلوبنا نحن الليبيين وحينئذ لانمتلك الا ردة فعل قوية قد تخرب في لحظة حمق جائرة كل ما بذلنا وبنينا من عرقنا ودمنا!..ترخص لدينا الأشياء بما فيها تلك التضحيات الجسيمة التي قد يكون ثمنها أنفسا وأرواحا!! وتتهمش في مخيلاتنا الأشياء بما فيها تلك الانجازات العظيمة التي قد نحطمها في لحظة غضب وعصبية تدفعها روح جامحة للانتقام..للتخريب..للفساد الكبير!! حين تطغى العصبية على تفكيرنا ويقتل فينا حياء البوح بالصدق والحق ومروءة النظر الى بعضنا من زوايا الإنسانية..تغتال في نفوسنا محاسن الإنسان وتضرم النار في بقايا الضمير وتعدم فينا الأحاسيس بأننا أبناء وطن واحد ودين واحد فنتفرق أشتاتا متعصبين لقبلية نتنه وجهوية مقيتة تشدنا إلى الوراء قرون وقرون!

وحين تطفو القبلية والجهوية على سطح إرادتنا تغتال الحكمة مرتين.. وتقتل ضمائرنا ذبحا بالسكين.. فيرمى بالمروءة في هوة عميقة لا قرار لها ..تحرق مكارم الأخلاق ليصنع منها بخورا تودع به الفضيلة في مواكب جنائزية ليست مهيبة!! فتدفن في حفر سحيقة ثم تغطى بأديم الأرض الممزوج بدم ولحم فلذات أكبادنا الذين تفرمهم الة القتل الشيطانية والتي هي وبكل مرارة علامة وصناعة ليبية!! أف للقبلية والجهوية التي صيَرت منا شعبا بلا هوية.. ووطنا تهدم أركانه وتدك باسم الحرية..أف للقبلية والجهوية التي أفسدت علينا النسل والزرع والضرع.. وجعلتنا امة بل أمم تتناحر!! من اجل غنيمة رخيصة فماتت فينا مشاعر الإنسانية!!..أف للقبلية والجهوية وحتى الحزبية التي انتكست بحالنا فانهزمنا أمام جيوش الطمع وحب الذات والأنانية! أف للقبلية والجهوية والحزبية التي قوضت حلمنا وأملنا في أن نتنفس الحرية!! ها قد تضيع علينا فرصة أبدية!! وهذه حالنا ماذا بقى لنا من قول غير هؤلاء هم الليبيون وما ادراك ما الليبيون!!

د. عبيد الرقيق

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 177.