“المفخخات” جديد “ولاية سيناء” لمواجهة الجيش المصري

large-sina2

القاهرة – العربي الجديد

يُمكن قياس يوميات مصر، هذه الأيام، وفقاً للتفجيرات التي يقوم بها تنظيم “ولاية سيناء” في سيناء، ضد قوات الجيش والشرطة، والتي تنمو بوتيرة متصاعدة على كل المستويات، ما يضع البلاد أمام مستقبل غامض. وشهدت عمليات “ولاية سيناء”، منذ إعلان البيعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، تطوراً ملحوظاً مترافقاً مع نقلة نوعية كبيرة على المستوى التكتيكي والاستراتيجي، في ظلّ ادخال “سلاح المفخخات” إلى ساحة الصراع.

وبدأ التطور يظهر تدريجياً منذ استهداف موكب وزير الداخلية (سبتمبر/أيلول 2013)، واستهداف حافلتين لقوات الجيش في سيناء في العام الحالي، وتنفيذ عمليات مديريات أمن القاهرة والدقهلية وجنوب سيناء، التي يقوم بها شخص يُفجّر السيارة عن بُعد. ويُمكن إدراج الهجوم على حاجز كرم القواديس العسكري، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في خانة التطور النوعي، إذ بدأ بتفجير سيارة مفخخة، وأتبع بهجوم عناصر “ولاية سيناء” على الحاجز.

وفي آخر عمليات التنظيم، يوم الثلاثاء، استهدفت سيارة مفخخة كبيرة معسكراً للأمن المركزي في منطقة المساعيد، في مدينة العريش، محافظة شمال سيناء، وأدت إلى سقوط 42 شخصاً بين قتيل وجريح. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها “ولاية سيناء” السيارات المفخخة، بيد أن فعاليتها باتت أكثر وأقوى، منذ إعلان مبايعة “داعش”.

وتشير المعلومات إلى أن عملية التفجير تمت بواسطة سيارة مفخخة يقودها انتحاري، وكانت محملة بمواد شديدة الانفجار. وتوضح مصادر مطلعة أن “منفّذ العملية سار بناقلة مياه محملة بمواد شديدة التفجير، بعد دقائق من انتهاء حظر التجوال، وبدء حركة السيارات في المدينة عبر الطريق الموازي للمعسكر، وانحرف بالسيارة مسرعاً تجاه السور الخارجي للمعسكر. وعلى الفور، تعاملت قوات الحراسة مع الموقف وأطلقت النار على السيارة”.

تطوّرت عمليات التنظيم، وباتت تعتمد في الأساس على “المفخخات”، الأسلوب الذي اتبعه “داعش”، تحت مسمى “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، ضد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003. ويسعى “ولاية سيناء” عبر استخدامه المفخخات، إلى زيادة الخسائر الكبيرة في صفوف قوات الجيش والشرطة، مقارنة بالهجمات على حواجز أمنية، بالأسلحة الثقيلة، خصوصاً أن المفخخات تُقلّل الخسائر في صفوف التنظيم.

وتحقق المفخخات خسائر كبيرة بشرياً ومادياً في الأهداف المستهدفة، ولا يُمكن استدراكها مسبقاً، إلا من خلال رصد التحركات ومنع السيارة من الوصول إلى الهدف، وهو أمر يعدّ صعباً للغاية. ويكون الاعتماد في معظم عمليات التنظيم الكبيرة، على تفخيخ سيارة بكميات كبيرة من المتفجرات المصنّعة محلياً من مواد عضوية، يتم تفجير بعضها عن بُعد.

ونفّذ التنظيم عملية “نوعية” كبيرة في هذا الصدد، بالهجوم على مركز عمليات الجيش والشرطة، في مديرية أمن شمال سيناء واستراحة الضباط في العريش، والكتيبة 101 التابعة لقوات الجيش، أواخر يناير/كانون الثاني الماضي.

وأظهر البيان التفصيلي للتنظيم، بعد العملية، مدى ضخامة المفخخات المُستخدمة، فقد تمّ تفخيخ ثلاث آليات، من بينها صهريج، وأُعدت متفجرات تزن نحو عشرة أطنان. وبرز “تفاخُر” التنظيم بنشر التفاصيل الدقيقة، كون إعداد متفجرات تزن عشرة أطنان، يحتاج إلى ترتيبات كبيرة.

وتعكس كمية المتفجرات المستخدمة في الهجمات الأخيرة بشكل عام، وجود فائض مالي كبير لدى التنظيم، نظراً لكلفتها الباهظة، والتي ترتفع بحسب زيادة وزن التفجير، وفقاً لتقدير مصادر جهادية. وتفيد المصادر بأن “تجهيز السيارات المفخخة يحتاج أموالاً طائلة، فشراء المواد المستخدمة ليس سهلاً”. وذكرت أن “عمليات التنظيم هدأت، قبل مبايعة تنظيم الدولة، لقلة الفائض المالي”.

وعلى الرغم من تخصيص الجماعات الجهادية المسلحة، خبراء لتصنيع المتفجرات وإعداد السيارات المفخخة بطريقة احترافية، وتدريب الخبراء بشكل جيد لإتمام الأعمال المستهدفة، إلا أن استخدام “ولاية سيناء” هذه الكمية من المتفجرات يُعدّ سابقة، ويشير إلى إمكانية ألا يكون المُعدّ مصرياً، أو أن يكون مصرياً تلقى تدريبات احترافية على صناعتها.

ويبرز في سياق إعداد هذه الكميات من المتفجرات، وجود مكان آمن يتمكن من خلاله خبراء المتفجرات من إتمام عملهم، بمعزل عن الاشتباكات والمواجهات مع الجيش، نظراً للحاجة إلى خلط المواد المتفجرة بنسب معينة، لا تحتمل الخطأ.

كما أن الفترة المطلوبة لتجهيز هذه الكميات طويلة، وهذا يعني أن مكان الإعداد تم بعيداً عن نقاط الاشتباه في تواجد عناصر مسلحة، والتي يقوم الجيش بمداهمتها بناء على معلومات تصل إليه. ويكشف إعداد هذه الكميات من المتفجرات، أن سيطرة الجيش المصري على الأوضاع في سيناء لا تزال ضعيفة على أرض الواقع، فضلاً عن أن الوضع يطرح علامات تشكيك في نظرية الجيش عن أن “إقامة منطقة عازلة في سيناء، وتحديداً في رفح، يصبّ في صالح مواجهة الجماعات المسلحة”.

وبدا من عمليات التنظيم الأخيرة، ازدياد أعداد المقاتلين في صفوف التنظيم، الذي ربّما، يكون قد نجح في استمالة بعض الأهالي الممتعضين من الوضع الذي آلت إليه أحوالهم، بعد تهجيرهم من منازلهم وهدمها. لا يبدو مستبعداً أن ينحدر معظم عناصر التنظيم من سيناء، ما يجعلهم أكثر دراية ومعرفة بالطرق والمسالك داخل الصحراء، مقارنة بقوات الجيش، التي يأتي معظمها من خارج المنطقة.

ويتحرك عناصر التنظيم بحرية، نسبياً، في الطرق المعروفة، بينما تواجه قوات الجيش صعوبة في التحرّك في الصحراء لملاحقة المسلحين، خلافاً للتحرّك الطبيعي على الطرق الممتدة بين العريش والشيخ زويد ورفح. وكان القيادي في التنظيم، أبوأسامة المصري، الذي تبنّى في مقطع مصوّر عملية كرم القواديس، قد حذّر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من مغبّة الاستمرار في سياساته تجاه سيناء، والاستمرار في أعمال القتل. وأكّد المصري، الذي يظهر وخلفه أسلحة غنمها عناصر التنظيم خلال الهجوم، أن “ولاية سيناء لن يتوقف عن قتال الجيش والشرطة”، وتحدى السيسي قائلاً: “أرسل الجيش كله”.