دراسة: الفراغ السياسي في ليبيا يساعد على نمو «داعش»

get_img

وكالات

نشر “مركز كارنيغي للسلام الدولي” تقريرا لفريدريك ويري وآلاء الربابعة، حول نشوء تنظيم الدولة في ليبيا، قالا فيه إن الهجمات التي قام بها ما يسمى تنظيم الدولة، بما في ذلك قتل المصريين الأقباط والهجوم على فندق الكورينثيا والسيارات المتفجرة في القبة التي قتلت 45 شخصا والهجوم على السفارة الإيرانية.. كلها جعلت انتشار التطرف في ليبيا في مركز الصدارة.

ويقول الكاتبان إنه بالرغم من أن تنظيم الدولة قام بتكثيف نشاطاته في ليبيا مؤخرا، إلا أن وجوده هناك بدأ في عام 2014، عندما بدأ الجهاديون الليبيون بالعودة من سوريا. وكانت المجموعات الجهادية في ليبيا متشرذمة ومحلية، ولكن نشوء تنظيم الدولة في الفترة 2013- 2014، ولد جدلا جديدا، وقسم الجهاديين في ليبيا بين مؤيدين له ومؤيدين لتنظيم القاعدة في المغرب العربي.

ويضيف الكاتبان أن مشاركة الجهاديين الليبيين في سوريا بدأت عام 2011، حيث انضموا إلى فصائل جهادية مختلفة، أو أنشأوا فصائل خاصة بهم، مثل “كتائب البتار”، التي أعلن عنها المقاتلون الليبيون في 2012، في بيان مليء بالتمييز الطائفي ضد الشيعة، وشكروا أهالي درنة في شمال شرق ليبيا، التي اشتهرت بوجود المتطرفين الإسلاميين.

ويشير التقرير إلى أنه بعد ذلك أعلنت “كتائب البتار” عن مبايعة تنظيم الدولة، والقتال معها في سوريا والعراق، وحتى ضد منافسيها من تنظيم القاعدة. وفي شهر نيسان/ أبريل 2014، أعلنت “كتائب البتار” عن “استشهاد” 25 من مقاتليها في تفجير انتحاري قامت به جبهة النصرة في موقع لتنظيم الدولة.

ويبين الكاتبان أنه في ربيع 2014 عاد العديد من مقاتلي “كتائب البتار” إلى ليبيا، ونظموا أنفسهم تحت اسم “مجلس شورى شباب الإسلام” في درنة. وفي شهر أيلول/ سبتمبر، وصل وفد من تنظيم الدولة، يضم اليمني أبا البراء الأزدي، والسعودي حبيب الجزراوي، وبعد أن استقبلهما “مجلس شورى الشباب” قام الوفد بأخذ البيعة “للخليفة أبي بكر البغدادي” من مجلس شورى الشباب في درنة، ثم أعلنوا شرق ليبيا ولاية تابعة للتنظيم، وسموها ولاية برقة.

ويفيد التقرير بأنه بينما نظر الكثير من الإسلاميين، الذين شاركوا في الثورة الليبية، للحكومة الانتقالية بعين الرضا، إلا أن المتطرفين لم يكونوا راضين عن الحكومة؛ لأنها وصلت بوسائل ديمقراطية، ولوجود بعض رجالات القذافي فيها، ولعدم تطبيق الشريعة.

ويذكر الكاتبان أن إعلان “مجلس شورى شباب الإسلام” في درنة ولاءه لأبي بكر البغدادي تسبب بانقسام جماعة “أنصار الشريعة” في درنة (لا علاقة لها بأنصار الشريعة في بنغازي)، بين مؤيد لتنظيم الدولة ومؤيد لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري.

ويلفت التقرير إلى أنه في أيار/ مايو 2014، قام الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من الخارج، بشن حملة عسكرية أطلق عليها اسم “عملية الكرامة”، كان هدفها القضاء على القوات الإسلامية في منطقة بنغازي، وهذا ما جعل الفصائل الإسلامية تتقارب، وخاصة أن حفتر لم يميز في البداية بين الفصائل التي لها علاقة بالحكومة من تلك التي يدعمها الغرب مثل “درع ليبيا 1″، وبين الفصائل الجهادية المتطرفة مثل “أنصار الشريعة” في بنغازي.

ويوضح الكاتبان أن المليشيات الإسلامية وحدت صفوفها، ودخلت في حلف ضد قوات حفتر. ومع أن كثيرا من هذه المجموعات تنتهج سياسة إسلامية، إلا أن الكثير منها له جذور في منطقة معينة، وبالذات في غرب ليبيا، مثل مدن طرابلس ومصراتة، أو لها جذور إثنية مثل الأمازيغ، وأطلق هذا الحلف على نفسه “فجر ليبيا”.

ويورد التقرير أن الصراع بين حفتر في “عملية الكرامة” مع “فجر ليبيا” يهيمن على السياسة الليبية، وساعد الفراغ السياسي الذي تسببت به الحرب الأهلية، ونظرة إسلاميي ليبيا إلى حفتر باعتباره العدو الأكثر تهديدا على نمو تنظيم الدولة، في أن أصبحت المجموعات التي كان يمكن أن تشعر بأنها مضطرة لمواجهة تنظيم الدولة غير قادرة على ذلك، بسبب عدم امتلاكها للإمكانيات الكاملة لمثل هذه المواجهة.

ويجد الكاتبان أن هذه الدينامية أوضح ما تكون في شرق ليبيا، حيث يقاتل الإسلاميون المتطرفون والأكثر اعتدالا معا ضد حفتر. وبالإضافة إلى “ولاية برقة”، فقد وصلت قافلة من سيارات تنظيم الدولة إلى سرت في أواسط ليبيا، وأعلنوها “ولاية طرابلس”، كما أن هناك تقارير تشير إلى نمو خلايا لتنظيم الدولة في طرابلس وصبراته، وفي مناطق الصحراء جنوبي سرت.

ويشير التقرير إلى أن لـ”ولاية طرابلس” قيمة دعائية للتنظيم، حيث مكنته من عملية فندق الكورينثيا، والهجمات على حقول النفط في الباهي والضهرة جنوب سرت، التي تعد جذابة بالنسبة للتنظيم؛ بسبب وجود “أنصار الشريعة” في بنغازي، حيث أرسل التنظيم الشيخ البحريني تركي البنعلي إلى المدينة، لكسب أعضاء جدد جاء معظمهم من المنشقين عن “أنصار الشريعة”.

ويرى الكاتبان أنه بالرغم من التقارير التي تقول إن التنظيم يسيطر على سرت، وخاصة بعد إغلاق الجامعة هناك، إلا أن أهل سرت يقولون إن التنظيم لا يملك سوى حوالي مئة سيارة هناك، وعدد مقاتليه لا يزيدون على 200 إلى 400، وأن مليشيات مصراتة ولجنة سرت الأمنية تسيطران على الحواجز الرئيسة.

ويذكر التقرير أن التنظيم بدأ ينفذ هجمات إلى الجنوب، أو ما يسميه أعضاء التنظيم “ولاية فزان”، وأعلن عن أوائل تلك الهجمات في كانون الثاني/ يناير 2015، عندما قتل التنظيم تسعة من تنظيم منافس له يدعى “الدرع الجنوبي” في سكنة. وفي منتصف كانون الثاني/ يناير كانت هناك تقارير بأن التنظيم قتل أربعة جنود من القوة الثالثة، وهي مليشيا أخرى في جرفة.

ويجد الكاتبان أن المهم بالنسبة للتنظيم هو التمدد نحو مصراتة، وخاصة لقربها من سرت، والمشكلة هي أن مصراتة فيها مليشيات قوية، ولكن التنظيم بدأ حملته الإعلامية برسالة مفتوحة، وجهها أبو معاذ البرقاوي يخاطب فيها “شباب مصراتة”، حيث دعاهم للتضحية بأنفسهم في سبيل الله، وليس في سبيل الديمقراطية بدعم “فجر ليبيا”. أما داخل تحالف “فجر ليبيا” فردود الفعل متباينة، فبينما شجبت دار الإفتاء ما يقوم به التنظيم من أعمال تتنافى مع الإسلام، فإن هناك مشاركين في الحلف ينكرون وجود مثل تلك المشاكل. فمثلا، قال عمر الحاسي، إن فيديو قتل الأقباط كان الهدف منه تبرير تدخل مصر إلى جانب حفتر.

ويستدرك التقرير بأن قوات مصراتة تختلف مع هذه الرؤية، حيث إنها ترى تهديد التنظيم على الأبواب، إلا أن تلك القوات لا تريد فتح جبهة جديدة، بالإضافة إلى قتالها مع قوات حفتر.

ويعتقد الكاتبان بأن الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا تساعد التنظيم، حيث إنه يستفيد من اقتلاع أي تنظيم متطرف، كي يكسب مجنديه ويضمهم إلى صفوفه، وهذا ما يبدو جليا مع أعضاء “أنصار الشريعة” في كل من درنة وبنغازي. ويمكن لتنظيم الدولة في ليبيا الاستفادة من تدفق الجهاديين من مصر وتونس والجزائر، وخاصة من مقاتلي تنظيم القاعدة المخضرمين. ودخول مصر إلى جانب حفتر أو دخول أي قوات غربية سيعطي التنظيم أداة التجنيد التي يسعى إليها.

ويرى الكاتبان أنه لتقليل فرص تقوية حضور التنظيم في ليبيا، فلا بد من أن يكون هناك وقف لإطلاق النار، وتعاون بين العناصر الأكثر عقلانية من مصراتة و”فجر ليبيا” و”عملية الكرامة”، ما سيحرم التنظيم من مساحة التمدد. وما دامت الحرب الأهلية دائرة فإن “فجر ليبيا” سيميل للتقليل من شأن تواجد التنظيم، أو تهديده للتصدي له بهدوء، والأسوأ من ذلك غض الطرف عن وجوده، ما دام التنظيم يساعد في القتال ضد حفتر. وعلى العكس من ذلك، فإن قوات حفتر ستعمل على تضخيم تهديد التنظيم، للحصول على دعم دولي في الحرب على تحالف “فجر ليبيا” والفصائل المنضوية تحته كلها.

ويبين التقرير أن العقبات أمام التنظيم تنبع من عاملين؛ الأول هو عدم وجود طوائف في ليبيا، كما هو في سوريا والعراق، بحيث يستغل التنظيم العامل الطائفي للحصول على تأييد السنة مثلا. وقد يحاول استغلال القبائل التي همشت تحت النظام الجديد، مثل قبيلة القذاذفة، ولكن هذا بعيد أيضا.

ويختم الكاتبان تقريرهما بالإشارة إلى أن العامل الآخر هو عدم تمكن التنظيم من توفير الخدمات، كما هو الحال في سوريا والعراق، حيث يحصل على الأموال من بيع النفط والفدى. أما في ليبيا، فلا يزال النفط تحت سيطرة شركة النفط الوطنية، وحتى لو سيطر التنظيم على بعض حقول البترول فلن يستطيع تصديره بالسهولة ذاتها، كما هو الحال في العراق وسوريا.