ليبيا، بين أحكام المحكمة وقانون المصالحة الوطنية

بقلم:

طالعتنا وسائل ألإعلام، يوم الثلاثاء الماضي، الموافق 28/07/2015، وهو يوم فارِق في تاريخ ليبيا الحديث، وتناقلت خبرين مهمين، أولهما حكم محكمة جنايات طرابلس بالإعدام، رمياً بالرصاص، على تسعة من أركان النظام السابق، مع أحكام مشدده بالسجن  لمعظم المتهمين، والحكم بالبراءة على خمسة منهم، أُعلن هذا الحكم في طرابلس، الواقعة تحت نفوذ حكومة الانقاذ، وثانيهما إقرار قانون العفو العام من طرف مجلس النواب الليبي ومقره مدينة طبرق، والذي يفتح الباب واسعاً لعودة مناصري نظام الحكم السابق، ومشاركتهم في مناشط الحياة  بصفة عامة في  ليبيا.

يبين هذان الخبران خاصة في توقيتهما، وفحواهما، مدى الانشقاق بين مكونات الدولة الليبية بعد ثورة 17 فبراير، فهما لم يتفقا على كيفية معاقبة أركان النظام السابق، فمثلا  السيد/ سيف الاسلام القذافي، الموقوف في سجن مدينة  الزنتان، الواقعة تحت سلطة مجلس النواب والمعترفة هي بسلطته، لم تُسّلم المتهم إلى محكمة جنايات طرابلس ولم تحاكمه في محكمتها، بالرغم من طول مدة إيقافه، ولم تطلق سراحه، وهذا نوع من الاعتراف بسلطة محكمة جنايات طرابلس وحكمها، خاصة أنه في الفترة ألأولى للمحكمة، تم الربط بواسطة الدائرة المغلقة، بين مقر إيقاف سيف الاسلام القذافي وموقع جلسات محاكمته بطرابلس، فنرى من ناحية أن محكمة جنايات طرابلس ترى في المتهمين  مجرمين تجب معاقبتهم، بينما  تتحدث بعض الاصوات المناصرة لحكومة طبرق على أنهم أبطال يجب الافراج عنهم.

هذا وقد أكد السيد/ الصديق الصور، مديرالتحقيقات  بمكتب النائب العام، على نزاهة المحاكمة، وبأن الأحكام التي صدرت، هي أحكام نهائية  صادرة من محكمة الاستئناف وغير قابلة للطعن بالطرق العادية  وأنه ستصدر أوامر تنفيذها، خاصة في من حُكم عليهم

بالبراءة أو السجن، أما من حكم عليهم بالإعدام فسوف يُعرض الحكم  وجوباً  وفي خلال 60 يوم، على المحكمة العليا، للنظر في الحكم من حيث القانون وليس الوقائع، كوجود خطأ في تطبيق أو  تفسير القانون أو تأويله.

لأ أريد الخوض في جدلية المحكمة ومدى شرعيتها أو مصداقيتها، أو عدالة أحكامها،  فلست برجل قانون، ولا أحب التجديف في البحار التي لا أَخبَرُها، وإن كانت العديد من المؤسسات الدولية والمحلية قد شككت في مدي مطابقتها للمعايير الدولية، لكن وجب علينا التمهل والانتظار، حتى صدور كامل حيثيات وأسباب الحكم  بالكامل ومن ثم تقييمها من قبل  ذوي الاختصاص، قبل الشروع في ذمها أو مدحها.

كما أود التذكير هنا بأنه وحتى اليوم، يوجد في ليبيا جسم قضائي واحد، أي نائب عام واحد ومجلس قضاء واحد، ومحكمة عليا واحدة، ولم تتأثر حتى الان بالانقسام الحاصل.

إنما أود طرح تساؤلي من باب مصلحة الدولة الليبية وشعبها وتوقيت هذه الاحكام، فلو صدرت هذه الاحكام قبل الانشقاق الحاصل بين مكوني الدولة الليبية الرئيسيين، قبل ثورة 17 فبراير، لما كان حدث هذا الجدل الحاصل اليوم ، ولربما توفق عليه الجميع، ولن يكون هناك أحد سيشكك في مصداقية القضاء الليبي كما هو حاصل اليوم.

وهذا ما قام به وزير العدل عن الحكومة  المؤقتة من طبرق، السيد د. المبروك قريرة، وهو قاضي ومستشار بمحكمة الإستئناف ،   والذي شكك في نزاهة القضاء الليبي بالرغم أنه هو جزء منه، ووصف المحاكمة بأنها غير قانونية،   كما أفاد ممثل الوزارة في بيان بُث على الهواء، أن المحكمة تتعرض لضغوطات، بدون تحديدها، مما يلقي بظلاله على الحكم وعلى منظومة القضاء   في ليبيا بالكامل.

من ناحية أخرى،  يرى البعض بأن إصدار قانون العفو العـام و في هذا الوقت بالذات هو ردة فعل لأحكام محكمة الجنايات، ومن باب  مغازلة مجلس نواب طبرق، لمناصري النظام السابق ومحاولة إحتوائهم ليزيد من قوته في صراعه مع مؤتمر  طرابلس، يجدر بالذكر أن هذا القانون قد تم إقراره بعدد 54  نائب من من حضروا جلسة إقراره وعددهم 99 نائب، وقد تم إقراره في جلسة واحدة، بطريقة يراها البعض أنها تمت على إستعجال.

في ظل عدم إعتراف مؤتمر طرابلس بالبرلمان و لا بالقوانين التي يصدرها، وإعتداده بقانون العزل السياسي المثير للجدل، سيزيد الحدثان سالفا الذكر، من تعقيد المشهد السياسي الليبي، وسيضيفان عائق  جديد أمام  إمكانية حل ازمته.

أود التذكير هنا بحكم المحاكم التركية على السيد عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، بالإعدام سنة 2000  م، ثم تم تغيير هذا الحكم سنة 2002، إلى السجن المؤبد، بعد تعديل القانون  و إلغاء  عقوبة الاعدام في تركيا.

أدعو للتريث في تنفيذ أحكام الإعدام ، والذي لا أراه يصب  في صالح ليبيا ومسيرة المصالحة الوطنية، التي نحن في أمس الحاجة إليها اليوم، إذ أن حكم الاعدام من الاحكام التي لا يمكن التراجع عنها، إذا تم تنفيذها، فالحكم في النهاية وفق لقانون ولو تم تعديل القانون أو إلغائه،  فستتغير بالتالي الاحكام الصادرة بناء عليه.

خالد الهوني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 42.