“الـ” طريق “إلى” الاستقرار 2

بقلم:

“حكمت المحكمة بدوائرها مجتمعة – بقبول الطعن شكلاً وموضوعاً”… مما يستدعي إعادة محاكمة المتهمين الـ37 ، من رموز النظام السابق، فقد قضت المحكمة العليا في الطعن المقدم وقضت بالنقض والإعادة، وردت القضية برمتها إلى محكمة استئناف طرابلس التي أصدرت هذه الأحكام، لإعادة النظر فيها، أمام قضاة آخرين لهم الولاية لنظر الدعوى، وينعقد لهم الاختصاص، من نفس المحكمة.

هذا حكم متخيل للمحكمة العليا في القضية المتعلقة بالأحكام الأخيرة، الصادرة من محكمة استئناف طرابلس. الحكم لم يصدر ولم تنظر المحكمة العليا في هذه الاستئناف بعد. ولكن لو افترضنا جدلاً، أن منطوق الحكم كان كما ذكرت آنفاً، فماذا عسى أن تكون المواقف؟ سيصيح بعضنا “يحي العدل”، ويطعن فيه آخرون. سننقسم فريقان: فريقٌ يشيد بالعدالة وآخر يصفها بالجور.

هذا للأسف ما حصل في الماضي القريب، حينما حكمت المحكمة العليا ببطلان انتخاب أحمد معيتيق رئيسا للوزراء بدلاً من عبدالله الثني، ففرح به قوم، ووصفوه بالحكم العادل ووصفوا القضاء بالنزيه. لكن عندما حكمت المحكمة ذاتها، بانعدام مجلس النواب قانوناً، وبطلان جلساته، نظمت القصائد والمعلقات في ذم القضاء ووصفه بأنه فاقد لإرادته الحرة.

النخبة التي هللت لحكم المحكمة في قضية معيتيق، هي نفسها التي وقفت في وجه حكم المحكمة ذاتها في قضية البرلمان. ويكاد الأشخاص أن يكونوا هم أنفسهم، استخدموا العبارات ذاتها بوجه مقلوب؛ أي بدلوا كلمات بضدها.

كتبت عشية صدور الأحكام مقالاً بعنوان: “طريق الاستقرار”؛ كنت أعتقد أن رسائلي كانت واضحة، لكنني تلقيت اتصالات ورسائل يضرب بعضها بعضا. فكانت أحدها تلومني على المقال لأنها فهمت منه أنني أدعو إلى العفو على المتهمين، بينما رأى آخرون عكس ذلك، بل أغضبهم إشادتي بعدالة المحكمة.

لم يكن مقصدي من المقال أكثر من التأكيد على أمرين؛ الأول أن القضاء سيستمر في الفصل بيننا، فيما يعرض عليه من خصومات، والثاني أننا سنستمر نحكم بعدله إذا حَكَمَ لصالحنا، ولن نرضى بحكمه ضدنا، ولن ننصاع له إلا كرهاً.

لذا؛ فإن تهيئة الأوضاع المناسبة، بإنهاء الانقسام وتوحيد المتفرق ولم الشمل، هو الأدعى لقبول القصاص وجدانياً، والأنسب لطرح مشاريع الصلح والعفو وجبر الضرر. وهذا كان بيت القصيد من المقال السابق، وقد تحدثت فيه بوضوح عن خيارات أخرى غير القصاص، نص عليها كتاب الله وسنة رسوله، وتناولها القانون وحكم بها القضاء.

المشكلة ليست في القضاء، ولكن في الحقيقة المّرة والواقع الأليم الذي يعيشه الشعب الليبي. فبدلاً من لعن القضاء، الذين نلتجئ إليه للفصل في النزاعات، وهو ليس طرفاً فيها، علينا أن نعي أنه يكفي القاضي وعد الله وأمره؛ لقد أمره الله بالحكم بين الناس بالعدل. قال سبحانه مخاطبًا عبده الصالح داوود عليه السلام: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ”.[1]

ويكفي القاضي وعيد المصطفى؛ صلى الله عليه وسلم: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة. رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاضٍ قضى الحق فذلك في الجنّة.[2]

القضاء مهمة شاقة، وأمانة ومسؤولية عظيمة، أنيطت بمن حملها، وتجشم الأخطار للحصول عليها ـ أقصد في واقعنا اليوم ـ فمن حملها، فكأنما حمل جبال الأرض على ظهره، فإما أن يقوم بحقها، ويكون الله معه، ويُعان على ذلك، وإما أن يخون الأمانة، ويركن للدنيا فتقصم ظهره.[3]

علينا أن نبحث عن حلول لما حصل بيننا من تقاتل، في ظل الخيارات الثلاثة التي ذكرها المصطفى صلى الله عليه وسلم، إما القصاص وإما دفع الدية وإما العفو. ومع ذلك وكما قال لي الشيخ محمد البرغوثي ذات يوم “…أن نيابة الصين والهند والسند لن تحل المشاكل التي حصلت بين الليبيين ولكن الجلوس والتصالح هو السبيل”.[4]

لا شك أن حق القصاص مكفول لولي الدم، ولا يملك حق التنازل ولا العفو عنه غيره، ولا شك أيضاً أن العفو صفة حميدة، لا يستطيعها إلا المؤمن الليّن، الراجي لرحمة ربه والباحث عن رفعة منزلته، يحمل قلباً سليماً قد تخلّى عن نزعة الانتقام والتشفّي، وآثر ما عند الله ويتلهف هذا القلب للقاء ربه والطمع في رضوانه وغفرانه.[5]

أشدتُ في مقالتي السابقة، بالقضاء ونزاهته، ولكن ذكرت أيضاً أهمية قيام الدولة واستقرار السلطة، وتوحد الشرعية، لكي نستظل بظل القوانين والعدالة الجامعة، ويكون إنجاز العدالة، وتنفيذ أحكام القضاء ركناً ركيناً من مركزية الدولة واحتكار العنف، فتهدأ النفوس ويكون ذلك أدعى للقبول بالأحكام وجدانياً، وتفسح المجال أمام مشاريع المصالحة والعفو في ظل أجواء بعيدة عن الانتقام والاستغلال من ذوي النفوس الخبيثة.

لئن كانت الأحكام القضائية هي عنوان الحقيقة فإن القرآن والهدى والنبوي، سيظلان على الدوام يحملان مفاتيح الفرج ويدلان على طريق الأمل والاستقرار؛ “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصيب بدم أوخبل (الخبل: الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إما أن يقتص (عبر القضاء) أويأخذ العقل (جبر الضرر) أويعفو، فإن أراد رابعة (أي واحدة من غير الثلاثة) فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقَتَل فله النار خالداً فيها مخلداً”.[6]

————————————————————————————

[1]– سورة ص، آية 26.

[2]– رواه الترمذي.

[3] – قُضَاةٌ على شَفِيرِ جَهَنَّم، يحيى بن موسى الزهراني، صيد الفوائد.

[4]– رسالة إلى الشيخ محمد البرغوثي، الكاتب، الحوار السياسي الليبي، 30 يونيو 2014م.

[5]– لا تثريب عليكم اليوم، الكاتب، عين ليبيا، بتاريخ 28 يونيو 2015م.

[6]– مسند أحمد.

عبدالرزاق العرادي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 54.

تعليقات حول الموضوع

تعليقان 2
  1. 1- بواسطة: أسامة فارس 2015/08/09

    القضاء يبين الحق ويحدده ويعيده لمالكه ولكنه لا يمنع من التنازل عنه جزئيا أو كليا بإرادة حرة ممن يستحق له هذا الحق للغير من أجل غاية معينة السؤال هل الكافة يمتلكون القناعة التامة واليقين الكامل مما لايجلب الشك أو التخمين من أن القضاء قادرعلى إستبيان كل الحقوق وتحديدها وإستعادتها من كل مغتصييها ؟. الحقيقة ليس تشكيك فى نزاهة القضاء معاذ الله , لكن المقصد هل ظل القضاء العادل يشمل كل طوائف الشعب لكي يمكن يمارس سلطته عند اللجوء إليه , عند معرفة ذلك يمكن فقط الرد بوجوب قبول وإحترام مايصدر عنه من أحكام قضائية من عدمه .

  2. 2- بواسطة: الحسين احمد 2015/08/11

    انت خليك اخر واحد يتكلم على القضاء والثورة ،اصلا لولاك ولولا اشكالك ما وصلت ثورة فبراير الى مستوى الانحطاط والانقسام التي هي فيه اليوم، تبي الصراحة انت والصلابي وجوه ما تريحتلها من اول ايام المجلس الانتقالي في بوهديمة.وربك يستر على ليبيا من الجاي وراكم.

تعليقان 2