ورحل عنَّا الرجلُ الطيبُ عبدالمنعم بحيري في هدوءٍ كعادته

بقلم:

pic

تلقيت وأنا في جنيف اثناء جولة الحوار السياسي الليبي الأخيرة ببالغ الحزن والأسى خبر وفاة الصديق العزيز والمناضل الصبور الدكتور عبدالمنعم محمد بحيري الذي وافاه الأجل منذ أيام بالأردن بعد معاناة مع مرض لم يمهله طويلا، وبهذا المصاب فقدَ الوطن واحداً من رجاله الشرفاء، وفقدت ليبيا واحداً من أبنائها الأوفياء وعلمائها الأجلاء، عاش في هدوءٍ بعيداً عن الأضواء لم يفارقه الأمل في تعافي وطن يشكو من عبث بعض أبنائه، ومات في هدوءٍ كعادته وتفاؤلٍ بمستقبل وطن عشٍقه وضحى من أجله بخير سنين عمره رغم كل المحن.

ولد عبدالمنعم بالأردن عام 1947 ودرس الإقتصاد بالجامعة الليبية قبل أن يتغير اسمها إلى جامعة بنغازي، ثم رحل لمواصلة دراسته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. كان أول لقاء جمعني به في بداية عام 1975 عندما كان طالباً في جامعة كاليفورنيا (ريڤرسايد) وقبل أن ينتقل إلى اوكلاهوما ليُتْمِم بها مشواره الدراسي. تحصل عبد المنعم على الدكتوراة  في الإقتصاد من جامعة ولاية أوكلاهوما عام 1981 عن أطروحته حول “العمالة الأجنبية في ليبيا” ورجع بعدها مباشرة إلى ليبيا متطلعاً إلى أداء واجبه نحو وطنه وأبناء وطنه أستاذاً في كلية الإقتصاد بجامعة بنغازي. ولكن نظام الظلم الذي كان يحكم ليبيا آنذاك أبى إلا أن يحرمه حريته ويحرم ليبيا منه ويحرم أبناءها من عالِمٍ واعدٍ ومربٍّ فاضلٍ فغيبه في ظلمات السجن ظلماً وعدواناً ثمانية عشر عاماً.

اعتُقِل الدكتور عبد المنعم في بنغازي، حيث كان يقيم هو وزوجته وابنتاه، إثر عملية باب العزيزية التي قام بها شباب الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في 8 مايو 1984 والتي عقبها اعتقال وإعدام عدد كبير من أبناء ليبيا الأوفياء وأبطالها الشرفاء من كل أرجاء ليبيا. وبعد خروجه من السجن،عاد الدكتور عبدالمنعم في هدوئه المعتاد وبروحه المتفائلة ونفسه التواقة إلى العمل والعطاء  ليواصل رسالته التعليمية أستاذاً بكلية الإقتصاد بجامعة بنغازي.

لقد عرفت الدكتور عبدالمنعم رحمه الله رجلاً كريماً، صاحبَ دينٍ سمح وخلقٍ عالٍ وأدبٍ وذوقٍ رفيعين، وكان جميل المعشر متواضعاً، دوماً متفائلاً وبشوشاً، لا يكاد يخلو حديثه الذي لا يُمَلّ من شيء من الدعابة، حتى في أوقات المحن كما يذكر بعض رفاق سجنه. عرفته رحمه الله محباً لوطنه ووفياً لأمته، حريصاً على العودة إلى الوطن والمساهمة في بنائه وفي تعليم أبنائه.

كانت معارضة النظام الحاكم  في ليبيا في أوساط الطلبة الليبيين في الخارج محدودة آنذاك، الأمر الذي جعل بعضنا يشعر بضرورة التفكير في كيفية تحفيز الطلبة لاتخاذ موقف من القذافي ونظامه. وفي هذا الإطار وفي إطار نشاطات اتحاد الطلبة المسلمين المحدودة بالجامعات الأمريكية في ذلك الوقت جمعتني بعبدالمنعم وبعض  الطلبة الليبين الآخرين، أذكر منهم الصديق الشاب النبيل عبدالله الشيباني رحمه الله والذي وهب كل وقته وجهده وماله لليبيا، جمعتنا عدة لقاءات بقصد تذاكر هموم الوطن، البعيد جغرافيا والقريب وجدانيا، والتفكير معاً في كيفية المساهمة في إيجاد نشاطٍ معارض وسط الطلبة الليبيين بالولايات المتحدة، تطور فيما بعد ليصبح رافدا في بعض جهود المعارضة الليبية في بداية الثمانينات، ومنذ ذلك الحين نشأت بينى وبين عبد المنعم أُخُوَّةٌ وصداقة خاصة وإن فرقت بيننا المحن، سجنُهُ وغربتي، عقوداً طويلة.

تزامن ذلك الحنين إلى الوطن والإنفعال بهمومه مع انتفاضة الطلبة داخل الجامعات الليبية والتي بدأت تتصاعد وخاصة بعد احتجاجات الطلبة السلمية في جامعة بنغازي في 30 ديسمبر 1975  والتي انتهت بقمع الطلبة في جامعة طرابلس في 7 أبريل 1976 من قبل النظام وبعض الطلبة الموالين له، وصارت ذكرى 7 ابريل فيما بعد مناسبة مأساوية يحييها النظام بإعدام وشنق الأبرياء من ابناء ليبيا من مناضلين وطلبة معارضين في الميادين وداخل ساحات الجامعات رغبة في الإنتقام وبغية إدخال الرعب في قلوب الليبيين وإرهابهم، وأخذ التيار المعارض في أوساط الطلبة وغير الطلبة من الليبيين في الخارج يتنامى، وشهِد مطلع عقد الثمانينات تأسيس الإتحاد العام لطلبة ليبيا المعارض في الولايات المتحدة والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وعدد من التنظميات الليبية المعارضة الأخرى، وبلغت المعارضة الليبية في عقد الثمانينات أوجها وصار النظام يخشاها حتى أنه عدَّل من سياساته الرعناء تجاه كثير من دول المنطقة بقصد محاصرة المعارضة واضعافها.

وساهم في تسارع انطلاق ونمو المعارضة الليبية خارج ليبيا إطلاقُ القذافي لحملته الدموية في أبريل 1980 بتصفية الرموز الوطنية المعارضة له في الخارج والتي طالت في ذلك العام تسعة مواطنين ليبيين في عدد من عواصم دول العالم كان من أبرزهم الشهيد محمد مصطفى رمضان الإذاعي الليبي المتألق بهيئة الإذاعة البريطانية آنذاك وصاحب الرسائل الشهيرة إلى القذافي، والذي اغتيل باطلاق النار عليه في 11 أبريل 1980 أمام المركز الإسلامي بلندن بُعيد خروجه من صلاة الجمعة، والشهيد محمود عبدالسلام نافع، المحامي الليبي المتميز الذي عُرِف بمرافعاته الجريئة في محاكمات القذافي الظالمة لرجال العهد الملكي عام 1971 فيما عرف حينئذٍ بمحكمة الشعب، والذي اغتيل في مكتبه بلندن في 25 أبريل 1980. وتتابعت في الأعوام التالية محاولات الإغتيالات وملاحقة المعارضين في الخارج والاعتقالات والإعدامات في الداخل والتي كان من أبشعها مذبحة سجن أبي سليم بضواحي طرابلس في 29 يوليو 1996 والتي راح ضحيتَها أكثرُ من 1200 من رجال ليبيا وشبابها الشرفاء.

بعد رجوعي إلى ليبيا إثر سقوط نظام القذافي تحدثت مع عبد المنعم بالهاتف وكنت أتطلع وبشوق إلى أن نلتقي مرة أخرى، على ثرى ليبيا هذه المرة، ولكن القدر حال دون ذلك وجاء خبر وفاته حزناً على فقدان صديق عزيز وأسى على رحيل  أخ كريم ورضى بقضاء الله ويقينا بأن الموت حق وأننا جميعا ملاقوه وإنْ تأخر بضع سنوات. أسأل الله أن يتغمد فقيدنا وفقيد ليبيا عبد المنعم برحمته وأن يشمله بواسع مغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يوفي له الأجر بغير حساب على جهاده وصبره ومعاناته وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، وأن يلهم أهله وأحباءه وأصدقاءه جميل الصبر وأن يعظم لهم الأجر، وأن يعوضهم عنه خيراً، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

د. نعيم الغرياني

الكاتب:

الدكتور نعيم الغرياني أستاذ الهندسة النووية بجامعة طرابلس وسابقا شغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي في أول حكومة انتقالية. وهو عضو مجلس النواب وأحد المشاركين في الحوار عن النواب المقاطعين.

عدد المقالات المنشورة: 5.

تعليقات حول الموضوع

تعليقات 8
  1. 1- بواسطة: عدنان عبدالمنعم النجار 2015/08/18

    رحم الله المناضل د.عبالمنعم محمد بحيري رفيق والدي بالجبهة وبالسجن لثمانية عشر عاماً د.عبالمنعم قاسم النجار رحمه الله وكل شهداء الوطن.

  2. 2- بواسطة: عدنان عبدالمنعم النجار 2015/08/18

    د.عبدالمنعم محمد بحيري كان رفيق لوالدي د.عبدالمنعم قاسم النجار رحمهما الله بسجن بوسليم لثمانية عشر عاما جمعهما اﻹسم والنضال وحب الوطن وربي يتقبلهما بواسع الرحمة والمغفرة وكل شهداء الوطن..

  3. 3- بواسطة: الهادي هنشير 2015/08/18

    اللهم ارحمه وادخله فسيح جناتك وهكذا هم الرجال الوطنيون الاحرار نعم المرحوم ونعم الكاتب

  4. 4- بواسطة: الهادي هنشير 2015/08/18

    اللهم ارحمه وادخله فسيح جناتك وهكذا هم تاجال الوطنيون الاحرار نعم المرحوم ونعم الكاتب

  5. 5- بواسطة: مصباح الماضوي 2015/08/19

    يا أخي ما اكثر اكاذيبكم وما اكثر مساكينكم المظلومين من النظام السابق … ياليته انهاكم جميعا ليرتاح منكم العباد .. ثم يا افاق اكذوبة عملية باب العزيزية التي تغني بها ؟؟؟ ما ابعد الحج على بوحمار !!! هم مجموعة من الكلاب الضالة ثم اكتشافهم قبل يبدوا التخريب … وها انتم اكملتم مالم يفعلوا فدمرتم البلاد وشردتم العباد لا اراكم الله خير ..

  6. 6- بواسطة: أمحمد دربي 2015/09/04

    كان أستاذي في أكادمية الدراسات العليا وعرفته خلوق وطيبآ و محبآ للوطن حمل في قلبه همومآ لم يفصح عنها هم الوطن وهم الأنسان . رحمه الله وأسكنه فسيح جناته . 

  7. 7- بواسطة: محمد العقورى 2015/09/06

    الى جنة الخُلد استاذنا فى مادة الاقتصاد ،لقد كنت خلوقاً ،اللهم ارحمه واغفر لهُ .

  8. 8- بواسطة: د محمد مسعود ميكائيل - جامعة بنغازي 2015/10/11

    لقد كان المرحوم الدكتور عبد المنعم مدرسة في الأخلاق والتواضع، محبوب من كل من عرفه، رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته.

تعليقات 8