ظاهرة السكرة السياسة

بقلم:

كتُيرون مِمَّن يتعاطون السياسة في ليبيا اليوم يعيشون مراهقة سياسية… 
ونشوة السكرة السياسية هي أشد وأنكي وأخطر من كل السكرات.

نشوة السياسة تعني –  باختصار شديد – الإبتهاج والانبهار الاولي بطعم رائحة لذة السياسة والانخراط فيها دون تردد، ولا أهداف واضحة، ولا قيود مُحددة، ولا شروط مُلزمة، ولا حتي معرفة كافية بالواقع المُعاش… وبمعني آخر تعني تدوق ما يمكن تسميته بــ “السكرة السياسية.”.

وظاهرة الســــكرة السياســة هنا تعني الغمرةُ واللذة الذاهبة بالعقل والادراك خلال فترة زمنية ما. وهي  الحالة التي تغشى بصر مُتعاطي السياسة فتحبسه عن الوعي بما يُبصر، وتشل عقله عن التفكير، وتعجزه عن التركيز، وتُغيبه عن الواقع السياسي الذي يعيش فيه.

إنطلاقا من هذا الفهم يمكن اعتبار “ظاهرة الســــكرة السياسـيـة” من أخطر الظواهر الاجتماعية الضارة والمنتشرة اليوم بين النخب السياسية والمسئولة علي اتخاد القرار السياسي في ليبيا. ولعله من المناسب التذكير هنا ان “ظاهرة السُّكر” عموما ليست بظاهرة خاصة ومُقتصرة علي شارب الخمرة فقط (كما يعتقد البعض)، وإنما يمكن أعتبار ظاهرة السكر بالخمرة هي أرخص أنواع السكر واشهرها اجتماعيا، وذلك   لانه شراب يؤتر في الإنسان لمدة قصيرة يعيش فيها شارب الخمر حالة من حالات الارتياح الزائف، والحُلم الكاذب، ويكون خلالها  فاقدا لعقله ووعيه ثم يعود بعدها إلى واقعه وتنتهي سكرته ويري انه ارتكب أمرا غير مقبول  اجتماعيا، ومُحرم دينيا، ولا يجب التباهي به بين نظرائه… بينما نجد ان نشوة السكرة السياسية هي أشد وانكي واخطر من كل السكرات الآخري، إذ تدفع بمُتعاطي السياسة بالتباهي والتظاهر بما ليس لديه وما لا يملك ولا يستطيع، وتؤتر فيه لمدة أطول قد يستمر تأتيره في بعض الاحيان مدي الحياة.

ومن جهة أخري لابد من التأكيد بان “ظاهرة السكرة السياسية” هي في الحقيقة ظاهرة كغيرها من الظواهر الاجتماعية الآخري، فكما ان هناك “سكرة للحب” و”سكرة لكثرة المال” و”سكرة للمنصب الرفيع” و”سكرة لعلو المنزلة” و”سكرة للصيت العالي” و”سكرة للفرح” و”سكرة للخوف” و”سكرة ُللنَّصْر” و”سكرة للفَزَع” و”سكرة للطغيان” و”سكرة للموت”، هناك ايضا “سكرة للسياسة والسلطة.” فالحب والطرب والفرح والنصر والمال والمنزلة والصيت والمنصب والتسلط والطغيان، كلها لها نشوة مُسكرة تذهب بالعقل، وتمنح اللذة له، وتغير من حالته، وتنقله الى عالم وردي وخيالي اخر، ويُصاب صاحبها بالكبر والغطرسة والاستغني والاستعلاء، والازدراء لمن هو دونه غنى أو مكانة أو قوة أو معرفة ¸ ويعتريه وهم من الغرور أن لا أحد يبلغ مبلغه في العلم أو الجاه او المال اوالصيت أو القوة. فعلي سبيل  المثال نجد ان سكرة الحب لها إحساس جميل ولذة بالغة تفوق الوصف والتعبير. ومتى ارتفع مؤشر الاحساس بالحب تولدت النشوة وأصابت صاحبها بالسكر؛ كما حدث للسيدة أم كلثوم رحمها الله عندما خرجت علي المسرح تتغني بقصيدة الشاعر المصري إبراهيم ناجي التي يقول فيها: “هل رأى الحب سكارى مثلنا”… ومن جهة آخري يُذكر القران الكريم الانسان وخصوصا الذي يتشبت بالحياة واصابه الغرور والاستغناء عن الغير بقول الله تعالي (في  سورة ق، الاية 19): {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت  منه تحيد}، بمعني ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه.

وعليه يمكن القول بان نشوة السكرة السياسية (وخصوصا عند السياسي المبتدي) شبيه بنشوة القوة عند الشباب، ففي هذه السن يكون الشاب مُفتخرا بما هو عليه من قوة وأندفاع مما يجعله يتباهي ويفتخر ويستعرض ما هو عليه من القوة والنشاط والحيوية، ويستمر في ذلك حتي يسكر بها وينغمس في التهور والعبث واللهو وعدم احترام الآخر. وهذا السلوك يدفع بالكثير من الشباب الي ضياع افكارهم، وتحطم احلامهم، وخسارة اموالهم، قبل ان تنتهي سكرتهم.

أسباب انتشار ظاهرة السكرة السياسية

هناك عوامل واسباب عديدة تؤدي الي انتشار ظاهرة السكرة السياسية السائدة – هذه الايام –  بين العديدة ممن يتعاطون السياسة في وطني ليبيا، لعل من أهمها:

1. الفراغ السياسي

الحقيقة ان كل مُتتبع للمشهد السياسي الليبي اليوم لا يجد الا التخبط الاداري، والانفلات الامني . والفساد المالي، والانهيار العسكري. وقد اصبح هذا الفراغ يتجسد في أشكال مختلفة والوان عديدة منها – غياب الاستقرار، وإنهيار الثوابت التي تقوم عليها الدولة، واهتزاز الثقة بين ابناء الشعب، وغياب البرامج والمشاريع الوطنية والمنتجة ، وهبوط مستوي الثقافة عموما والثقافة السياسية خصوصا الى أذني المستويات.

2. غياب مؤسسات الدولة

لعله يمكن القول – وباختصار شديد – ان جزء كبير من عدم تحقيق القيم والمبادئ والاحلام، التي قامت من أجلها ثورة الــ 17 من فبراير هو الغياب شبه الكامل للمؤسسات المدنية والحديتة والقوية، وخصوصا المؤسسات الوسيطة (كالمحافظات) في الدولة التي يمكنها تحويل تلك القيم والمبادي والأحلام إلى مشاريع وبرامج عملية وملموسة. بمعني آخر غياب المؤسسات القادرة علي الانتقال من الأحلام والشعارات الثورية إلى واقع الدولة الجديدة التي يحلم بها كل ابناء السعب.

3. المراهقة السياسية

المراهقة السياسية تعني هنا – وبإختصار شديد – الفترة الزمنية اللازمة لإنتقال شخص يرغب مزاولة السياسة من مرحلة الطفولة السياسية الي مرحلة النضج والرشد السياسي. والحقيقة المُرة ان كل متابع لتطور الأحداث السياسية في المشهد الليبي هذه الايام، من خلال الإعلام المقروء والمسموع و المرئي ومواقع التواصل الاجتماعي، سيقتنع بان الكثيرين ممن يتعاطون السياسة في ليبيا اليوم يعيشون مراهقتهم السياسية، والأسوأ من ذلك ان اغلبهم يفتقرون الي المعرفة والوعي والمقدرة علي التقدير والحكمة في التعاطي مع المشكلات والأزمات والصراعات السياسية السائد في كل نواحي الوطن هذه الايام. وان جل هؤلاء تغلب عليهم العاطفه على العقل، والاندفاع والتهور علي التريت، والتخبط علي التخطيط، وعدم ادراك عواقب الامور علي تحديد الاهداف والاتفاق عليها مُسبقا. ولعل ما يجب التذكير به في هذه العُجالة  هو ان فترة المراهقة السياسية هي من اخطر وأحرج المراحل التي يمر بها كل من يُريد ان يتعاطى السياسة وخصوصا الشاب.

نتائج انتشار ظاهرة السكرة السياسية

والحقيقة ان هناك نتائج ضارة عديدة لإنتشار هذه الظاهرة لعل من أهمها:

1. فوضى التحليل السياسي

لقد أصبح الحديت في السياسة اليوم حديت الجميع وللجميع سواء كان ذلك بمناسبة او بدون مناسبة. الي درجة ان اصبح الجميع يتحدت ويناقش ويُجادل ولا احد يستمع. ومن المحزن ان النقاش تضمن امور الكثيرون لا يفهموا تفاصيلها، ولا خلفياتها، ولا من هو وراء اهدافها الحقيقية، وفي الكثير من الاحيان يتحول النقاش إلى سجال وجدال لا طائل من ورائه.

ليس هذا فقط بل إن تخصص العلوم السياسية والدبلوماسية والعلاقات الدولية لم تشهد إباحية وإستخفاف بها مثل ما نشهده هذه الأيام في ليبيا. فالكثير من المراهقين السياسيين أصبحوا لا يكتفون بوصف أنفسهم بالباحثين والمحللين السياسيين، بل ان بعضهم أضاف الي نفسه صفة الخبير الاستراتيجي والامني والعسكري أيضاً… والمؤسف ان ما يقوله هؤلاء لا يزيد في اغلب الاحيان عن آراء وانطباعات خاصة وتخمين تفتقد للمعرفة المتخصصة والمنهجية  العلمية، ولا يمتلك صاحبها رصيد معرفي سوى متابعة الأخبار وصفحات التواصل  الاجتماعي وامتلاك القدرة على الكلام في اي مناسبة تتاح له.

2. سياسة ملء الفراغ والأجندات الأجنبية

سياسة ملء الفراغ هي سياسة ظهرت أثناء الحرب الباردة (1950 – 1989). وقد تم تبني   هذه السياسة من قبل الاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة آخري بعد انسحاب القوى الاستعمارية التقليدية من كل من أفريقيا وأسيا وامريكا اللاثنية والشرق الأوسط، وذلك بإستخدام وسائل عديدة لعل منها:

(أ) وقوف الأجندات الغربية خلف التمويل الأجنبي للجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدنى والحركات النسوية في العالم الثالث وخصوصا العاملة فى مجال حقوق الإنسان.

(ب) وقوف الأجندات الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي خلف التمويل الأجنبي للنقابات العمالية والاتحادات الطلابية في دول العالم الثالث.

(جـ) تمويل الجمعيات العاملة في مجال حقوق المرأة والمؤسسات الداعمة لدور الشباب في ادارة الدولة.

(د) ظهور الاجندات الاجنبية ودورها الواضح هذه الايام  في عرقلة عملية المصالحة الوطنية ومفاوضات الحوار الليبي وتشكيل حكومة التوافق الوطني.

3. الازمات الاقتصادية و الاجتماعية

لقد أدّى هذا الوضع السياسي وتصارع الاجندات الاجنبية في ليبيا الى تمزق النسيج الاجتماعي وارتفاع مؤشرات التضخّم المالي الذي سيهدد الاقتصاد الوطني ويضرب السوق المالية ونسق المبادلات التجارية. واذا تطورت هذه الأزمة الى الأسوأ كما هو متوقّع فان التداعيات ستكون كارثية علي الجميع، وسيكون لها تداعيات اجتماعية عديدة سلبية وخطيرة، وذلك بانتشار العديد من مشاريع واجندات الفساد والتخريب وخصوصا الساعية لتقسيم ليبيا وشعبها.

ختاما… لعله من المناسب أن أختم هذا المقال بالتأكيد علي مجموعة من النقاط:

1. لابد ان نعي بأن نشوة السكرة السياسية التي تمر بها النخب الليبية اليوم قد سببت لنا أضرار كثيرة وخطير، وعليه فلابد ان نعمل علي الا تستمر هذه الحالة إلى مدة زمنية طويلة. وعلينا ان ندرك ايضا بان تعاطي السياسة هو امر خطير اذا لم يكن علي اسس صحيحة ومُنطلقة من قيم ومبادي راسخة… فهل آن الاوآن للنخب السياسية الليبية ان تستيقد من سكرتها.

2. لابد ان نُدرك بأنه، إذا كانت السياسة هي فنّ الممكن والفوز بأقل الخسائر كما يقولون، فإن النشوة السياسية هي طلب المستحيل والتكبر وخسران كل شيئ. وعليه فلابد ان نعي بان القليل من نشوة السياسة ضار، والكثير منها قاتل. وان من اهم الاسلحة للقضاء علي النشوة السياسية هو التزود بالمعرفة والمنهجية الصحيحة والوعي والإدراك والحكمة في التعاطي مع المشكلات والأزمات والصراعات السياسية.

3. لحماية الذين يعيشون مرحلة المراهقة السياسية، لابد من قيام الدولة باصدار قانون واضح ينظم كيفية تدفق أى أموال ومساعدات خارجية سواء كانت هذه الاموال للحكومة أو للمنظمات غير الحكومية، وعلي ان يكون أساس هذا القانون الوضوح والعلانية والشفافية، وعلى ان تكون كل الانشطة المُمولة قانونية والا تمثل تدخلا فى المعترك السياسى الليبي (اي ان يُحظر دعم كل الحملات الانتخابية والمنظمات والأحزاب السياسية… أو أي نشاطات سياسية آخري). ويجب ان يشترط  هذا القانون مُطالبة كل المنظمات غير الحكومية ذات النشاط السياسي والمُمولة من الخارج بالتسجيل بصفتها وكيل أجنبي. وان يقوم أيضا الأشخاص الذين يعملون بصفتهم وكلاء لموكلين أجانب بتقدم تقارير دورية تكشف علنا عن علاقتهم بالموكلين الأجانب وعن كل نشاطاتهم وعن مداخيلهم ومصروفاتهم دعما لتلك النشاطات.

أيها الاحباب لعلنا نتفق بان أحوال وطننا تُدمي قلب كل انسان شريف، وانها أوضاع لا تسر الا العدو. وعليه فرجائي ودعوتي لكل مواطنة ومواطن غيور علي هذا الوطن الجريح، وخصوصا الذين يتعاطون السياسة، بان يتحري الحقيقة دائما، وان لا يعمل علي تأجيج مشاعر الاخرين، وان لا يقوم    بإشعال نار الفتن…

مرة آخري لابد ان أذكركم يا أحباب بان هذا مجرد راي أعتقد انه الصواب.. فمن أتى براي أحسن منه قبلناه ومن اتي براي يختلف عنه أحترمناه.. وبدلك أدعو الله أن أكون قد وفقت في المساهمة في إنجاح ثورتنا المباركة، وبناء دولتنا الدستورية الثانية… والله المستعان.

 

* سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة “وطني” صحيفة أسبوعية شاملة. الصفحة (06) السنة الثانلثة، العدد (104)، الاحد (ذو القعدة 1436 هـ) الموافق 16 أغسطس 2015.

ا.د. محمد بالروين

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 8.