الصراعات العرقية في جنوب ليبيا… أسباب، واقع، وحلول

بقلم:

بعد أكثر من مائة سنة من التفاهم وإحترام مبدأ الجوار والتعايش السلمي، إزدادت حدة الصراعات في منطقة الصحراء الكبرى بين المكونات الثلاث الرئيسية التي تسكنها، وهم التبو والطوارق والعرب، والذين هم جميعهم مسلمون، من السنة ويتبعون المذهب المالكي، ويشتد هذا الصراع اليوم بالذات داخل الاراضي الليبية، مما يستوجب  على حكومتها، أيجاد طريقة لإيقاف القتال  أولا، ومن ثم إيجاد حلول ممكنة  له.

يعيش معظم قبائل التبو في شمال تشاد وأقصى غرب السودان وبعض مناطق شمال شرق النيجر، وتعيش نسبة بسيطة منهم، لا تتجاوز 2% من التبو، في جنوب  ليبيا، خاصة في مدن الكفرة والقطرون ومرزق، وما جاورها، والذين عانوا (أقصد التبوالليبيون) من تهميش النظام السابق لهم بسبب مشكلة شريط أوزو، والتي رأى النظام السابق أن التبويتحملون جزء من مسؤليتها، وبالتالي نتائجها.

من جانب آخر، يعيش الطوارق بصفة عامة، في المناطق الجنوبية الغربية، من الصحراء الكبرى، في مناطق تتقاسمها اليوم  كل من ليبيا والجزائر والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.

بعد سقوط النظام في ليبيا، وحصول بعض من الطوارق على الكثير من السلاح، وتغلغل بعض الجماعات الاسلامية المتشددة بينهم، ومداعبتهم لأحلام الطوارق في إنشاء دولة خاصة بهم، تبنى البعض منهم هذا الفكر، خاصة في غياب، أمغارهم (بلغة التماشق، بمعنى القائد العظيم)، الزعيم الليبي معمر القذافي، ففقدوا بوصلتهم، وإنجروا وراء هذا الحلم بإعلانهم لدولة أزواد في شمال مالي، التي أنتهت بالتدخل العسكري الفرنسي، الذي ينصب نفسه شرطى للمنطقة، وهزيمتهم علي يديه.

بسبب ذلك رجع بعض منهم إلي ليبيا، وأستوطنوا مع أبناء عمومتهم، في أوباري وسبها، مما سبب مشكلة وخلق الكثير  من التوتر داخل  الدولة الليبية الضعيفة  اليوم.

لنفهم أسباب الصراع الحالي، وجب علينا العودة قليلا إلى الوراء، علي الاقل إلى ما قبل عهد الاستعمار الايطالي في ليبيا، حيث أعتمد سكان شمال ليبيا عبر التاريخ، على الدخل المهم الذي كانت تدره تجارة القوافل عبر الصحراء الكبرى، والتي كان يسيرها البربر والعرب، المعروفون عبر التاريخ بإتقانهم فنون التجارة، والذي أحضروا معهم دينهم الاسلام، لينتشر مع قوافل تجارتهم عبر جنوب ليبيا وما جاورها، إلى إعماق القارة السمراء، تلك االقوافل التي كانت  تعبر مدن الصحراء الليبية، كغدامس وغات ومرزق والكفرة، والتي أستوجب أن يقوم طرف ما بحماية هذه القوافل، والمساهمة فيها، والذي قام به الطوارق والتبوعلى حد سواء، فكانت القوافل التي تمر عبر الكفرة ومرزق، يُشارك فيها ويحميها التبوالمعروفون هم بالتجارة أيضاً، كما كانت القوافل التي تمر عبر غدامس وغات، للطوارق دور هام في التجارة فيها وحمايتها.

بسبب العوائد المالية المغرية لرسوم الحماية والعبور لتجارة القوافل سالف الذكر، حدثت مشاحنات بين التبو والطوارق، وصلت في نهاية القرن التاسع عشر إلى حد الحرب، التي إستمرت لعدة سنوات، إلى أن أنتهت بأتفاق مصالحة بينهما عُرفت بإتفاقية (أميدي – ميدي)، التي  يُقال بأنها تمت  سنة 1893م.

ليست هناك معلومات واضحة متاحة  عن هذه الإتفاقية، (أين وقعت، ومن وقع عليها، وما هي بنودها وشروطها) والتي قد تكون شفوية، ولا توجد نسخة متوفرة ومحفوظة منها، لكن يبدوإن هذا الاتفاق، كان يوضح المناطق التي تكون القوافل العابرة لها تحت حماية أي من طرفي النزاع، وإن كان لا ينص على ملكية الارض لأي من الطرفين، لأنها كانت في تلك الفترة، مملوكة للدولة العثمانية، والتي أنتقلت ممتلكاتها  للدولة الايطالية بسبب إستعمارها لليبيا، ومن ثم للدولة الليبية، منذ تأسيسها سنة 1952م، وإلى اليوم.

المشاكل الدائرة اليوم بين التبو وبعض القبائل العربية، من أولاد سليمان والزوية، هي مشاكل حديثة وليس لها أصل تاريخي، بل بالعكس، لطالما عاشت هذه القبائل مع بعضها البعض في السراء والضراء، تُظلهم جميعاً راية الاسلام والسنوسية، سواء في جنوب ليبيا أوفي شمال تشاد، كما قاوموا مُتعاضدين الاستعمارين الفرنسي والايطالي، وعاشومع بعضهم في شمال تشاد، بعد إنكسار المجاهدين في معركتي الكفرة وواو، وهجرة عديد القبائل العربية إلى عمق ليبيا الاستراتيجي في تشاد، ليلتحقوا بأبناء عمومتهم الذي هاجروا وتساكنوا مع أخوتهم من التبوهناك، منذ مئات السنين، كما هوالحال بين العرب والطوارق في مناطق شمال النيجر ومالي، والتي يوجد بها وإلى اليوم، الكثير من السكان من أصول عربية من قبائل المحاميد والانصار وغيرهم.

في غياب الدور العربي التوافقي المهم في منطقة الصحراء، يقوم  الاستعمار الفرنسي الجديد اليوم، بإستغلال النعرات القديمة بين التبووالطوارق، مستخدما بعض من أفراد التبو (وليس جميعهم) كسلاح ذوحدين، لمحاربة الطوارق من جهة، بدعوى أنهم يشكلون خطر على المنطقة، وإتهامهم أنهم يحمون ويساعدون المتطرفون الاسلاميون والارهابيون في منطقة الساحل والصحراء، وللضغط على حكومة ليبيا، للحصول على أمتيازات في مناطق النفط الغنية حول مدينة  أوباري ومرزق (حقل الشرارة وإمتياز NC191) والتي فقدتها شركة توتال الفرنسية، لصالح منافساتها،  وتحاول اليوم الاستيلاء عليها بأي طريقة كانت.

يكمُن الحل لهذه الصراعات، في التنمية والتطوير الاقتصادي، للمناطق الحدودية جنوب الصحراء، بإحياء التجارة عبر الصحراء من جديد، ولكن وفق طرق علمية حديثة، ذلك بخلق مراكز حدودية جديدة  لتجارة العبور، وبإنشاء طرق حديثة، ومحطات خدمات، ومصافي للنفط، ومخازن وورش صيانة، ومرافق سياحية من  فنادق وغيرها، وتطوير مراكز للزراعة الصحراوية ودراساتها، وتطوير انتاج حيوانات الصحراء كالأبل، وأن تنشئ مدن جديدة تستوعب العاملون في هذه القطاعات الجديدة، ليس بالضرورة أن تكون جميعها  داخل حدود ليبيا، بل يجب أن تكون أيضاً في مناطق داخل دول الجوار، في تشاد والنيجر، مثل قطاع أوزوالحدودي المُهمل، والذي إن تم تطويره، سيستوعب أخوتنا من التبوهناك، ويغنيهم عن الاعمال الغير مشروعة مثل التهريب وتجارة البشر التي يُتهمون بالقيام بها  اليوم.

هذا وتوجد إتفاقية غير مُفَعَّلة بين دولتي ليبيا وتشاد تم توقيعها في شهر ديسمبر، سنة 1972م، تنص على أن قطاع أوزو منطقة تعاون وتضامن  بين البلدين، فالأجدر أن يتم تفعيل هذه الاتفاقية والإستفادة منها، بدلاً من محاولة تغليب طرف على آخر، والذي تتبناه بعض الاطراف الليبية المتصارعة هي أيضا، مسبباً في قتل المزيد من المسلمين، من التبووالطوارق والعرب على حد سواء، مما يؤسف له… حين ذاك ستتوقف الصراعات، وسيسود الامن والاستقرار جميع مناطق الصحراء، وسينعم سكانها من الاعراق الثلاثة، بالرفاهية والسعادة التي ينشدونها.

المراجع:

* كتاب (ليبيا التي لا نعرفها) للكاتب الليبي  أ. د.  علي عبداللطيف أحميدة.

* تاريخ  الصحراء الليبية في العصور الوسطى، للكاتب جاك هنري، ترجمة السيد جادالله عزوز الطلحي.

* مقال عن الطوارق والتدخل الفرنسي في ليبيا بعد حرب الناتوعلى ليبيا، من منشورات مركز أبحاث جرائم الدول ضد الإنسانية، جامعة لندن. 

خالد الهوني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 42.