ثالثة الاثافي الليبية

بقلم:

ثالثة الاثافي مثل عربي شهير يطلق علي الكارثة الاكبر والتي تهون معها الاخريات والاثافي هي الحجارة التي توضع تحت القدر لطهي الطعام وكانت العرب إذا نصبت القدر علي سفح جبل وضعت حجرين تحت القدر وصار الجبل ثالثة الاثافي , “وبالليبي الاثافي هي المناصب والمفرد منها منصبة بضم النون” ولعل التعبيرالليبي أجمل وأبلغ في سياق هذا المقال لأن المناصب تعني أيضا المواقع القيادية في الدولة مثل الوزراء والمدراء ومن علي شاكلتهم.

وقد قام سيادة وزير المالية وأحد المناصب المهمة في حكومتنا الانتقالية بإزاحة الستار عن ثالثة الاثافي أو “المنصبة” الليبية بتصريحه المثير علي الهواء مباشرة بأن الاموال الليبيية المجمدة والتي أفرج عنها العالم بعد نجاح ثورتنا الغراء تأخذ طريقها في بحر الفساد عجبا وبسرعة مذهلة بصور وطرق شتي تعلمها أصحاب الضمائر الميتة والنفوس المريضة عبر عقود عجاف من الفساد السياسي والاداري والمالي في ظل نظام زعيم الفساد الاوحد.  ورغم فداحة هذه الكارثة وهذه المفاجأة المذهلة والقنبلة الشديدة الانفجار إلا أنها لم تحرك ساكنا ولم تهز رمشا من رموش السادة رئيس وأعضاء المجلس الانتقالي ولا السيد رئيس الحكومة ” ياجبل ما يهزك ريح علي قول أبو عمار رحمه الله “. ولم يكلف أحد من المسؤلين نفسة طمأنة الليبيين علي أموالهم التي طالما حرموا منها , ويسمعون وزير ماليتهم يصرح بأن الاموال ليست تحت تصرفه بل تذهب هدرا نحو الشرق والغرب. ولم يفصح سيادة الوزير عن كيفية تهريب الاموال ولصالح من ومن المستفيد ولماذا لم يسقيل من منصبه حتي الان إذا كان الأمر كذلك.

عندما تم تشكيل الحكومة الانتقالية صرح السيد الكيب مؤكدا ان هذه الحكومة هي حكومة كفاآت وليست محاصصة قبلية وأقليمية “بس علي مين” فلا لا أحد من الليبيين يصدق أن الحكومة ليست محاصصات قبلية وأقليمية رغم وجود الكفاآت. العمود الفقري للحكومة ينحصر في أربع وزارات سيادية هي الداخلية والدفاع والمالية والخارجية, وليس هناك غبي في ليبيا لا يعرف ان الداخلية من نصيب مصراتة وان الدفاع من نصيب الزنتان أما المالية فقد أعطيت الي تكنوقراط كواجهة بدون صلاحيات أكدها سيادة وزير المالية في تصريحه المثير. وإذا كان السيد وزير المالية عاجز عن التحكم في الداخل والخارج من الخزينة الليبية فليت شعري من الذي يقوم بهذا العمل من وراء حجا ب هل هو المجلس الانتقالي أو رئيسه  أو مدير المصرف المركزي ؟ أم هي نفس طريقة المقبور في التحكم في مصير هذا البلد وثرواته من وراء الكواليس.

والحكمة من وراء منح مصراتة والزنتان الداخلية والدفاع هي محاولة استيعاب ثوار المنطقتين الاكثر تسليحا وتنظيما واستحواذا علي مرافق الدولة في طرابلس في الوزارتين  بسلاسة  ويسر.  ولكن العكس هو الذي يحدث الآن فبدل ان يقوم وزيري الداخلية والدفاع بدور رئيسي في استيعاب الثوار وفرض هيبة وسيطرة الدولة نري أن كتائب الثوار تزداد إنتشارا وتغولا وتحكم سيطرتها علي المنافذ الرئيسية وعلي الكثير من المباني العامة ومرافق الدولة. وهذا يشير الي ان وزيري الداخلية والدفاع اما غير جادين أو غير قادرين علي استيعاب الثوار او انهما واجهة إقليمية وقبلية لاستمرار وترسيخ سيطرة مصراتة والزنتان علي المرافق المهمة والمنافذ الاستراتيجية  للدولة وأرجوا أن أكون مخطئا  في هذا الرأي. ولعمري إن حكومة لا تستطيع أن تتحكم في منافذ الدولة هي حكومة مغلوبة علي أمرها ولا تملك من أمرها شيئا.

إن نزيف المال العام يجب أن يتوقف وكل ليبي حر وحريص علي هذا الوطن ومستقبله يجب ان يقف بالمرصاد لكل فاسد وسارق ومتسلق ممن يساعد أو يتواطأ مع الذين يسرقون قوت الغالبية الصامتة من الشعب الليبي. وليعلم الذين أؤتمنوا علي المال العام ومن هم في موقع المسئولية أنه أمانة في أعناقهم الي يوم الدين وقد يأتيهم القصاص والحساب في الدنيا قبل الآخرة.

ولست أزعم أن ثوار مصراتة والزنتان ليس لديهم مبررات للاحتفاظ بما تحت أيديهم من عقارات ومرافق تابعة للدولة ولكن ما دام وزيري الداخلية والدفاع منهم فليس لدي ثوار مصراتة مبرر من عدم الانضواء تحت وزارة الداخلية وليس لدي ثوار الزنتان مبررمن عدم الانضواء تحت وزارة الدفاع ولتنتهي هذه المشكلة المزمنة التي أصبحت تهدد أمن وسلامة العاصمة طرابلس وأهلها الصابرين علي مضض.

ورغم عظم مسئولية الحكومة في مجال الامن واستيعاب الثوار وتيسير أزمة السيولة الخانقة للاقتصاد والتعليم والصحة وأهالي الشهداء والجرحي ما زلنا نشاهد هذه الحكومة تستقبل وفودا رسمية من دول معروفة بممارسة التسول الاقليمي والدولي وتوقع معها إتفاقيات في مجالات متعددة مع ان تلك الدول في أمس الحاجة الي ما تعرضه علي ليبيا وفاقد الشئ لم ولن يعطيه. ولقد فوجئت أن نسخة جديدة من الاتفاقيات التي وقعت مع مصر الشهر الماضي في مجالات الاعمار والطاقة والاتصالات والتعليم والصحة  قد تم توقيعها من جديد مع الوفد الاردني الذي زار ليبيا هذا الشهر والحبل علي الجرار ولسوف نري من أين سيأتينا الوفد القادم يا تري.

وكان المتوقع من المجلس الانتقالي أن يصدر قانونا صارما لأجتثات ومحاربة الفساد المستشري في مفاصل الدولة حتي يردع الفاسدين والمرتشين ولصوص المال العام المستهترين بالقانون وفي رأيي الشخصي أن هذا القانون أهم من تشكيل الحكومة وحتي قانون الانتخابات لأن إستمرار الفساد وسرقة المال العام يجهض الثورة ويعيد ممارسات نظام المقبور بتغييرالعلم والنشيد الوطني فقط.

كما اننا ننتظر من المجلس أو الحكومة إصدار مذكرات قبض واستجلاب لأولاد وأزلام المقبور الذين يسرحون ويمرحون وما زالو يسرقون في مصر وتونس والجزائر والمغرب والنيجر ولا أستغرب أنهم مازالوا يهربون الاموال من ليبيا الي الخارج بتواطؤ من بعض المتنفذين في الداخل ووزير ماليتنا لا حول له ولا قوة.

ونذكر الثوار وأشباه الثوار علي حد سواء والذين إتخذوا من إستراحات وقصور الظالمين مقارا لهم أن يسارعوا الي تسليم هذه الاماكن الي الدولة قبل أن ينطبق عليهم قوله تعالي ” وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال”.  كما أن حالات الاختطاف والاعتقال خارج نطاق القانون وجرائم التعذيب والقتل كما حدث مع الدكتور عمر بريبش رحمه الله لن يفلت مرتكبوها من العقاب وإن طال الزمن. ونذكر المجلس الانتقالي ووزيري الداخلية والدفاع أنهم مسؤلين مسؤلية مباشرة علي أمن وسلامة المواطنين وأن كل روح أزهقت فوق الارض الليبيية منذ استلامهم مهامهم الرسمية هم المسؤلون عنها في الدنيا والآخرة.

د. علي الفرجاني  

eelferjani@yahoo.com

د. علي الفرجاني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 3.