مخاطر التدخل العسكري الأميركي في سوريا

لا حلول وسطا في مسألة تدخل الولايات المتحدة عسكريا في سوريا؛ إما عدم التدخل أو التدخل بقوة طاغية. معطيات اللعبة مختلفة عن ليبيا.

بقلم: علاء بيومي

مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن أصدر في منتصف شهر ديسمبر الماضي دراسة عما يجري في سوريا ومخاطر التدخل العسكري الأميركي هناك على غرار ما حدث في ليبيا، وهي دراسة تستحق القراءة والتذكير بمحتواها الهام في الظروف الراهنة والتي تشهد تصاعدا واضحا في العمليات العسكرية التي يشنها النظام السوري ضد معارضيه في الداخل.

الدراسة مكتوبة من وجهة نظر أميركية وصادرة على مركز دراسات معروف بواشنطن وتقول أن أي تدخل عسكري غربي في سوريا على غرار ما حدث في ليبيا يحتاج لدعم عسكري أميركي كافي وكبير، وأن أميركا قادرة بما تمتلكه في قدرات عسكرية متقدمة تكنولوجيا على هزيمة قوات النظام السوري الذي يمتلك جيشا ضخما ولكن كثير من أسلحته قديمة وبالية تكنولوجيا إذا ما قورنت بترسانة الأسلحة الأميركية.

لكن التقرير يعود ويؤكد في خلاصته على أن التدخل العسكري في سوريا لن يكون بدون مخاطر بعضها معروف وبعضها غير معروف، فهناك مخاطر يمكن توقعها مثل قدرات قوات النظام السوري وأسلحته، ومخاطر أخرى يصعب توقعها مثل تصرف النظام السوري وأتباعه في الداخل وحلفائه في الخارج لو أحسوا بقرب نهايتهم مع بداية عملية عسكرية واسعة للناتو ضدهم على غرار ما حدث ضد نظام القذافي في ليبيا.

ويقول التقرير أن المخاطر السابقة – خاصة غير المتوقعة منها – تتطلب الحذر قبل التفكير في تدخل عسكري – وهو أمر لا يحظى بدعم كافي في الوقت الحالي، ولا يقدم التقرير بدائل كافية للتدخل العسكري، ولكنه يقول في خاتمته أن “مستقبل سوريا بات محكوما إلى حد كبير بالضبابية ومرض ممتد” في الإشارة إلى تبعات العام الأخير – وما تضمنه من تظاهرات وحركات معارضة ضد النظام السوري ورد فعل عنيف من قبل النظام عليها – على قدرات النظام السوري.

عسكريا يقول التقرير أن النظام السوري تبنى منذ الثمانينيات إستراتيجية عسكرية قائمة على الردع بالأساس بسبب ضعف قدرات قواته الهجومية، وأن تلك الإستراتيجية ركزت على الحصول على صورايخ دفاعية متقدمة مختلفة الأنواع وعلى أجهزة إنذار مبكر، وكذلك على صواريخ مضادة للسفن ونظم دفاعية لحماية الشواطئ السورية.

ويبدو من التقرير عدم الاكتراث بأسلحة النظام السوري الهجومية خاصة فيما يتعلق بقدرات الطيران والقوات الأرضية، حيث يرى التقرير أن التكنولوجيا أسلحة النظام السوري متأخرة ولا تضاهي نظيرتها الأميركية.

ولكن يبقى التحدي الرئيسي متمثلا في قدرة قوات النظام السوري على الردع لأكثر من سبب، فعدد قوات النظام كبير، وفي حالة انتباه بسبب الصراع الجاري – كما يرى التقرير، كما أن سوريا بلد صغير من حيث المساحة وذو كثافة سكانية عالية، وأي هجوم أولي لتدمير مضادات الطيران وبطاريات الصواريخ التابعة للنظام السوري لابد وأن يترك عدد كبير من الضحايا بسبب تركز قوات النظام في مواقع ذات كثافة سكانية عالية.

وهنا يعود التقرير ويؤكد أن أي هجوم ناجح على قوات النظام السوري يجب أن يكون كبيرا بدرجات مقارنة بما حدث في ليبيا ويجب أن تشارك فيه القوات الأميركية على مستوى كبير، وأنه سوف يلحق خسائر بشرية كبيرة قد تثير الرأي العام العربي والدولي خاصة في ظل غياب الدعم الكافي لفكرة التدخل العسكري.

كما يقول التقرير أن سلاح الطيران بقوات النظام السوري قد لا يملك طائرات متقدمة ولكن ما يمتلكه من طائرات يمثل خطرا، أما الجانب الأهم من قوات النظام الردعية والتي يجب الحذر منها في حالة التدخل العسكري فهو سلاح الصواريخ والتي يصل مدى بعضها إلى 500 كم مما يجعلها قادرة على الوصول إلى تركيا وسيناء وشمال السعودية وأجزاء كبيرة من العراق، هذا إضافة إلى تقارير أخرى تفيد بامتلاك قوات النظام لصواريخ سكود سي ودي ذات المدى الأطول (600-700 كم بالترتيب) مما يجعلها قادرة على الوصول إلى مناطق أبعد.

التقرير يخشى أيضا من امتلاك قوات النظام السوري لأسلحة كيماوية وبيولوجية، ويبدو من التقرير أن الولايات المتحدة لا تمتلك معلومات كافية عن طبيعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي يمتلكها النظام وقدرته على توصيلها، ولكن التقرير يعتقد أنها قدرة النظام السوري على إنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية وإنتاج أدوات إيصالها هي قدرة بدائية قد لا تمثل خطرا هائلا، ولكنها تمثل خطرا حقيقيا.

كما يمتلك النظام السوري رادع هام إضافي هو دفاعاته ضد السفن حيث زودت روسيا التي تمتلك قاعدة بحرية على الشواطئ السورية النظام الصاروخي بصواريخ متطورة مضادة للسفن مما قد يمثل تهديدا للسفن الحربية الأميركية في حالة شن هجوم من البحر كما حدث في حالة ليبيا.

هذا فيما يتعلق بميزان القوى وقدرات قوات النظام السوري العسكرية، وهو جانب يمكن حسابه أو توقعه نسبيا، ويبقى جانب أخر يصعب توقعه كما يشير التقرير.

وهنا تقول الدراسة أن طبيعة جيش النظام السوري تختلف عن طبيعة جيش القذافي، فجيش النظام السوري يتميز بدرجة من التجانس بسبب انتماء نسبية كبيرة من قياداته إلى الأقلية العلوية، تقدرها بعض المصادر بحوالي 60% من ضباط جيش النظام السوري، ويقول التقرير أن تجانس الجيش واستخدام النظام السوري لسلاح الطائفية بكثافة خلال الصراع الحالي قد يدفع قواته إلى التفاني في الدفاع عنه بحكم أن مصيرهم بات مرتبطا بمصيره، وقد يدفع أيضا البلاد إلى الانجرار نحو صدامات طائفية وإلى نزوح الأقلية العلوية إلى بعض أماكن تركزها التقليدية على الساحل، ويقول أيضا أن الجيش يعاني من ضعف روحه المعنوية وضعف تسليحه.

ولا يعول التقرير كثيرا على الجيش السوري الحر وقدراته العسكرية ويقول أن المعارضة السورية أكثر انقساما من المعارضة الليبية وأنها لا تسيطر على مناطق بعينها، وأنها منقسمة سياسيا، كما أن قدرات الجيش السوري الحر ضعيفة للغاية، فتسليحه فقير وبسيط ولا يقدر على القيام بمهام كبيرة وصعبة بسبب قلة عتاده وصعوبة حصوله على إمدادات عبر طرق مؤمنة.

أما فيما يتعلق بإيران فيخشى التقرير من أن تحول إيران سوريا إلى عراق جديدة، ولكنه يقول أن القوات الأميركية التي انسحبت من العراق رغم النفوذ الإيراني هناك تجعل أميركا تشعر بأن في وضع يتطلب منها مواجهة النفوذ الإيراني.

ويقول التقرير أن روسيا تقدم دعم دولي كبير للنظام الروسي وأنها قد تحاول إرسال مزيد من الأسلحة المتقدمة للنظام السورية كنوع من الردع ولتأكيد أن التدخل العسكري الغربي في سوريا خط أحمر بعد فقدان روسيا لليبيا بعد سقوط القذافي، وبسبب القاعدة العسكرية الهامة لروسيا في سوريا والتي تساعدها على الدخول مياه البحر المتوسط بعيد عن أعين تركيا حليف الناتو المترقب.

ويقول التقرير أيضا أن النظام السوري قد يتصرف بشكل متهور في حالة الهجوم العسكري عليه من خلال استخدام حزب الله أو بعض الجماعات الحليفة له لإثارة عدم الاستقرار في الدول الإقليمية المحيطة مما يرفع من تكلفة التدخل العسكري.

كل الأسباب السابقة تشير وفقا للتقرير إلى أن التدخل العسكري الغربي في سوريا سوف يتطلب دورا أميركيا وقدرات عسكرية أكبر بكثير مما حدث في ليبيا وأنه يحتوي على مخاطر حقيقية وكبيرة يجب التفكير فيها جيدا.

وفي النهاية يجب أن نؤكد على أن التقرير غير الرسمي مكتوب من وجهة نظر بحثية أميركية، وإننا حرصنا على عرضه بأكبر قدرا من الموضوعية حرصا على شرح موضوعه الهام، ويبقى السؤال حول الطريق الذي اختاره النظام السوري لنفسه والذي يتمادى في استخدام القوة العسكرية ضد شعبه في داخل المدن والأحياء السورية نفسها ولا يبالي بانزلاق بلاده نحو أتون الحرب الأهلية أو بزيادة التوتر الطائفي والعرقي بين أبناء شعبه.

على جانب أخر وكما يوضح التقرير يبدو أن التدخل العسكري خيار لا يحظى بدعم كافي حتى الآن على الساحة الدولية والأميركية بسبب تكلفته العسكرية العالية، مما يتطلب التفكير في حلول أخرى للأزمة السورية وسبل دعم نضال الشعب السوري من أجل الحصول على حريته.

علاء بيومي

www.alaabayoumi.com