ليبيا.. لعبة السيطرة على النفط

بقلم:

article1-1_13-9-2016

لا تحتاج لتكبد عناء الغوص في وحل الأزمة الليبية لتكتشف ورقة اللعب الأساسية في المستنقع الليبي. فالنفط مصدر دخل الدولة الوحيد وأيضاً الضامن الوحيد لنجاح وبقاء أي حكومة تتمكن من السيطرة الكاملة على موارده ومرافقه الحيوية. وهذا ما لم يحدث منذ سقوط نظام القذافي، والذي كان أيضاً أحد أهم أسباب سقوطه عندما لجأت الدول الكبرى إلى قطع شرايينه وإيقاف ضخ النفط للتعجيل بنهاية حكمه. ولم تكن الحكومات التي خلفته بأوفر حظاً، منذ ظهور ما عُرِف بالمكتب التنفيذي والمجلس الانتقالي وحتى هذه اللحظة.

بسرعة «البرق الخاطف» تمت صفقة تبادل الموانئ النفطية بين المليشيات. وليس مصادفة اختيار التوقيت قبل أيام قليلة من بدء تصدير النفـط. فالـمـبدأ الأساسي للعبة الفوضى في ليبيا واطالة أمد الصراع هو أن يبقى «النفط» خارج سلطة أي حكومة يمنحها اللاعبون الكـبار في العالم صـفة «الممثل الشـرعي الوحـيد» أو «الحكـومة الشرعية الوحـيدة». وليس مُهماً أن يكــون النفط الليبي تحت سيــطرة مليشيات الجضـران أو حـفتر أو العــدل والمسـاواة الســودانية أو أي مليشيا قبلية محلية أو أجنبية أخرى؛ بل المهم أن تبقى موانئ النفط مقفلة وبؤرة للتوتر، للحفاظ على حالة الشلل والعجز الاقتصادي التام للبلاد. وأن تبقى أي حكــومة ليبية أي كان «انتماءها القبلي والأيديولوجي» عاجــزة تعــاني الإفــلاس وشح المــوارد حتى تنــهار ويأتي البديل ليلعب دور من سبقه.

قبل أشهر قليلة كان زعيم المليشيا المُسيطرة على حقول النفط إبراهيم الجضران يلقب بـ “روبن هود برقة” والبطل الذي أرسله الله مدافعاً وحامياً لإقليم «مظلومية التهميش»، ونفس وسائل الاعلام التي تصفه اليوم بالمجرم والسارق كانت بالأمس القريب تعتبره البطل القومي للإقليم والمدافع عن حقوق المظلومين والمهمشين. ونفس الحشود التي تهتف اليوم في الميادين وفي وسائل التواصل الاجتماعي ضد جضران، كانت تهتف باسمه وتدافع عنه بشراسة وتعتبره أمير برقة الذي سيفتدونه بأرواحهم ودمائهم … ونفس جيش الإعلاميين والمحللين السياسيين الذي باركوا جهود الجضران بقفــل الموانئ النفطية وإيقاف تصدير النفط لسنوات، بحجة سرقة النفط من قبل الحكومات المتعاقبة وإشاعة اسطورة العدادات، وأطلقوا شعارات من نوع «النفط في باطن الأرض ولا في بطون الحكومات» انقلبوا اليوم جميعاً على بطلهم السابق الجضران واتهموه بأنه سارق وتسبب بخسارة البلاد لمليارات الدولارات.

بالفعل ان «الجماهير اليوم تحرق ما كانت قد عبدته بالأمس وتغير افكارها كما تغير قمصانها» كما قال غوستاف لوبون. ولكن، لا أحد يتعــظ، وكلما سقط زعيم أو أمير حرب، يظهر آخر على أكتاف نفس الحشود. فالجماهير عاهــرة بطبعــها، تمتهن الإغواء وتبدّل الزعماء.. ولا يروقها غير الهتاف والخراب…! ولذلك كانت صناعة الزعماء والرموز القبلية والدينية والمليشياوية سلعة رائجة في المشهد الليبي، يسقط اسراب منهم ويظهر آخرون لا يختلفون عنهم في شيء إلا بما يحملونه من شعارات وأوهام؛ فقط من أجل إطالة أمد النزاع واستمرار الحروب الغـبية.

إلى وقت قريب كان حفتر والجضران رفاق حرب ضد قوات ما سُمي حينها بـ “عملية الشروق” التي أطلقها المؤتمر الوطني العام السابق لتحرير الموانئ النفطية من سيطرة مليشيا الجضران. واليوم تتبدل الأدوار ليتم استبدال الجضران برفيقه حفتر بسبب اعلان جضران تحالفه مع حكومة “الوفاق الوطني” التي منحتها الدول الكبرى صفة «الحكومة الشرعية الوحيدة» … ولكن، من يتكرّم عليه الغرب بصفة «الممثل الشـرعي الوحـيد»، عليه أن ينسى النفط، وينسى أموال البلاد بالخارج، ويقضي فترة حكمه لاهثاً خلف المعونات والمساعدات الخارجية. ولا أحد يستطيع الاقتراب من النفط أو السيطرة على مرافقه إلا بمباركة هؤلاء الكبار أنفسهم.

إن مهمة حفتر اليوم هو أن يلعب دور جضران آخر، بعد أن انتهى دور سلفه.  ومهمته الوحيدة تقتصر على الحفاظ على موارد النفط بعيدة عن يد أي حكومة يعترف بها العالم. وأن يبقى حارساً أمينا.. ومتمرداً على أي سلطة محلية ليبية. ولو انسحب أو انتهى دوره، فأن عودة مليشيا جضران ليست مُستبعدَة، أو ربما تتولى «العدل والمساواة السودانية» مهمة الاستيلاء على موارد البلاد… لتستمر لعبة سيطرة المتمردين على موارد الدولة الليبية. وتستمر الحكومات المتعاقبة في لعب دور المتسول والمتوسل للغرب والعرب… وهذه العملية العسكرية الأخيرة والتي سميت بـ «البرق الخاطف» ليست إلا استمرار لسيناريو العجز والانهيار الاقتصادي للبلاد. الحقيقة، لا سماء صحرائنا اعتادت البرق ولا أرضها عرفت الأبطال، بل مجرد بيادق حرب وخراب لن ينتهي ببساطة. وكل قادتنا وشيوخنا ورموزنا لا يتنافسون إلا في ولاءاتهم وتبعيتهم للخارج.

وختاماً… ما يأمله الليبيون ليس مزيدا من الحرب، بل محاولة أمراء الحرب والزعماء السياسيين وشيوخ الدين والقبائل ألا يستمروا في لعب دور بيادق الحرب والانقسام. أن يكونوا ليبيين.. ويمنحوا بلدهم بعضاً من فيض ولائهم ووفائهم لزعماء الغرب والعرب… وما ينتظره الليبيون فعلاً..  مجازفة «برق خاطف» حقيقية يتصافح فيها أبناء هذا البلد بمختلف انتماءاتهم، عملية بطولية حقيقية تتمرد فيها هذه البيادق التي قُدِرَ لنا أن نصلي من أجل توافقهم ليتحقق السلام والاستقرار الذي تستحقه ليبيا…!

محمد اقميع

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 39.