الـحـِراك الوطني… نعم ليبيا

بقلم:

article2-1_6-10-2016

(1)

منذ بداية 2012، تلقيت العشرات من الدعوات للانضمام الى أحزاب ومؤسسات مُجتمع مدني، أو حضور ولائم مُلتقيات ولقاءات أخرى بأسماء ومُسمَّياتٌ عديدة بالخارج… اعتذرت من الكُلْ، مُكتفياً بتمنياتي لهم بالتوفيق في خدمة الوطن… وكما توقع الجميع، آلَ، أغلبُها الى الزوال أو المرض العُضال، منها التي وُلدت ميِّتة او بتشوهات خُلقية، فأنفرط عُقد مؤسسيها واعضاؤها، سواءً من شاركوا لوجه الله والوطن، أو كنفعيين بقوا فيها وحدهم، ظانين أنهم سيحيون رميمها.

وتبقى الحقيقة الدائمة: أن لا حياة، لأي حراكٌ او تنادى، يُبنى على حقيقة “إما أنت أو أنا” وليس “أنت وأنا” ذلك غير ارتباط أغلبها، بأجندات أجنبية مُتصارعة الرياح، انعكس صراعُها على صاري الوطن، فحطمته… آملين عبر الحراك، أن نغير ما بأنفُسنا، فيتحقق وعد ألله الحقّ، بتغيير ما بنا، وينقـُذ مركبُنا> وطنـُنا التائه في بحار العجمُ والعرب، تتقاذفه أمواج المُختلفين على تقاسِمهُ أرضاً وبحراً وكل ما يحتويانه من موارد طبيعة تحتهما وفوقهما، بل حتى سمائه وموقعه الجغرافي.

وللمرة الأولى، أي مُنذ أشهر مضت، قبلتُ دعوة من صاحب فكرة تأسيس ما يُعرف اليوم بـ الحراك الوطني “نعم ليبيـا” د. احتيوش فرج احتيوش، الذي لوَسطيُّته، فهو على ود كبير مع جمعٌ مؤثر، من العهدين   السابق والحالي، الأمر الذي هو حجرُ الزاوية، لأي مُشارك في أي حِراك او حوار او وفاق…  وبعد اطلاعي على (المسودة الأولى) لبيان تأسيسه، التي صَاغها الداعي (في ذلك الوقت) قبل مساهمات المُنظـَمِّين للحوار… وجدتني أقبل على الفور، بإعطاء وعد التشرف بالانضمام الى الحراك، وكما أن لكل ما يحدث في حياتنا، سبب،  فأن السبب الرئيسي الأول، لقبولي الدعوة، وتأييدي المُطلق لقيام الحِراك، هو الآمل في حِراكٌ شعبويٌ ليبي نقى شامل لأركان ليبيـا، لا تُعكر هوائه أنفاس الغـرب وبيوعيهم من حُذاقنا الليبيين، الذين لا يعنى الوطن والشعب لهم، إلا مالٌ وسلطة، وإذا (لا سمح الله) لم ينجح الحِراك في ذلك، عندئذٍ نرفع راية الاستسلام، وأنـَّا لله وأنـَّا أليه راجعون.

وبعد تسارُع عملية الأعداد لإعلانه، الذى تم بنالوت الخير في 17 سبتمبر 2016 كمنظمة مدنية مُستقلة، ها هي الآلاف من جميع  أطياف الشعب الليبي،  من كل مدينةٌ وقرية ونجع، من مختلف الأعمار، وبمختلف التخصصات المهنية، تنظمُّ لعضوية الحِراك، حيث باشروا نقاشهم الحماسي بالخصوص، على وسائل التواصل الاجتماع… ومن أسماء جميع المُشاركين، ومتابعتي لآرائهم ومقترحاتهم القيِّمة، استبشرتُ كل الخير لليبيـا، التي لن يخدمها إلا أبناؤها الأنقياء، من خلال حوارهم ونقاشهم على التراب الليبي، وليس خارجه… ففي خارج الوطن، لقاؤنا حصرياً مع شُركاؤنا في كوكب الأرض، أما داخل ليبيـا، نلتقى بكل عرقياتنا ومذاهبُنا، كشُركاءٌ في الوطن… إذ يقول المثل المصري “من طِلَع من دارو، قل مقدارو”.

مرة أخرى، سبب اقتناعي بالحراك، واقتناع الآلاف اليوم، وعشرات الألاف غداً… هو ما نحن فيه وما وصلنا اليه فبرايورياً، خلال هذه السنين الخمسة العُجاف، الأسود من قرن الخروب، من جهة أخرى، وقبل ذلك، ما كنا غير راضين عنه (سبتمبرياً)، مما أضاع علينا فرص تطوير بلادنا… وفى الحالتين، كان السبب هو ((السلبية)) المقيتة، التي أصبحت السِمَة الأبرز، لنا معشر الليبيين المنكوبين بها، منذ توقف الجهاد ضد الإيطاليين 1930 وحتى اليوم.

تعودنا على أن يفكر لنا الآخرين بدلاً عنـَّا، مُكتفين بدور المنتظرين، لمن يموت بدلاً منا، ومن يأتي لنا بوطن كاملٌ مُكتمل، موحد آمن بخيره وخميره، على طبقٌ من ذهب دون تحريك ساكناً؟!!! رتبوا لنا الاستقلال، وجاءت الملكية، ثم جاء سبتمبر وعليه ما عليه، ثم جاء فبرايور، وجاء على إثره الخراب والدمار وشبه الانقسام، ونحن فارغي أفواهنا نتفـرج، منتظرين طبــق الذهب؟! أنها الحقيقة يا ولدى.

وأن كانت المركزية المقيتة، على شفا تقسيم ليبيـا وتشظيها شرقاً وغرباً، فأن السلبية المقيتة زمان، أضاعت علينا الكثير، وسلبيتنا الحالية اليوم، هي السبب الرئيسي في جلب كل استعمارات الدنيا لترتع على تُرابنا، حيث ضاع شرفـُنا وكرامتـُنا وهيبتُنا، بما يكاد أن يذهب بريحنا جميعاً، وليس فقط تقسيم الوطن، ولنا في مصير الهنود الحُمر عبرة، يا أولى ألباب ليبيـا.

أذاً، وقبل كل شيء، نحن في حاجة الى ترياق يقتل سلبيَتُنا القاتلة، وحيث لا يدَّعى فرداً أو مجموعة، بل مدينة أو مُدن، ولا قبيلة أو مجموعة قبائل، أن يفعلوا شيء وحدهم لإنقاذ ليبيـا، وانتشالها مما وقعت فيه، من مُستنقع سحيقٌ رهيبٌ مُدمِّر، اختلطت فيه مراجل استعمارات الدنيا، يُساعدهم علينا عرَّابيهم منـَّا وفينا، من أشباه الليبيين بالداخل، وبعض الذين عادوا من أصل ليبى، عاثوا مع أسيادهم ولا زالوا يُعيثون كل يوم في أرض ليبيـا فسادا.

جاء (ونقول فقط بعضٌ من) ذوي الأصول الليبية، في مهام، كإرساليات تبشيرية، كما أسلفنا، لتمرير أجندة أسيادهم الاستعمارية الكارثة، آلا وهي، أجندة الشرق الأسود الجديد، التي نحن في قلب عاصفتها… أنتقوا وأرسلوا لنا (ذلك البعض) بحكم لسانهم الليبي الذي ورثوه على أصلهم السابق، والذين متى التقوا أخوتهم السابقين من الليبيين، قالوا أمنا بليبيـا وشعبها، وتسلقوا حتى صار نفراً منهم، المُتحكم الرئيسي في رقاب الشعب، فسمى رئاسة الوفاق (على عُهدة محمد شعيب) متجاوزاً البرلمان الذي يفترض أنه ممثل الشعب؟!!!… ومتى أختلوا الى شياطينهم، قالو أنـَّا معكم، أنما نحن مستهزؤن الليبيون.

شاهد الكثير من الليبيون  على شاشة التلفزيون أحدهم، صوتاً وصورتاً، وهو يتحدث لشياطين بلاده في مدينته هناك وراء المحيط، ليطمئنهم على إخلاصه لوطنه (هناك) وليس للذي ترعرع فيه (هنا) وأعطاه أسباب الحياة ودفع فواتير تعليمه… نأسف على ذكر ذلك كله، لكن ونحن ننطلق في حراكُ الخير، لابد أن نؤمن بأن صواعق تدمير بلادُنا، هم منـَّا وفينا، وأخطر على الوطن من أسيادهم، يبقى عدم جواز التعميم على كل من أصله ليبي نقي، والتنويه بأن الأغلبية الساحقة مماً يعيشون هناك من أصل ليبي، هم مخلصون لوطنهم الأصلي، بل أن المرموقين من ذوى الخبرات الدولية، من أصل ليبي، نرفع لهم القـُبعة، ولا يمكن أن يؤذوا ليبيـا، مثل المجموعة التي هبطت فجأة على مفاصل الشبه دولة من 2011، وتحولت الى روماتيزم يُعيق حركتها.

اذاً، وعلى أنقاض السلبية، التي سيقضى عليها أهل الحراك بأمر ألله، ليس مطلوب من الحراك الوطني “نعم ليبيـا” بشكل رئيسي، وبعد الأيمان بالله ورسوله، إلا الأيمان الراسخ بأن (لا) سبيل لبناء ليبيـا مُطلقاً، إلا وفق شعار الحراك “ليبيـا للكل ومع الكل، لا أقصاء – لا تهميش – لا للاحتراب – لا للمُغالبة” ومن ثم أرساء مبدأ الحراك الشعبي الجماعي، بتحفيز الشعب للتحرك ضد أي ممارسة ظالمة ضد تطلُعاته، ومع كل ما يحقق أهدافه في بناء دولة حرة أبية، تظللها حياة ديمقراطية مباشرة، فتلك هي أهم مهمة للحِراك، وما عداها، فسهل على مئات المئات من خُبراؤه.

فأن نجح الحراك في ذلك (تحدٍ كبير للآلاف من أعضائه… فلا تخذلوا الوطن) فعبارتي “نعم ليبيـا” “نعم للحراك” ليستا مجرد تغريدة على الفيس أو رسالة بالفايبر؟؟؟، لابد أن نعى ما ينتظرنا من عملٌ شاق وتضحيات جَمَّـة… فقط عندها، سننال كل ما حَلـُمنا به وأكثر… أنها حقيقة أزلية، تقول: “عندما تتملك  الشعوب أرادتها، وترفض ما يقهرها، ويمس عيشها وكرامتها وأمنها  فحريتها، بفاعلية خروجها عن صمتها، فأنها تُحرك الجبال”… كما أن من بواعث نجاح الحِراك، هو أن كل العرقيات التي استوطنت ليبيـا من الأمازيغ وصولاً للعرب، المكونة للشعب الليبي، بمختلف مُعتقداتها ومذاهبها… وتبعيتها> سواءً السبتمبرية أو الفبرايورية، المتفقة والمتناقضة، المُسالمة والمتحاربة، ممثلة فيه، وتنطق عبارة موحدة، تصدح بها حناجرهم وأقلامهم “نعـم ليبيــا”.

يبقى المُربع الأول للآمال، معقوداً على المؤتمر التأسيسي للحراك، الذى قد يلتئم خلال اسابيع داخل الوطن، حيث أتمنى شخصياً، عقده بأي مكان في جنوب ليبيـا المنسي، من كل أصحاب المشهد السياسي الليبي منذ 2011، وكل مندوبي الأمم المُتحدة، وسفراء أهل الربيع، والمُهدد بمؤامرة لم يسبق لها مثيل، خيوطها نُسجت ضمن قماش الربيع، إبن الشرق الجديد الأسود… ولكن أجندة تنفيذها (لا سمح ألله) تُطبخ هذه الأيام بمطابخ سياسة الغرب، وتحديداً في روما، بالتعاون مع بيوعيهم (أشباه الليبيين منـَّا) وهو تحويل (متى مَكـَّنتهم سلبيتُنا) ما يقرب من ثلثي ليبيـا الجنوبي لتوطين الأفارقة… والحال هذه، فللجنوب حقٌ على الحِراك، ان يعطيه أولوية عقد الاجتماع الأول بأي مدينة فيه، تتوفر بها أمكانية سهولة الوصول، كتمنهنت القريبة من مطار سبها، أما الإقامة فحتى خيام لا بأس، ذلك لنقول لأصحاب الشرق وربيعه، ها نحن من كل ليبيـا، في الجنوب المُستهدف، ذلك مُجرد رأى، ولأهل الحِراك القرار…

يتبع الأسبوع المقبل إن شاء الله.

 

عبد المجيد المنصوري

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 110.