الخجل واجبٌ وطني

بقلم:

article1-1_10-10-2016

«كلّ ما في الدنيا يصرخ بأهل السياسة أنَّ أدنى واجباتهم حيال الشعب

 المعذَّب والبلد المصلوب هو أن يكونوا أكثر خجلاً…». أنسي الحاج (*)

في ليبيا اليوم إما تابع لـ”قطر” أو تابع لـ”الإمارات”، ليس ثمة طريق ثالث يسلكه السياسيون والقادة العسكريون وكذلك الإعلاميون وشبكة الفضائيات الناطقة بـ”الليبي” التي تملكها وتمولها كلا الدولتين للدعاية والترويج لأتباعهم من الطرفين في الداخل. ليس هناك صــوت ثالث في ليبيا، فإما شبــكة اعلام الامارات الداعمة لحفتر وحلفائه أو شبكة اعلام قطر المؤيدة للإخوان وحلفائهم. لا لشيء إلا من أجل تكريس الايهام بعمق الانقسام واختلاق وهم الأغلبية المزيفة المؤيدة للطرفين.

أما الشعب الليبي الذي يعاني ويلات الحرب، والتشرد، والجوع فهو آخر من يعــنيه هذا الصراع العبثي، ومرغماً يلــتزم الصمت، وانتظار شـفـقة أو تعـب الـدول الكبرى، فمن لم يُسكـته سلاح عصابات ومليشيات الطرفين في ليبيا، سيخـرسه بالتأكيد ضجيجهم الإعلامي. فأقصى أحلام هذا الشعب سقف وطن آمن. ولا تعنيه حروب حفتر والاخوان ومن ورائهم.

يدرك الليبيون أن نهـاية الانقسام والـنزاع والاقتتــال الدموي في بلادهــم لن يكــون إلا باتفــاق زعماء هذه الدول الداعمة والممولة لأطراف الصراع الليبي، وأنه على يقين بأن هذه الدول هم صناع الفوضى، وصناع القرار الحقيقيين، وهم أطراف الانقسام الفعليين…! أما البيادق المحلية ممن حمّلوهم ألقاب “أصحاب الفخامة” و”القادة” المحليين، فليسوا إلا مجرد واجهة تلفزيونية لألقاء البيانات، وحضور المؤتمرات واجتماعات الحوار الوهمية.

مُخجِلة، ومثيرة للشفقة، والغثيان.. ظاهرة الدعارة السياسية الليبية، والارتهان للخـارج، وسباق الليبيين من شـرق البـلاد وغـربها بين العـواصم العربية والأجنبية، ليتوسل كل فصيل مـزيـد الــدعم، والأموال، والسلاح. ودون يجـد السياسيون الليبيون أو أمراء الحرب المحليين أي حرج في التنكيل بأهلهم، وهزّ ذيلهم للأجنبي.

مليشيات، اعلامـيون، سياســيون ومدن وقبــائل أصبحت تعاني ادمان التحالف مع دول أجنبية ضد خصومهم من أبناء وطنهم. ربما، نجـاح تجربة الاستعانة بتحالف الناتو للإطاحة بنظام القذافي فتحت شهية كثير من الليبيين لقتل بعضهم بعضاً بدعم من الخارج سواء من دول غربية أو عربية، وأدركوا أن أقـصر الطرق للوصول للسلطة في بلادهم لا يمر إلا عبر عواصم الخليج.

إذا ما استمرت هذه الحالة، ربما، ينتهي المطاف بالليبيين الى أن ينقرضوا أو يدفعوا (الإتاوة) أو الجزية لحكام الخلــيج وحلفــائهم مقابل البقاء على أرضـهم بسلام. لا شيء مستبـعـد! فقد ابتليت ليبيا بأن يقــودها ويسـوسها الجهل، والتخلف، والتطرف القبلي والديني…! ولم يعد الناس يرجوا من الساسة الحكمة، أو التعقـل، بل أن يتحـلّوا فقط ببعض الخجل مما يفعلونه ببلدهم.

وقد قادوا ليبيا من أنفـها إلى عصر قبائل الجاهلية، وأصبحت بيانات القبائل تتصـدر عناوين نشرات الاخبار، وتقود البرلمان، وتسيطر على حقول البترول، وأصبحنا نصنف الليبيين في بلادهم ما بين (مهاجرين وأنصار) …!

ليبيا، لم تعد تحتاج للمصالحة، ولا الحوار، ولا أي وفاق من أي نوع، بقدر ما تحتاج إلى أن يتحلّى السّاسة، والقــادة، والاعلاميون ببعض الخجل مما يقترفونه بحق بلادهم، وأهلهم، وأنفسهم.

فقط قليل من الحـياء.. يكفي لإعادة الحياة..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) – عن مقال للشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج، صحيفة الاخبار، العدد 961 السبت 31/10/2009

محمد اقميع

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 39.