ترويكا سياسية مراعاةً للمصلحة الوطنية

بقلم:

article3-1_13-10-2016

ها قد أزفت السنة الخامسة من “إعلان التحرير” على الرحيل ..خمس سنوات عجاف حصدت آلاف الأرواح و أهدرت مليارات الدينارات بحكم الفوضى الناجمة عن صراع سياسي عدمي لا متناهي ، هذا ينادي بتطبيق أحكام الشريعة و يعتبرها خطاً أحمراً دونه الموت رغم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يدين به الشعب الليبي و بعقيدة سليمة وراسخة منصهرة في بوتقة العرف والعادات و التقاليد التي نسجت بخيوطها النسيج الإجتماعي الليبي بالكامل، وذاك ينادي بالمدنية والحداثة وأن ما دون نهجه وأطروحته هو ردة عن الحضارة ودعوة إلى الجهل والتخلف في حين أن المدنية تضرب بجذورها في التاريخ الوطني الذي شهد أول جمهورية في المنطقة وعاصر الحضارة الغربية من خلال الإحتلال الإيطالي و الأسفار وخبرة الطلبة والتجار الذين جالوا المشرق بأزهره وشامه وعراقه ومغربه بزيتونته ورباطه، حتى أضحى المجتمع الليبي يتميز بطابع فريد بامتياز، محافظ على ثوابته الإجتماعية المنبثقة عن عقيدته الإسلامية الراسخة ومتحرر في تفكيره و تطوره بتطور الحضارة ومظاهر المدنية.

من كل ذلك نستطيع القول أن الصراع السياسي بين الأحزاب و التكتلات “السياسية” ان صح تسميتها بالسياسية لا يمكن إعتباره صراعاً أيديولوجياً بمعناه الفكري ولا يمثل إنعكاساً لحال المجتمع و ليس من الصعوبة ملاحظة حالة الإنفصام بين الطبقة السياسية في صراعها والطبقة الشعبية التي يفترض أنها تمثل القاعدة لتلك الطبقة السياسية.

يستفاد من ذلك أن الخلاف الحقيقي الحاصل بين الأحزاب و القوى السياسية الفاعلة لا يعدو أن يكون تهافت محموم على الإستفراد بالسلطة دون النظر في جانب الطرح و الفكر و المشروع ولا يراعي خطورة إستمرار هذا الصراع على مصير الوطن  فالجميع يردد ذات الدعوات والمبادئ وينشد ذات الأهداف والأوهام أحياناً  وان إختلف اللحن أو تمايز الإخراج و هذا في رأيي ليس مستغرب حيث أن الحياة السياسية غير موجودة باعتبار أنها كانت من المحظورات من أول يوم تأسست فيه الدولة الليبية قبل نصف قرن ولعله من المفارقات العجيبة أن تشهد ليبيا صراعاً سياسياً في حين أنها لم تعش تجربة سياسية مطلقاً في تاريخ الدولة منذ نشأتها.

استطرادا،، وارتباطاً بمقام الحال فإنه ومن خلال تتبع مجريات الحوار الوطني المنعقد في الصخيرات طيلة عام كامل أضنى الليبيين بالإنتظار وطول الأمل و بعد مضي زهاء عام آخر على توقيع الإتفاق السياسي ، يظهر جلياً أن جولات الحوار المنعقدة في الصخيرات كانت تهدف إلى تحقيق إتفاق “مكتوب” يرضي طرفي الصراع “وان كان مرحلياً ” وإهمال ضرورة إطفاء نيرانه المشتعلة منذ سنوات ، و هذا ما يفسر إستخدام الأطراف المتنازعة للحوار كوسيلة للمناورة وتحسين المراكز وتحقيق بعض النقاط و إعتباره جولة من جولات المصارعة السياسية التي تعصف تجاذباتها بمصير الوطن برمته .

حاصل الأمر أنه علينا الإعتراف بعدم قدرة طرف سياسي بعينه على الإستفراد بالسلطة ولا يمكن في ذات الوقت ممارسة قواعد الديمقراطية لعدم الإتفاق على نموذج ديمقراطي ليبي يناسب الطبيعة الخاصة لليبيا و الليبيين من حيث التجربة والثقافة العامة والحاجات الطارئة التي تقلب موازين الأولويات الطبيعية للشعوب والدول المستقرة ومن ثم فلا مناص من جلوس الفرقاء وتجميد العمل السياسي في إطاره الحزبي ” الوهمي ” والإرتكان إلى منطق يتسم بالواقعية وتقبل الآخر وخلع جلباب الوهم الذي جعل كل طرف يعتقد أنه قادر على القيادة و تحديد مصير الوطن بمفرده .

ونستطيع أن ندلل على ذلك من خلال تشكيلة المجلس الرئاسي وتعاطي أطراف الإتفاق مع إستحقاقات تنفيذه حيث صارت فصلاً من فصول مسلسل ” المهادنة والمباغثة ” الذي لا تنتهي حلقاته وبذلك إنتقلت ساحة المعركة إلى حرم السلطة ورحم الدولة الذي لن يلد الا إنشطاراً مؤسساتياً بفعل هذا الصراع السياسي داخل السلطة ” التي يفترض أنها توافقية ” فأصبحت الأطراف المتناحرة تتسلح جميعها بسلاح الشرعية التي انضوت تحته وأضحت السلطة ذاتها ممثلاً شرعياً لهذا الصراع الذي يمزق نسيج الوطن على جميع الأصعدة.

أما المجلس الرئاسي وبهذا الحال فقد بات ممثلاً شرعياً لسلطة الصراع وصراع السلطة، وبذلك يصار إلى حتمية مفادها أنه لا يعدو أن يكون إلا أداة من أدوات المعركة والمناورة بين المتصارعين، ومن ثم تستمر الحاجة الملحة إلى توافق حقيقي وموضوعي والإقرار بواقع المجلس الرئاسي الذي لا يعتبر والحالة هذه ممثلاً لسلطة الدولة بقدر أنه هجين مفعول به إلى حين.

أخيراً.. أعتقد جازماً أن ليبيا بحاجة إلى مصالحة سياسية بين الأطراف المتصارعة وتتويجها بترويكا تقود البلاد خلال مرحلة إنتقالية يجب ألا تكون قصيرة حتى تحقق الغاية المستهدفة المتمثلة في إعادة الإستقرار وبناء قواعد الديمقراطية الليبية التي تراعي خصوصية ليبيا جغرافيا وديموغرافيا وتاريخياً على نحو واقعي يضمن تعافي الجميع من فوبيا التربص والإنقلاب والإجتثاث، والهدف المشترك المتفق عليه من الجميع واضح وجلي.. ليبيا ولا شيء دونها، فإن زالت زال كل شيء ولن تنفع حينها لا سلطة ولا غنيمة.

أزفت الآزفة . ليس لها من دون الله كاشفة

أنس أبوشعالة

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 3.