هكذا كنا.. وكيف أصبحنا

بقلم:

new-article1_20-10-2016

أثناء خروجنا من العمل بعد الدوام الرسمي برفقة احد الزملاء بالمؤسسة التي اعمل بها طلبت منه مرافقتي للذهاب الي سوق الحوت بباب البحر لغرض شراء بعض أنواع الأسماك التي يكون موسم كثرتها بشهر أغسطس وخاصة نوع (امبوكاو مالستو) الخالية من الشوك وسهلة الاكل وبعد تردده والالحاح عليه لمرافقتي الي سوق الحوت وافق بالمرافقة والذهاب معي، وفي الطريق  تحدثنا عن طرابلس والازدحام الموجود بها وكذلك  عدم احترام إشارات المرور والوقوف في الأماكن الممنوعة وفوق الأرصفة وقفل الطريق على المارة وقلت له  كانت طرابلس في الزمن الجميل اقصد هنا بهذا المملكة كان هناك نظام وقانون يطبق على الكل والشرطي او البوليس بذلك الزمان يحترم ويقدر وهو في نفس الوقت يقوم بكافة اعماله المنسوبة اليه بكل دقة وإتقان، وذكرت له كان الانسان الليبي له كل التقدير والاحترام وذلك بتقديم الخدمات بالمجان لكافة الشعب من أولويتها  الصحة والتعليم حتي تسطيع تكوين مجتمع سليم ومتعلم ليواكب التطور والتقدم وخاصة بعد اكتشاف البترول وتصديره الي الأسواق العالمية وتدفق الإيرادات من تلك الصادرات واستغلال تلك الأموال بأنشاء مراكز الرعاية الصحية بكافة المدن والقري الليبية وانشاء المدارس والمعاهد المتوسطة لبعض الحرف والصناعات الصغرى والمحاسبة وما يتعلق بالشؤون الإدارية والمساحة ومعاهد التمريض ومساعدي التمريض  لسد حاجات الدولة بذلك الزمان الجميل من تلك المهن المتوسطة.

واثناء سيرنا بطريق وعند مرورنا بمنطقة الظهرة بالشوارع الفرعية لتفادي الازدحام حتى نصل الي فندق الودان والوصول الي الجسر بجانب الفندق ومنه الي طريق الشط حتى نصل الي السوق وفي هذا الاثناء ذكرت لزميلي حادثة حدث لي أيام الزمن الجميل زمن المملكة لما كان الانسان الليبي له قدر واهتمام ورعاية سوء كانت هذه الرعاية صحية او الرعاية تعلمية وقصصت له هذه الحادثة التي ما زالت أتذكرها بالتفصيل وبإتقان حتى اليوم والحادثة هي: ـ

كنا نقيم بالمدينة القديمة بطرابلس وبالتحديد زنقة الراعي خلف جامع ومدرسة جامع محمود بجانب حوش اليهودي صاحب مصنع الحلويات وعبمبر ومية اللوز والمصنع يقع بداخل حوش هذا اليهود على ما اذكر اسمه (فاجو) ومنزلنا صغير يطلق عليه (حوش العلي) أي دور واحد به عدد من الغرف وملاحقاته

واغلبية سكان المدينة القديمة من تلاميذ وطلاب يشتغلون بالفترة الصيفية بعد اغلاق المدارس ابوبها ونستغل تلك الفترة في العمل بورش الحدادة او صهر وصناعة الفضة والذهب مع اليهود او في ورش النجارة والمطابع مع الجالية الإيطالية المقيمة بطرابلس وكنت انا لم يتجاوز عمري تسع او عشر سنوات وبالتحديد في سنة 1966م مع بداية موسم الدراسي كنت على وشك ترك العمل الصيفي والتفرغ للدراسة حيث كنت لا أزال اعمل بمطبعة مكانها مقابل بورت طرابلس او ميناء طرابلس تسمي المطبعة الفنية صاحبها على ما اذكر اسمه او لقب عائلته فطيس من مدينة زوارة وبمشاركة مع السيد علي المرغني.

نشتغل بهذه المطبعة على فترتين من الساعة التاسعة صباحا الي الواحدة ظهرا وفي الفترة المسائية من الساعة الثالثة الي السادسة مساء معظم أيام الأسبوع الا يوم الخميس فترة واحدة فقط (نصف يوم) من الساعة التاسعة صباحا الي الساعة الثالثة بعد الظهر واغلب اعمالنا نحن اصغار السن هي جمع المسندات حسب اللون والتسلسل والترقيم وكذلك نقوم بمساعدة الفنيين بصيانة المطبعة بالكامل من تشحيم وغسيل الآلات بالكيروسين والنافطة والبنزين ثم نقوم بتزييت وتشحيم تلك الآلات حتي تكون جاهزة للأسبوع الذي يليه للعمل وتنفيد الاعمال للمستندات المراد طباعتها للبنوك والشركات حسب الأولوية وكان اغلبية العاملين الفنيين من مصر والمشرف العام علي تنفيد الاعمال شخص صاحب كرش او بطن كبيرة اسمه فاروق  ومع العلم معظم الآلات كانت صناعة المانيا ..

وعند نهاية الدوام كان ذلك اليوم يوم الخميس وبعد تنفيذ كافة الاعمال من صيانة جميع الآلات وتزييتها وتشحيمها وتنظيف المطبعة بالكامل وبعد قيام المشرف على العاملين بتوزيع الحفظة او الخمسية أي الراتب علينا  الذي كان لا يتجاوز جنية ونصف أسبوعيا بذلك الوقت كان يدفع أسبوعيا وبالتحديد يوم  الخميس وانصرفنا بعد اغلاق المطبعة، وعند رجوعي الي بيتنا وكنت اقود دراجة صغيرة والطريق عبارة ساعدا عبارة عن منحدر من اسفل الي أعلى والمكان بالتحديد منطقة القبة بباب البحر مقابل الميناء وفي الأعلى يوجد خزان مياه كبير ومعروف بتلك المنطقة ويعرف بخزان القبة  وكان ذلك اليوم من أيام الخريف وكانت تهب رياح غربية الاتجاه متوسطة السرعة مما جعلتني لا استطيع قيادة الدرجة من شدة الرياح  ونزلت منها واكملت بقية المنحدر مشيا وبيدي الدراجة حتي نهاية صعود المنحدر وعند هذه اللحظة وانا اصعد الدرجة هجم عليا كلب وقام بعضي برجلي اليسرى، وكان صاحب هذا الكلب جارنا بالمدينة القديمة وعندها رجعت الي بيتنا مسرعا وانا انزف الدم من رجلي الايسر وقام والدي بنقلي الي المستعجل (المستوصف) الذي كان يقع بأحد الشوارع خلف جامع بورقيبة الشهير بشارع طارق المتفرع من شارع الرشيد المعروف بطرابلس وبعد الكشف عليا من قبل طبيب إيطالي والذي قام بإسعافي بحقنة ضد داء الكلب بعد ما سردت عليهم ماذا حصل معي ومعرفة مكان تواجد الكلب ومعرفة عنوان منزلنا بالمدينة القديمة والنقطة القريبة والدالة علي مكان الكلب  ليتم القبض عليه ومعرفته هل يحمل داء  الكلب ام لا من خلالها تتم تشخيص حالتي وبالتالي معالجتي من عضة الكلب، وفي صباح اليوم التالي وعند الساعة الثامنة صباحا وكان يوم عطلة وهو يوم الجمعة واد بي أسمع طرقات على الباب خرج ابي مسرعا فوجد احد افراد  البوليس  وممرض وسائق السيارة امام المنزل وطلب من الوالد معرفة ومكان تواجد الكلب للقبض والكشف عليه لمعرفة بأن الكلب مصاب بداء الكلب او لا، وذهبنا جميعا برفقة والدي واحد افراد البوليس والسائق الي مكان تواجد الكلب وكان صاحبه متجاوب مع الكل في القبض علي الكلب للكشف عليه من قبل السلطات الليبية بالحجر الصحي التابع للخدمات الصحية ببلدية طرابلس بذلك الزمان الجميل، وبعد الكشف علي الكلب من جهات الاختصاص ومن قبل الأطباء البيطريين اتضح بأن الكلب مصاب بداء الكلب وعليه قرر الأطباء بأن أحقن  بالإبر يوما لمدة أربعون يوما وانه عليا الحضور الي مقر العلاج يوميا بالحجر الصحي الذي يقع  خلف بلدية طرابلس شارع البلدية، إلا انني تخلفت عن الحضور لأخذ حقنة العلاج لمدة ثلاثة أيام  وفي اليوم الثالث طرق باب الفصل الدراسي الذي كنت ادرس فيه واذا به مباشر إدارة المدرسة اسمه عيسي السوداني وكان يمتاز بطول القامة والأطراف وهو اسمر البشرة وطلب مني مرافقته الي إدارة المدرسة وكان مدير المدرسة الأستاذ بومنجل  ونائبه الأستاذ الطاهر الزنتاني والذي كان يمتاز بأناقته بالزي الوطني الليبي وعند وصولي للإدارة المدرسة فوجئت بوجود احد افراد البوليس وسائق وممرض بلباس التمريض ودخلت الي الإدارة وتم توجيه سؤال لي عن اسمي بالكامل ومقر سكناي وكيف تلقيت الإصابة من الكلب مع المكان والزمان ودهشت كيف تمت معرفة هذا بالمدرسة، وسألوني عند عدم حضوري لأخذ العلاج من الحجر الصحي وكنت صغيرا في  السن ولا يوجد من اذهب برفقته الي العلاج وسألني  مدير المدرسة عن والدي فقلت له انه يعمل بقاعدة الملاحة طوال النهار أي انه يخرج من البيت في الصباح الباكر ويعود في اخر النهار وفي هذه اللحظة طلب مني الخروج من الإدارة وحدث نقاس بين المدير ونائبة والممرض والشرطي ومن ثم أشار اليا المدير بالدخول ثانيتا وقال لي  عليك بالخروج من الفصل قبل موعد الاستراحة بعشره دقائق  بين فترتي الدراسة  مع اخد فطورك من مقصف  المدرسة وسوف تجد سيارة امام المدرسة بانتظارك لنقلي الي  المستعجل (المستوصف) لتلقي العلاج المطلوب وهكذا استمر الحال طيلة فترة العلاج ومع العلم بأن يوم الجمعة عطلة ولكن رغم هذا كانت تأتي السيارة بصحبة الممرض والسائق لمنزلنا لإتمام العلاج بالكامل.

وما جعلني اسرد عليكم هذه القصة الا بطلب وبإلحاح من زميل لي بالعمل كيف كانت دولتنا ليبيا الحبيبة التي كان اهتمامها بالمواطن الليبي لتوفر له الصحة أولا ومن ثم التعليم.

هكذا كانت الدولة الليبية في عهد الزمن الجميل واسأل الله تعالى ان تقوم دولتنا من جديد ويكون من اولوياتها الفرد الليبي كما كان في هذا الزمن الجميل بقيادة رجال وطنيين غيورين شجعان وحبهم للوطن ليبيا بعد القضاء على حكم شمولي طاغي لمدة اثني واربعون سنة لم يكن فيها للمواطن العادي لا حقوق ولا رعاية حتى ولو بسيطة رغم خيرات دولتنا ليبيا الحبيبة.

هكذا كنا.. وكيف أصبحنا..

ولكم التعليق،،،

حسين بن مادي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 25.