الشرعية والمأساة الليبية.. والشريعة الجدلية

بقلم:

new-article1_24-10-2016

بعد تغييب الدكتاتور معمر القذافي، الشرعية “الثورية” والمشرع الأوحد والممسك بجميع مقاليد السلطة في ليبيا، عن مسرح الأحداث بليبيا في 20 أكتوبر 2011.. وبعد انتصار 17 فبراير.. بات الجميع يحاول أن يضفي على نفسه الشرعية فبتنا نسمع شرعية ثوار ما بعد التحرير!!! أو شرعية القوة على الأرض، وشرعية المساجين، وشرعية المعارضة بالخارج، وشرعية “الله أكبر”.. المهم بعد الحرب الأهلية، أو بالأحرى خلالها، بدء التسابق على الشرعنة لغير الثوار  الحقيقين وفتحت الأبواب أمام المتسلقين.. صحيح أن انتفاضة 17 فبراير لم يكن لها قيادة واضحة لذلك لم نرى مفهوم واضح للشرعية والتي كان من المفترض أن تكون “صفة أيَّ نظام مؤسس على مرتكزات قانونية أو أخلاقية أو قيمية ينعقد حولها إجماع مجموعةٍ معينة أو أغلب أفرادها نظرا لما يجمع بينهم من تلك الأسس وما توفره من إنصاف وعدالة في تنظيم المعاملات بينهم وحماية حدودٍ دنيا من الحقوق لكل واحدٍ منهم”[1] هذا ما كان يجب التأسيس له.. لكن بالتأكيد العيش في ظل دكتاتورية معمر القذافي دفع بالشعب خلال ثورة، والأصح حرب، التحرير إلى العمل بما أصطلح عليه الشرعية الثورية، ليس ما يدعيه الدكتاتور معمر، التي يعرفها سمير اسطيفو شبلا فيقول بأن: “الشرعية الثورية هي نتاج اغلاق الابواب بوجه قوى المعارضة الشعبية السلمية” [3] وهذا ما حدث مع الشعب الليبي.. لكننا  لا ندري هل الإعلان الدستوري أوفى بالمرتكزات القانونية والأخلاقية والقيمية؟ الواضح وما تشهده ليبيا من صارع دموي على السلطة وتردي الوضع إلى فتح شهية السيد الدكتاتور حفتر للرجوع إلى الخلف ومعاودة  دكتاتورية العسكر!!! بل جعل من الطرفين النقيضين بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام والبرلمان.. ينقلبون على المجلس الرئاسي بعد اكتسابه شرعية بمباركة دولية  .. وقد أحي أجسام الاتفاق السياسي الذي أعترف به المؤتمر ولم  يقره البرلمان رافضا المادة (8) التي تخرج السيد خليفة حفتر من المشهد كما أخرجت معمر القذافي.

القانونية في الإعلان الدستوري

بالتأكيد دستور 1951 المعدل في 1963 لم يستطيع الدفاع عن نفسه أمام انقلاب سبتمبر 1996 بقيادة الملازم معمر القذافي أو بالأحرى لم تكن هناك مشاركة حقيقة  للشعب الليبي بحيث كان القبول بالانقلاب على الدستور وبدون أي معارضة تذكر.. وبالرغم من قانونية دستور 63 إلا أن انقلاب سبتمبر لم يواجه أي معارضه في إلغائه وربما يرجع ذلك بسبب أنه لم يكن يستند إلى أي ركائز أخلاقية أو قيمية شارك بها الشعب في صناعة الدستور بمختلف مراحله التأسيسية للهيئة الدستورية أو المشاورات الدستورية أو الاستفتاء عليه كخطوة نهائية.

من هنا جاءت قانونية الإعلان الدستوري المؤقت من قبل المجلس الوطني الانتقالي، المعترف به دولياً، نتيجة لانشغال الشعب في خوض حرب مسلحة ضد الدكتاتورية بعد خروجه سلميا مطالبا بالتغيير والحرية!!! نعم رفض الدكتاتور الانصياع للمطالب الشعبية المتمثلة في الحرية والعدالة الاجتماعية ومقابلتها بإصدار الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين سلميا شرعن حمل السلاح للشعب ومواجهة منظومة القذافي الأمنية بحرب التحرير.. وفرض أيضا على المجتمع الدولي الوقوف مع الشعب الليبي وبغض النظر هل كان ذلك بدافع أخلاقي أو قانوني أو قيمي .. المهم جاءت قرارات مجلس الأمن في مرحلة المواجهة لصالح الشعب الليبي.  وأصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1973 الذي أصدرته الأمم المتحدة بتاريخ يوم الخميس والقاضي بفرض عقوبات على حكومة القذافي الليبية أهمُّها.

الأخلاقية والقيمية في الإعلان الدستوري

نعم الواضح أنه وخلال حرب التحرير كانت هناك دوافع أخلاقية وقيمية بقدر سمح لتأسيس الإعلان الدستوري .. إلا أنه بقي الجانب الاخلاقي تشوبه بعض الجوانب المصيرية التي دفعت الأمازيغ، وهم من الأوائل الذين حملوا السلاح ضد القذافي، إلى مقاطعة الأمازيغ والأمازيغيات لانتخابات الهيئة التأسيسية للدستور بعد غياب آلية تضمن التوافق بشأن حقوقهم اللغوية والهوياتية ورفض مطلبهم بتعديل المادة 30 للتعديل السابع للإعلان الدستوري المؤقت التي تضع حقوقهم الطبيعية على مقصلة النصاب (الثلثين +1) .. لا ندري بعد تجهيل الشعب الليبيي وقمعه لأربعة عقود وترسيخ ثقافة الفكر الأحادي هل ستتكون عنده أي قيم إلى جانب الرغبة في الانتقام والتعذيب والهدم والحرق التي مارسها نظام الدكتاتور معمر طيلة حكمه؟ نعم وبالرغم من النجاح الذي أحرزته انتخابات 7 / 7/ 2012 بالمشاركة الواسعة فرحا بالديمقراطية إلا أن الخلل الفادح كان ينبئ بالانهيار وربما يرجع للأسباب التالية:

  • غياب الحق الأمازيغي في الاعلان الدستوري والذي أحيل إلى الهيئة التأسيسية للدستور.
  • محاولات شرعنة الشريعة بتفسيرات مربكة بدءً من اعلان التحرير بالتشجيع على الزواج من أربعة.
  • إصدار قوانين بتحريم مفهوم ربوي بالمصارف غير واضح وغير معمم أصدره المؤتمر الوطني الليبي بتاريخ 13 نوفمبر 2014 والذي يلغي الفوائد المصرفية على القروض التي تمنحها المصارف الليبية للمواطنين [5]!!!
  • تسييس دار الافتاء ودخولها حلبة الصراع السياسي المسلح .. فعوضا أن تلعب دور الوسيط والمصالح بين الأطراف المتحاربة أججت الحرب بانحيازها لطرف.

أعضاء المجلس الوطني الانتقالي لا يختلفون عن المنتخبين للهيئة الدستورية .. فبالرغم من أن الهيئة التأسيسية للدستور تضمنت مجموعة من القانونيين المتخصصين، بل ومنهم من متخصص في القانون الدستوري، لكلنا لمسنا غياب قيم حقيقية لبعض ممن أشرفوا على صياغة الاعلان الدستوري والأمازيغ لن ينسوا اجتماعهم في بنغازي بتاريخ 6 أغسطس 2011 عندما حدث جدل بشأن الاستحقاقات اللغوية والهوياتية للأمازيغية تفجر غضبا أحد الأعضاء وهو قانوني وحقوقي وقال: “توه لما نفضو بيكم الأمازيغ نمسحوكم!!!” نعم بعض  المتصدرين للمشهد في الهيئة التأسيسية لا يختلفون عمن قدموا لنا الإعلان الدستوري المؤقت بل وجدنا من هو متشبث بجنسية غير ليبية.. وهناك من بالغ في المناطقية والجهوية إلى حد التطرف بل أن هناك من أراد أن يكون الدستور المتكلم باسم الله في الأرض ويكون تفسير للشريعة حسب رؤيته هو.. كما ووجدنا من يرفض التنوع اللغوي والعرقي في ليبيا وكأنها كفر بالله بالرغم من أن الله هو القائل “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”!!! بهذه العاهات والتشوهات اللاقيمية واللاأخلاقية التي واكبت الاعلان الدستوري واليوم مستمرة مع الهيئة التأسيسية سيكون من الصعب الوصول إلى توافق بالرغم من أن ذلك غير مستحيل!!! إذن القيمية والأخلاقية  غابت أو غيبت من الإعلان الدستوري المؤقت لذلك عندما اندلعت الحرب الأهلية الثانية مع منتصف 2014 بعدها بات التوافق للحوار الوطني صعب جدا مما أضطر المجتمع الدولي للضغط على أطراف الحوار الليبية والوصول بأي شكل للتوافق في الصخيرات في 17 ديسمبر 2015.

الشريعة الجدلية:

لا يمكن أن يختلف اثنان على أن “الشريعة الإسلامية” وحسب ما يعبر عنها بكلمات موجزة الدكتور حامد الرفاعي في كتابه “شركاء لا أوصياء”: ”  أن الشريعة في الإسلام (وهذا المصطلح أدق) هي انتظام شؤون الحياة وتصريف مصالح الناس وإقامة العدل بينهم” [3].. هذا الفهم للشريعة سيجد الكثير ممن يتفق معه، ولكن لن نستغرب بأن هناك من سيعترض على هذا وقد يسأل أحدهم..  حدد من الناس هل هم مسلمين أم لا؟  وربما على أي مذهب؟ وأين العقيدة من هذه الشريعة؟ ولن يقف سيل الأسئلة!!! ورأينا اليوم كيف أن هذه الأسئلة بهدف أقرار الشعب بأحقيتهم في امتلاك الحقيقة والتي ستوصلهم إلى رأس السلطة بدون منازع ..  نعم الإسلام بما يمنحه من حرية الاعتقاد بقوله: “لا أكراه في الدين”  لا يترك لأحد حق التدخل في العلاقة العمودية بين العبد وربه!!! فيما يخص العلاقة الأفقية مع الناس والأرض هدينا قول المصطفى عليه الصلاة والسلام :” “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ..”  أنتم أعلم بأمر دنياكم” وبهذا لا يدعو مجال للشك لفتح أبواب الاجتهاد على وسعها لعمارة الأرض  وخدمة الناس ومساعدتهم على قضاء حوائجهم وتيسير سبل حياتهم .. ولو قضت المصلحة تعطيل “حدود الله” كما فعل سيدنا عمر بشأن حد السرقة في عام المجاعة!!!  وهذه قمة الأخلاق تجاه الناس!!! فجميع الفقهاء أجمعوا على أنه “حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله” .. نعم  شرعية الشعب تعطيه الحق في الـتأكد من أن تؤسس الشرعية على أسس قانونية وأخلاقية وقيمية  وعلى أن تكون الشريعة لخدمة الناس ودفع الضرر عنهم لا في قهرهم واستعبادهم ولجم أفواههم كما هو يسوق لها اليوم .. نعم لا يمكن قبول شرعنة شريعة “إسلامية” وذلك حرصا وخوفا من الأتي:

  • تجاوز حدود النصح والتدخل في علاقة البشر بينهم وبين ربهم بفرض أراء فقهية مختلفة ومتعددة بشأن أركان الأيمان والإسلام.
  • فرض عادات بخصوص المأكل والمشرب والملبس والمسكن والموصلات باسم الدين.
  • أي تدخل في شرعنة علاقتنا بعمارة الأرض لا يمكن قبوله إلا إذا كان يجلب الضرر لأي كائن حي!
  • تقديم المصالح لا يمكن أن يسبق دفع الضرر وحسب قاعدة درء المفاسد: دفع المفاسد أهم من جلب المصالح عند المساواة”.
  • الإقصاء اللغوي بحجة العربية لغة القرآن ، والتمييز العرقي بفتوى شرعية النسب القريشي العربي للحكم والإمامة!!!
  • العودة لبسي النساء وبيع العبيد بحجة أنها من الإسلام !!!
  • رفض شرعنة قتل النفس لاختلف مع رأي فقهي يتعلق بتفسير ما هو قطعي الورود وظني الدلالة.
  • العدالة للناس أرضاء لرب الناس وليس ترضية لفتاوي وأراء فقهاء .. فما تعيشه الأسر الحاكمة برعاية الفقهاء من تخمة يحرم على باقي الناس عي الكفاف.
  • ترويجمصطلح “الدولة الإسلامية” وما يناظره من “الشريعة الإسلامية” بات إرهابيا وهو لم يرد على لسان سيدنا محمد  صل الله عليه وسلم ولم يكن ضمن مصطلحات دولة المدينة دولة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

كلمة ختامية:

ما يحدث من تلاعب بالشرعية في ليبيا ينبئ بانفجار شعبي والعودة إلى الشرعية الثورية الشعبية لـ 17 فبراير والتي من مسرعاتها محاولات الردة اليائسة بالعودة إلى الدكتاتورية العسكرية بقيادة خليفة حفتر .. نعم أما التمسك بشرعية الوفاق الوطني المتمثل في اتفاق الصخيرات المغربية يوم 17 ديسمبر  2015 وتسريع التوافق بشأن الدستور والذي يجب أن يلقى المشروعية بتطبيق بنوده على الأرض .. وإما العودة، لا قدر الله، للخلف إلى كلام الكاتب سمير اسطيفو شبلا [3] حيث يقول  “أما الشرعية الثورية فهي تبتعد عن القانون الوضعي المستبد وتقترب من النصوص التشريعية التي تضمن حقوقها المشروعة ان كانت في الدستور الوطني او في اعلانات حقوق الانسان العالمية التي تضمن لها الحريات العامة والخاصة منها حقها – اي الشعب – في عزل الحكومة الاستبدادية وكذلك حقوقها الطبيعية لا يمكن التنازل عنها ولها الحق افراد وجماعات من مقاومة الحكومة”.. نأمل أن يصل الليبيون والليبيات إلى تطبيق بنود الوفاق الوطني يتم التوافق والوفاق لشرعنة  حكومة الوفاق الوطني والتوافق بشأن صياغة دستور يلبي  طموحات وتطلعات الشعب الليبي .. تدر ليبيا تادرفت.

المراجع:

[1] الجزيرة نت، “الشرعية الدولية”، الخميس 4 فبراير 2016 .

[2] وكيبيديا، “شرعية سياسية”، الحسابات الاجتماعية الرسمية لوكيبيديا العربية.

[3] سمير اسطيفو شبلا، “الشرعية الثورية والشرعية الدستورية وما بينهما”، الموقع الرسمي للحركة الديمقراطية الاشورية (زوعا).

[4] ويكيبيديا، “شريعة أسلامية”، الحسابات الاجتماعية الرسمية لويكيبيديا العربية.

[5] الجزيرة نت، “ليبيا تحظر الفوائد المصرفية”.

أ.د. فتحي أبوزخار

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 27.