قراءة في الشأن الليبي بمفردات إقليمية دولية (2)

بقلم:

new-article1_26-10-2016

لقد حاولت القول في الجزء الاول من هذا المقال، أنه كان وفى تقديري، ومن واقع معايشة العقود الاربعة المنصرمة الفائتة التي عصفت بالبلاد، بأن هذه (المنصرمة) عملت خلالها لتجعل من ليبيا تتربّع فوق مخزن هائل للذخائر والاعتدة الحربية المتنوعة، يمّتد على طول مساحة جغرافيتها، وقد تبيّن الليبيون ذلك بعد احداث انتفاضة فبراير المجيد.

كما عملت هذه (المنصرمة) على الاحّتفاظ بعائدات النفط الليبية، ببنوك داخل البلاد وخارجها في حوافظ ومُجنّبات وودائع وحقائب استثمارية، على مدار العقود الاربعة الماضية. ولم تسعى الى تَوَظّيفها في بُنى تحتية جيدة داخل البلاد، تُفيد الوطن ومواطنيه، وشاهِدُنا على ذلك، في اجراء مقارنة بسيطة بين بلادنا وبما تَمّتلك من عائدات نفطية كبيرة خلال تلك العقود الاربعة البائسة، مع الجارة تونس الفقيرة من تلك العائدات، نتبين ومن خلالها، مقدار الهوة بينهما في كل المجلات. تعليمي. صحي.  خَدمي او غيرها، لصالح الجارة الشقيقة.

وفي الغالب، ان جل ما سَيّلته تلك العقود المنصرمة من عائدات النفط   داخل البلاد، كان يذهب الى تغّدية امّنها الداخلي، للمحافظة به على استمرار دواليب ادارة البلاد بيدها، او نحو شراء الدمم والولاءات القبَلية، وقمع النخب وترهيبها وفى الغالب تصّفيتها وجوديا.

وبقول اخر جعلت تلك (المنصرمة) من ليبيا مخزن هائل للأعتدة والذخائر الحربية، وبنك يُراكم عائدات النفط في اوراق مالية داخل حوافظ ومُجنبات وودائع وحقائب استثمارية.  كل هذا الكم من الودائع والمجنبات والحوافظ والحقائب الاستثمارية، يُحّتَفَظ به في خزائنه، حتى يأتي الوقت المعلوم لديها، ليُوَظف فيما نُشاهده ونَحُسّه في هذا الان، وفى هذه اللحظة، وبما تَمُور به بلادنا ويَعّصف بالإقليم الذي يحّتضنها، ولتكون هذه الاعتدة الحربية، والمدخرات من حوافظ وارصدة ومجنبات، أحد الروافد الهامة، التي تتغدى عليها هذه الحروب، بغرض تفكيك ونسّف وتدمير كل مكونات هذه المنطقة. جغرافيا. ديموغرافيا. ثقافيا.  وقد جعلت تلك (المُنّصرمة) من الخيمة، اداة لها للإعداد لهذه المرحلة البائسة، التي نُعانيها في ضرفنا هذا.

ولكي تتمكن تلك (المنصرمة) من الوصول الى كل هذه الارصدة المالية، دونما ان تظهر داخل الصورة او المشّهد، كانت تعرف وبالفطرة، بان غطاء من فوضى، تصنعه وتديره، ويضل تحت سيطرتها، يفي بالغرض، ويُمكنها من التسلل عبره الى بِغّيتها بيسر بالغ، دون ان تتلطخ اياديها على نحو مرّصُود.  فكانت ومن تحته، تطال ما تُريد من تلك الخزائن، بدراع أحد المليشيات المنتشرة على اتساع رقعة بلادنا – ولا اريد ان اقول أحد ميليشياتها -، كأن تعترض بها طريق أحد السيارات، التي تقل ملايين الدولارات، الى أحد البنوك داخل البلاد، ثم تخّتفى بالغنيمة دونما أثر، وتكررت هذه الحالة مرارا. بل وفى احايين عدّة، من خلال اقتحام البنوك، بواسطة هذه الادرع، وفى رَابِعة النهار، لتُفّرغ خزائنها مما تحتويه من الملايين، والاختفاء دون ملاحقة. او عبر أيادي خفية، تحّمل حقائب ملِيئة بملايين الدولارات، ترسل الى الخارج عبر المطارات، وما حقيبة مطار (قرطاج) الدولي المليئة بالملايين، ببعيدة على المُتابع والمراقب.  بل وإذا تطلب الامر، لا تعجز هذه، عن تسّيير باخرة تُشحن بالنفط الليبي وتعرضها للبيع في الاسواق العالمية، وما الباخرة الهندية التي انتهى بها المطاف الى المياه المالطية، بعد ملاحقتها امميا، الا عينه من ذلك العبث. كل هذا غيض من فيض كما يقال. وكل هذا ايضا لتُغدى به هذه المُنّصرمة، اُوارْ ما يعصف بالمنطقة من فتن وحروب. والتي من خلالها وبها، تسعى هذه الى اعادت تموّضعها في المنطقة من جديد وبثوب جديد.

كنت احاول ان اقول، بان هذا الغطاء الذي نُسج من فوّضى، والذي يلفْ بلادنا ليبيا، هي من سهرت على حياكته، لتجعل منه ستار تمر من خلاله، الى تلك المخازن لتُفّرغها من اعتدتها، والى تلك الخزائن لتضع يدها على مدخراتها، وكل هذا، لتغدى به، هذا التوَحّش الذي يضرب المنطقة، من سوريا وشرق المتوسط شمالا، الى مالي والنيجر فيما وراء الصحراء جنوبا.

ولكن دعوني اقول مسّتدركا , بانه لم يكن قُوَام ذلك الغطاء، الذى حاكته من فوضى لتستتر به، اتنا تحركاتها ببلادنا، تُشكله المليشيات بمفّردها، بل يُشاركها في ذلك الحكومات التي تعاقبت على البلاد، والتي نشاهدها تختفى  وتكمن حينا، ثم تبعث بعد حين، ومؤتمر انتهت ولايته، ونواب بمجلسهم المنتهية ولايته أيضا، وهؤلاء ينئون به وبأنفسهم، بعيدا عن الناس، ونراهم وعلى نحو دائم مشغولون بأنفسهم، مُتخذون من طبرق، المدينة الحدودية   مقرا لهم، كل هذا مُطَعّم بمحطات تلفزيونية، لا نعرف من اين أتت، ومن الأيادي التي تُموّلها، وهذه وبدون كلل، تعمل ليل نهار وفى الغالب، على تفّعيل وتأجيج هذه الفوضى التي تلف البلاد.

ولم تكتفى هذه (المنصرمة) بكل هذا العبث الذي يحّتوينا، بل طالعنا وزير خارجيتها بتصريح شهير(مُؤسس)، يطالب فيه بإرجاع، هؤلاء الملونين البؤساء، الذين يعبرون المتوسط نحو أوروبا الى ليبيا، وعندما لم يجد، ولم ولن يجد، هذا الوزير العتيد، ردة فعل رافضة من الجهات الرسمية او المدنية ببلادنا، ذهب من فوره، ليهمس في اذن وزير خارجية المجر، ليظهر علينا هذا الاخير، بتصريح، مُتكئا فيه على ذلك (التأسيس) المشار اليه، يطلب فيه بناء مدن ايواء لهؤلاء الملونين على الشواطئ الليبية لتوطينهم فيها. وهنا اقول من الطبيعي، لا يستطيع هذا المجرى، سوى تنّفيد إيعازات وطلبات عرّابه، الذي قادة من يده، ذات يوم من تلك السنيين الخوالي، ولم يتركه حتى اجلسه على أحد مقاعد البرلمان الأوروبي.

ولكن الم يخطر ببال هذه المُنّصرمة؟، بان هذا العبث الذي يعصف بليبيا، ويطال غالب الليبيين في اليومي والحياتي من مَعاشهم، قد يدفع البعض منهم نحو البحث والتقصي، ليتعرف على من وراء هذا الجحيم، الذي يصطلي به جل الناس ان لم يكن كلهم، ومن يكون العقل المدبر والمهندس والمايسترو لهذه الفوضى التي تضرب بلادهم. اولم يخطر ببال هذه المنصرمة؟، قد يصنع فعّلها هذا من بعض الليبيين، ذئاب منفردة ذات صِبّغة وطنية، وليست داعشية، قد تلاحقها داخل شوارع بلادها، لتُجَرِعها بعض مما تَجَرِعه الليبيون على اياديها، وهي تتخذ من ستائر الفوضى، التي تُديرها وتعصف بهم، ساترا لها…

البانوسي بن عثمان

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 16.