الثورة الليبية.. الثورة تأكل أولادها

بقلم:

new-article3_26-10-2016

“الثورات دوماً فاشلة، لا وجود لثوراتٍ ناجحة، ولن يكون لها وجود، إنها لا تحقّق أبداً ما قامت من أجله، الثورات تنتهي دوماً لإقرار نقيضها” نيقولاي بردياييف

بهذه الافتتاحية المخيبة للامال في رأي برديائيف الذي رأي أن مصير أي ثورة هو الفشل وأن ليس هناك وجود لثورة ناجحة في العالم، أحاول إجراء مقارنة بسيطة بين الثورتين، ثورة “الفاتح” وثورة 17 فبراير من حيث الاهداف والنتائح، وهل فعلا كل الثورات محكوم عليها بالفشل مثلما يقول برديائيف، أم أن الامر مقتصر فقط على الثورات الليبية المعاصرة؟

أولا: ثورة “الفاتح”… جعجعة بلا طحين

في ليلة حالكة من ليالي عام 1969 قادت طغمة من الضباط بقيادة الملازم الشاب معمر القذافي، البالغ من العمر انذاك، سبعا وعشرون ربيعا إنقلابا عسكريا على إدريس ليبيا الاول (محمد ادريس السنوسي) بعد زيارة قصيرة قام بها الاخير إلى تركيا واليونان لغرض الاستجمام وتلقي العلاج، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان.

لم يكن القذافي أو قادة الانقلاب معروفون في الاوساط العامة أو على الاقل في الليلة التي سبقت الانقلاب بأستثناء قلة قليلة من طلاب ثانوية سبها التي منها خطط المنقلبون لانقلابهم. ولم يمضي وقتا طويلا حتى أعلن عن هوية قائد الانقلاب وانتشرت الاخبار كما تنتشر النار في الهشيم. فجاء خبر الانقلاب أولا عبر إذاعة بنغازي ثم نقلته الاذاعات العالمية التي نقلت خبر فكانت اذاعة “البي البي سي” الانجليزية في المقدمة ثم اذاعة مونتيكارولو الدولية.

جل متتبعي لاحداث “ثورة الفاتح” يرون أن هناك مجموعة من العوامل التي ساعدت في نجاح إنقلاب 69 الذي لم ترق فيه قطرة دم واحدة كما تخبرنا السجلات التاريخية، ما دفع زعيمها الروحي (معمر القذافي) بأن يطلق عليها بكل جدارة إسم “الثورة البيضاء” ولكن سرعات ما تحولت تلك الثورة البيضاء إلى أكثر الثورات سوادا وعنفا وقمعا، بل إلى أكبر الثورات القرن العشرين دموية ويمكن لنا أن نحصر أسباب النجاح ثورة الفاتح السريع في النقاط التالية:

  1. نتيجة الفوضى والاستياء الذي كان يهيمن على الشارع الليبي مع تزايد إنخفاض شعبية الملك وتفاقم الانقسام القبلي بين الاقاليم الثلاثة (إقليم فزان وطرابلس وبرقة).
  2. عدم وجود جيش أو جهاز مخابراتي للمك حتى انه يقال ان حراسه الشخصيين بل معظم قواته الخاصة كانت ترتدي زيا مدنيا.
  3. التراخي والتسيب الذي أشتهر به الملك ناهيك عن الطابع التصوفي الذي يجعل من السلطة الدنيوية امرا ليس جدير بالاهتمام ما أثر كثيرا في شخصية و سياسة الملك.
  4. تزايد أنصار القومية العربية ودعاتها في ليبيا وتأثرهم بثورة جمال عبدالناصر في مصر الذي كان القذافي من بين اهم حاملي ومتشاربي فكره القومي في ليبيا حتى انه لقبه بزعيم الامة العربية.

هذه الاسباب وغيرها لا شك انها ساهمت بقدر كبير في تسهيل عملية إختراق أجهزة الملك دون أن يجد القذافي وطغمته الكثير من الصعاب والعناء في إنجاز مهمتهم بنجاح مريب.

ولا شك أن القذافي حمل في البداية مشعل ثورة التغير، ثورة رفع الظلم عن كل مظلوم وصرخ بأعلى صوته دفاعا عن الضعيف والمحتاج وذي كل حق في ثورة “الفاتح” التي تولى فيها دور الفاتح المعصوم من الاخطاء بعد أن أجهز على الملك وأجهزته الخاصة التي اتهمهما بالفساد والرجعية والتواطؤ والعمالة للغرب. متهما الملك المسالم بعرض البلاد للبيع وحمله مسؤولية تردي أوضاع المعيشة للمواطن الليبي الذي لم يستفد من الثروة النفطية التي تزخر بها البلاد كما كان القذافي يردد لانصاره. برغم من الشعارات العدائية التي كان القذافي يرفعها في ضد الدولة الملكية لتبرير أنقلابه إلا انه لم يقم إلا بتغيرات طفيفة التي لم يستفد منها كل الليبين، بل أنحصر الامر في أبناء القائد ورجاله المحيطين به وافراد قبيلته ومن كان يدور في فلكهم.

أما التصفية وقطع الرقاب فكانت من نصيب الجميع ومن نصيب كل من تجرأ في زعزع او حاول التقرب من كرسي الزعيم أو حتى من تحدث عنه بالسوء. عرفت ليبيا لاول مرة في تاريخها المعاصر مصطلح التصفية الجسدية والقتل الجماعي وكان أول برنامج يقوم به القذافي ونظامه هو تشييد السجون السرية ونصب المشانق في الساحات العامة وزج الليبيون في اتون حروب خارج ليبيا; في حرب تشاد وكونجو وارسل مئات الشبان اليافعين خاصة من أبناء الطوارق للمشاركة في الحرب اللبنانية-الاسرائيلية التي مات فيها الكثيرون وفقد فيها اخرون لا لشيء سوى لاشباع رغبات “الاخ القائد” الهستيرية.

ومع مرور الوقت، لم يبقى أمام المواطن العادي البسيط من الثورة التي عقد عليها كل أماله وتطلعاته سوى الشعارات الذائفة وسرعان ما ادرك الجميع ان “الاخ القائد” مجرد شخصية كرتونية تتظاهر بمظهر القائد الثائر والزعيم الحامل لامال والام الامة، الشعارات التي لم يتوانى العقيد المنهار برفعها ولم يجد حرجا في ترديدها حتى قبل ان يلفظ أنفاسه الاخيرة يوم 2011.10.20 في مدينة سرت التي كتب له القدر ان يسقط فيها رأسه مرتين، مرة عندما زار الدنيا ومرة عندما دفن فيها حيا.

ومهما كان زيف وبهتان تلك الشعارات التي تغنى بها العقيد الراحل، إلا أنها على ما يبدو كانت كافية في استقطاب قدر كبير من ابناء ليبيا في الثوران ضد ادريس ليبيا الاول. يقينا ان القذافي لم يكن استثناء من بين قادة الثورات والانقلابات العسكرية في العالم، فالمنقلبون دائما لديهم أسباب كافية ومقعنة تجعل من ثوراتهم في باديء الامر ثورات من اجل التغير ورفع المظالم ونصرة الحق والوقوف بجانب الضعيف ولكن عادة ما تنحرف الاهداف عن مسارها وتنزلق المبادئ إلى منحدر الاقصاء والاستبداد وتسقط الاقعنة وينكشف المستور لتعود الامور إلى ما كنت عليه من قبل، فالانقلابات العسكرية عبر التاريخ، تأتي دائما من أجل ترسيخ الولاء المطلق للحاكم والفرد وتمجيد المستبد وتزييف الوعي وترسيخ الطابع الاستبدادي والقضاء على أمال النماء والحريات العامة. الاشياء التي تأمل المجتمعات البائسة والباحثة دائما عن الحرية وتدفع بلفذات اكبادها من اجل الظفر بها.  ومع ذلك فاءن نتائج الانقلابات العسكرية عادة ما تكون كارثية ومتطابقة على البؤساء.

كل الانقلابات العسكرية في العالم  نتائجها مفجعة ومؤسفة وهي جميعا تتقاسم مبدأ القوة لانها لا تستند إلى المرجعية الشعبية، فالثوارت لا تفرض بالقوة ولا تقوم بها جيوش وإنما تقوم بها الشعوب وهي لا تأتي عن طريق المدرعات والالات العسكرية، إنما تأتي من الناس المضطهدين الذين لا يبحثون عن السلطة وانما يسعون للخلاص من القمع والتهميش والفقر كما هو حال الثورة الفرنسية والامريكية. أما الانقلابات العسكرية تأتي دائما لتصادر الحريات وتقمع الرأي وترهب الناس وترغمهم على الصمت والولاء وهذا ينطبق تماما على “ثورة الفاتح”.

ثانياً: ثورة 17 فبراير… وحراس المعبد القديم

معظم وسائل الاعلام وخاصة الغربية منها تشير إلى ثورة 17 فبراير بالحرب الاهلية الليبية، وذلك لان المتحاربين هم من فئات الشعب الليبي، بمعنى أخر أن العدوان لم يقع من الخارج أو من دولة خارجية. أن الاوضاع حتما لا تتحسن بأنتقال السلطة من مستبد سابق إلى مستبد لاحق، وأفظع ما في الامر حين يصير اللاحق أكثر أستبدادا من السابق. إنما تتحسن الاوضاع حين تتغير الرؤية وتتبدل الممارسة فتنقل السلطة من حكم الفرد إلى الشعب ومن الرؤية الاوحادية المغلقة إلى التعددية الفكرية المفتوحة.

لقد مرت ثورة فبراير بتغيرات مخيبة نحو الاسوأ، فالانتقال كان مدمرا للرؤية وللقيم الانسانية التي قامت من اجلها، حيث اصبحت لغة التغلب والقوة هي المعيار واصبح البقاء للاقوى، وامسى الصراع السياسي صراع من اجل مكاسب فردية عشائرية طائفية ايديولوجية عدة، فيما ظل القتل والترهيب جزء من الموضة الليبية الحديثة، بذلك انتهكت كافة مبادي الثورة ومعها مبادئي حقوق الانسان واصبح ثوار الامس هم دعاة القمع والاستبداد والرعب والخوف اليوم، ما قضى على كافة الامال وعلى البراغم الواعدة لسير نحو النضح الحقوقي ونحو الديمقراطية الفعلية. ولعلى كان من أبرز علامات الفشل التي كانت تنذر بما وصلت اليه الامور اليوم هي الطريقة البشعة التي قتل بها القذافي وحلفائه حيث كان من الممكن أن يخضع لمحاكمة قانونية عادلة ويمنح حق الدفاع عن النفس بدل تصفيته والتمثيل بجثته لغرض التشفي والانتقام.

البداية كانت في يوم 15 من شهر فبراير/شباط حين خرجت مجموعة من الاهالي لتخليص الحقوقي والمحامي فتحي تربل من قبضة الامن الداخلي حيث ارتفعت الاصوات والهتافات الصاخبة المنادية باطلاق سراحه. ولم تمضي سوى بضعة ساعات حتى تحولت تلك الاصوات البسيطة الى ثورة عارمة هزت جميع المدن الليبية من اقصى الشرق الي اقصى الغرب، ومن اقصى الشمال الى اقصى الجنوب. وسرعان ما تجاوزت مطالب المتظاهرين البسيطة في إطلاق سراح معتقلهم إلى المطالبة بأسقاط أعتى ومن بين أقوى الانظمة في العالم المتمثل في نظام القذافي. وماهي إلا أيام معدودة حتى أنتقلت شرارة الثورة وفيضانها إلى أقصى الغرب الليبي وتطورت أحداثها بسرعة رهيبة حيث سقط في أيامها الاولى اكثر من 400 شخص بالرصاص الحي. وفي يوم 17 فبراير انتفض الشعب الليبي في الداخل والخارج في مظاهرات شعبية عارمة شملت معظم مدن الغرب الليبي ك يفرن والرجبان ونالوت وجادو وكباو وزوارة والزنتان وبعض مدن الجنوب. المذهل حقا، هو كيف تطورت أحتجاجات بسيطة قامت بها مجموعة من النسوة من أجل إطلاق سراح محامي بسيط المتمثل في شخصية فتحي تربل إلى أكبر الثورات سيطا ودموية في شمال أفريقيا والشرق الاوسط عموما؟

لم يكن الليبين سواء في شرق البلاد أو في غربه معدين عسكريا أو معنويا للخروج لمواجهة حاكمهم المستبد، إذ أن جل الشعب الليبي كان أعزل وبدون أي اسلحة تؤهله لمواجهة الترسانة العسكرية الهائلة التي كان يملكها العقيد المنهار الذي وعدهم بالحديد والنار في خطابه المشهور “شدو الجرذان” . ولم يمضي الكثير من الوقت حتى خرج عليهم إبنه سيف الاسلام عبر القنوات ملوحا بسبابته مهددا بقطع الكهرباء والماء وإيقاف كل ما ينبض بالحياة. من هنا أيقن الانسان الليبي أن الدفاع عن النفس هو الخيار الوحيد الذي أمامه. ولكن كيف لشعب أعزل مثل الشعب الليبي أن يجرؤ بمواجهة القتل بصدور عارية؟

لا شك ان الذين سألوا انفسهم هذا السؤال في ذلك اليوم هم الغالبية وجلهم ينتمي الى جماعة “الزم بيتك” التي تتصدر المشهد السياسي اليوم في ليبيا، أما الذين واجهوا الة القتل القذافية بصدورهم العارية، هم الاقلية ولكن تلك القلة الخارقة للعادة هي من أبهر العالم وأجبروه بتقديم المساعدة بعد أن شهد الجميع على مدى بشاعة وقساوة القذافي وكتائبه واستوجب التدخل سريعا قبل ساعات قليلة من ارتكاب مجزرة انسانية في حق اهل بنغازي. حيث اطلق العقيد العنان لجيوشه بدكها دكا وبلا رأفة. ولولا تمرير مجلس الامن الدولي لقرار 1973 في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة الموافق 2011.03.18 لما كانت بنغازي اليوم مدينة مستوية بالارض.

لقد ثار الشعب الليبي بدون أستثناء من اجل ازاحة نظام استبدادي جثم على صدورهم اكثر من 42 سنة ونيف، رأوا من خلالها كل انواع العذاب والاقصاء ودفعوا بفلذات اكبادهم الى محارق ساحات الوغى وكل غال ونفيس من اجل وضع النهاية له. حيث وصل عدد الشهداء إلى حوالى 5517 شهيد حسب تقارير الثوار والمجلس الانتقالي انذاك رغم أن هذه التقارير يراها البعض مبالغ فيها ويقال أيضا أن عدد الجرحى والمبتورين إلى مئات الالاف ووصل عدد المفقودين وحدهم إلى حوالي 2516 فيما أستقر عدد المهجرين في 3 مليون مهجر كما حصدت مئات الارواح جراء عمليات الانتقام بعد تدمير مدنهم وقراهم ومازال الحبل على الجرار.
كنت أول صوت معارض من الجنوب الليبي يظهر بدمه ولحمه أمام كاميرات ووسائل الاعلام المختلفة وكنت قبل ذلك لسنوات المعارض الوحيد من أبناء جلدتي من الطوارق الذي يتحدث علنا ضد النظام ويخرج عن طاعة ولي الامر. أتذكر عندما كنت أحرض إخوتي الطوارق عبر الهاتف ووسائل الاعلام المختلفة في بداية الثورة بالتخلي عن القذافي الذي كان يستعملهم كدروع بشرية وهم بالتأكيد أكثر المتضررين من بين جميع فئات الشعب الليبي سواء في عهده أو حتى في زمن ثورة 17 فبراير، أتذكر كيف كانوا يسخرون مني حتى وصفني الكثير منهم بالمجنون والخائن والعميل الغربي الكافر الخ… كانت حجتهم دائما أيهما أفضل، عصفور في اليد أم عصفور في السماء؟ لا أنكر أنني لم أفهم تلك العبارة الساخرة إلا بعد فوات الاوان، أدركت يقينا أن أبناء عمومتي قد قرأوا كف ثورة 17 فبراير أفضل مني. رغم إننا “كطوارق” لم نرى من القذافي منذ أن تولى السلطة إلا التهميش والاقصاء ولكن أبناء عمومتي أدركوا أن لا فرق بين القذافي المستبد ومن سيأتي بعده بل تنبأوا بحتمية فشل الثورة، وهو ما ثبت فعلا بعد تحرير طرابلس حيث زاد التهميش وأرتفعت العنصرية وزاد القتل والاستهداف على الهوية “العمامة” وأرتكبت مجازر في غدامس وسبها واوباري نتيجة الاجندات والحكومات المتصارعة من حين لاخر.

لا تراودنا أدنى الشكوك في نزاهة أهداف ثورة 17 فبراير النبيلة وشرعيتها كثورة قامت من أجل التغير والعدالة الانسانية ومن اجل دولة تكفل فرص المساواة والمواطنة الكاملة لكل أبناءها ولكن اليوم بعد مضي أكثر من خمسة سنوات من عمرها، يبدو لنا جليا أن حراس المعبد القديم مازالوا موجودون ومازالوا يستثمرون الفوضى ويتغذون على الانقسام وإثارة الفتن والنعرات الجهوية والقبلية. أصبح القتل والاعتقال التعسفي والسجن العشوائي والتهجير القسري جزء من حياة الليبين، ناهيك عن تنامي التطرف والجماعات الاصولية المتطرفة والاختلاس والسرقات التي تقدر بملايين الدولارات، تارة بواسطة الحكومات المتتالية وتارة بأسم الثوار. رحل القذافي ولكن فكره مازال يتربص في كل زاوية من زوايا ليبيا كما كانت صوره وشعارته يوما بقت أيديولوجيته المقيتة تهيمن على المشهد الثقافي والسياسي الليبي عن طريق ورثته الذين تسيطر عليهم رغبة إفشال الثورة بأي ثمن.

أكلي شكا

الكاتب:

صحفي وإعلامي متخصص في الشؤون الليبية والافريقية

عدد المقالات المنشورة: 2.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: ابن تفناكه 2016/10/27

    صدق من قال بأن الثورات لا يأتي بعدها الا الشر وهذا لا يمكن لأحد ان يثبت عكسه الا ان يكون مجنونا يريد ان يثبت قاعدة غير مطردة
    ثانيا – من ا تعني بعبارة التطرف الأصولي

تعليق واحد