مؤسسات الدولة الليبية.. هل كانت متواجدة؟

بقلم:

new-article3_31-10-2016

أصبحت كلمة ثورة فبراير تغيض بعض الناس كما كانت تغيظهم كلمة الثوار. كل ما هو جاري الآن بليبيا يعتبره البعض تحصيل حاصل لهذه الثورة. ومن ساهموا في نجاحها. مؤيدي القذافي وجدوا تربة خصبة وأطلقوا العنان لأنفسهم وسخروا كل أموالهم وجهدهم للتنكير بهذه الثورة ومنهم من يطلون عبر القنوات الفضائية وينشرون آرائهم في هذه الثورة بأنها نكبة ومؤمرة. كذلك توغلوا في برلمان طبرق وجعل منهم عقيلة صالح مستشارين وإعلاميين وناطقين باسم البرلمان. كما استقبل بعض من كبار حركة اللجان الثورية أمثال الطيب الصافي وقبلوا رأسه تباركاً به كما كانوا يفعلون أيام القذافي.

كل هؤلاء وغيرهم من النظام السابق يتبجحون بأن ليبيا كانت دولة مؤسسات وهم من كانوا بها وبعضهم على رأس هذه وكانت تسير في البلاد على أحسن حال. لكن هذه المؤسسات والتي يتحدثون عنها هي في مخيلتهم وتخدم مصالحهم فقط وليست مصلحة الشعب الليبي. كانت شبه مؤسسات مبينة على هشاشة وليست على قواعد صلبة ومن يشتغلون بها هم موظفين لدي الدولة الليبية ومرجعتيهم لهذا الشخص وليس لقوانين وضوابط المؤسسة. عندما انهار النظام الجماهيري انهارت معه كل هذه المؤسسات المزعومة والتي تتبع حكم الفرد وليس قوانين وضوابط المؤسسات. من هذه المؤسسات المزعومة، الجيش والشرطة والصحة والتعليم والخدمات العامة والمصارف.

غياب مؤسسات المجتمع المدني كلياً في ليبيا واحلالها بروابط الشباب واللجان الثورية وبراعم الفاتح وغيرها من الأسماء وهي موالية للنظام وليس للدولة. لولاء وجود بعض الكفاءات الجيدة والتي حفاظة على جزئية بسيطة من عمل هذه المؤسسات المزعومة لما انهار الوضع نهائيا في هذه الأيام وهو في طريقه الى ذلك. أنصار النظام السابق والذين اخرجهم الشعب الليبي من الباب، يحاولون الان الرجوع من النافذة ومنهم من رجع ويتحدى في الشعب الليبي من خلال الاعلام وبرلمان طبرق ويتحدون في ثورة الشعب الليبي مرة اخري طمعاً بأن النوافذ ستبقي مفتوحة للهروب منها.

كان ومن المفروض الحفاظ على كل شيء عندما نجحت هذه الثورة وخاصة الشرطة والجيش ولكن تمت عسكرة هذه الثورة من قبل جماعة الإسلام السياسي ووقفوا ضد استمرارية هذه المؤسسة العسكرية والتي انهارت كليا بعد الثورة وقد بدائها القذافي قبل الثورة حيث أهملها نهائيا وقام بتكوين كتائب باسم أبنائه وتحت قيادتهم لحميته هو وعائلته فقط. كذلك مؤسسة الشرطة والتي كانت قوية بعض الشيء ولكن تقوم بعملها في توفير الامن للمواطن من المواطن وليس من كتائب القذافي ولجانه الثورية. شارك في تفكيك هذه المؤسسات جماعة الإسلام السياسي ومن ساهموا في مساعدة الشعب الليبي للتخلص من القذافي وهي دول حلف الناتو وبعض الدول العربية.

كذلك عزوف وهروب بعض قيادات التيار المدني والتي تم اقصاء بعضها جعل فكرة دولة المؤسسات غير مطروحة لدي جماعة الإسلام السياسي. المؤسسات الأخرى كانت هشة وضعيفة وتقدم في خدمات دون المستوي. المؤسسة المصرفية يوجد لديها قوانين وضوابط تتبع وتطبق على المواطن الليبي ولكن ليس على اللجان الثورية والمقربين للقذافي وزمرته. كانت أسوء مؤسسة في القارة الافريقية رغم غناء الدولة فهي متأخرة جدا في التحديث والميكنة والاستثمار سوء بالداخل او بالخارج. كانت لا تخالف أوامر القذافي وتعتمد على رأي الشخص الواحد أكثر من قوانينها. الثورة قامت وحافظت على هذا المستوي حتى لا يتضرر المواطن ولكن لم تستطيع انهاء الفساد مالي والذي تحميه بعض القوانين المصرفية ومن الصعب متابعة هذا الفساد لآن الميكنة لم تدخل القطاع ودائما بها اعطال وحتى وأن وجدت فهي غير مرتبطة بنظام مركزي. من السهل التلاعب والسرقة بهذه المؤسسة والتي هي شريان وعصب ليبيا. للأسف هذه المؤسسة منهارة الي ابعد الحدود ولن تستطيع متابعة الفساد المالي بها. أفسدها من يشتغلون بداخلها وهم يعرفون كل الطرق للتحايل واهدار المال العام. ليسوا جميعهم ولكن قلة منهم هم من يعرف وحريص على هذه الأموال. هل سيتحدثون يوماً؟

أكبر المؤسسات في ليبيا هي النفط والاستثمارات واللتان عليهما صراع عنيف للاستحواذ عليهما. هاتين المؤسستين تتحكمان في أموال الشعب الليبي. نصب على مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير من قبل المجلس الوطني الانتقالي وهو من جماعة التيار الإسلامي ووفروا له الحماية من خلال عسكرتهم لهذه الثورة. مصرف ليبيا المركزي يوزع للجميع وخاصة ممن لديهم القوة على الأرض. الاستثمارات الليبية من الصعب التلاعب بها حيث الأموال بالخارج وهي مجمدة والشعب الليبي محروم من هذه الاستثمارات والتي لو فعلت ستأتي بعوائد كبيرة. مجلس الامن والأمم المتحدة تمنع في أي أحد من وضع يديه عليها بحجة انه لا توجد حكومة فاعلة الى اليوم رغم ان هناك انتخابات ومؤتمر وبرلمان شرع هذه الحكومات واعترف بها المجتمع الدولي. انهم يشاركون في انهيار هذه المؤسسات والتي مجمدة ولكن كما يقولون محفوظة؟

السؤال الكبير والذي نطرحه، هل هذه المؤسسات متواجدة من قبل والا فقط اجسام؟

كل ما نقول عنهم مؤسسات فهي ليست موجودة حيث ليبيا ربما هي الدولة الوحيدة بالربيع العربي لم تكن دولة مؤسسات وانماء اجسام وأسماء فقط. هذه الأسماء والاجسام تحمل أسماء مؤسسات مثل ما هو موجود ببعض الدول الأخرى ولكن لا تمتثل لحكم وقوانين المؤسسات حسب ما هو معروف بقواعد تسير وتشغيل هذه المؤسسات. كان أعوان القذافي ولجانه الثورية تسيطر على هذه الاجسام والهياكل وهي المستفيد الأكبر من هذا. لهذا نراهم اليوم يحاولون الرجوع من النوافذ كي يرجعوا الى عزهم ومؤسساتهم الوهمية. للآسف عقيلة صالح وبرلمان طبرق يمكن فيهم واحد بعد الاخر ولكنهم لن يصلوا الى سابق عهدهم حيث ثورة الشعب الليبي طردت هؤلاء من على منابر هذه الاجسام الوهمية وهي كانت لا تخدم الشعب الليبي ولا ليبيا. عندما انهار النظام انهارت هذه الاجسام الوهمية وأصبحت غير قادرة حتى على إدارة نفسها وتقديم الخدمات للمواطن.

لا شك أن هناك كفاءات بهذه الاجسام الوهمية وخبرات سوء من المتعاطفين مع النظام او كانوا أو أصبحوا ضده. يمكن الاستفادة من بعضهم ولكن ليس في مناصب سيادية كما يحلمون بالرجوع اليها. من يريد أن يخدم ليبيا وشعبها يستطيع أن يفعل في اي منصب اذا وجدت البيئة الجيدة.

بناء مؤسسات الدولة بليبيا  هو ما نطمح أن يحدث يوما وتكون لها الصفة الذاتية والاستقلالية في تسير امورها حسب اللوائح والقوانين والضوابط مثال ما يحدث بالمؤسسات العالمية والتي تحمل نفس الأسماء. إذا تم بناء هذه المؤسسات بالطريقة الصحيحة، فلن تنهار الدولة وإذا انهار النظام حيث المؤسسات لا تتأثر بانهيار الأنظمة او تغيرها أو رحيل الرئيس واستبداله برئيس اخر من خلال الدورات الانتخابية والبرلمانية. هذا يرجع الى وجود ضوابط وقوانين وخطط عمل لهذه المؤسسات وهي ثابته وفي تحسن مستمر. لهذا بناء مؤسسات الدولة مهم جدا في ليبيا ويجب العمل عليه إذا خرجنا من هذه الفوضى وقفلنا كل النوافذ في وجوه من يريدون الرجوع بعد ما طردهم الشعب الليبي.

 

د. ناجي بركات

الكاتب:

وزير الصحة سابقاً، المكتب التنفيذي، المجلس الوطني الانتقالي، ليبيا
استشاري أمراض مخ وأعصاب أطفال، لندن

عدد المقالات المنشورة: 100.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: سالم محمد 2016/11/01

    نشكر منبركم الاعلامي علي أتاحه الفرصه
    ناجي بركات غني علي التعريف كان كل يوم في اللجنه الشعبيه للصحه وكان من المطبلين والدين حاولوا الدخول في عطاءات ايام الحجازي وان احد الموظفين ومع هدا قفز مع فبراير وتسلق ونسي تمجيد الفاتح وبدء يبحث عن دور لاسف هؤلاء هم اكثر خطر وخاصه الدين أفلسوا في الغرب وأتوا بطمع
    نأمل ان يرتاح ويترك ليبيا علي الاقل كنا عائشون مع الفقر بدون اسالت دماء

تعليق واحد